اللواء معتصم عبد القادر مستشار الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية السودانية: هدنة "الدعم السريع" دعاية إعلامية.. وجيش السودان يمضي نحو الانتصار الكامل
السبت، 29 نوفمبر 2025 11:00 م
لا وجود لـ"حرب الجنرالات".. والميليشيا ليست طرفاً في أي معادلة سياسية أو عسكرية
المتمردون يستخدمون التجويع والحصار والاعتداءات الجسدية سلاح لتهجير المواطنين والاستيلاء على الأرض وجلب
الدور المصري داعم أساسى للسودان سياسياً وإنسانياً.. وهدفه الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها
بين ركام الحرب وتصاعد الانتهاكات في السودان، تأتي جهود الحكومة السودانية لمواجهة التمرد وحماية المدنيين وسط تحديات عسكرية وإنسانية هائلة، ومع إعلان ميليشيا الدعم السريع هدنة أحادية الجانب وخرقها السريع على الأرض، يبرز التساؤل عن جدّية هذه الإجراءات وعن دور الوساطات الدولية في كبح التصعيد.
وللحديث أكثر عن تطورات الأوضاع السودانية على الأرض، التقت "صوت الأمة" اللواء معتصم عبد القادر، مستشار الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية السودانية، لتحليل وفهم أبعاد الأزمة الإنسانية، وتقييم دور المجتمع الدولي والإقليمي في مواجهة هذا التمرد وإعادة الاستقرار للبلاد.. وإلى نص الحوار
كيف تنظر إلى إعلان "الدعم السريع" هدنة أحادية لمدة ثلاثة أشهر؟ وما جدّية هذا الإعلان عملياً؟ وما الذي يجب أن تراه الحكومة السودانية من ضمانات حتى تعتبره خطوة حقيقية؟
الهدنة التي أعلنها قائد الدعم السريع في 24 نوفمبر 2025 بدت في ظاهرها خطوة تهدف لإظهار رغبة في التهدئة، لكنها عملياً افتقدت أي مؤشر على الجدية بعدما تم خرقها خلال أقل من 24 ساعة بالهجوم على مدينة بابا النوسة، ورغم أنهم قالوا إنها هدنة من جانب واحد ويلتزمون بها لمدة ثلاثة أشهر، إلا أنهم عادوا سريعاً ونقضوا ما أعلنوا عنه، ما يؤكد أن هذه الميليشيا لا تعرف الهدنة ولا وقف إطلاق النار ولا وقف العدائيات، بل تسعى فقط إلى إعادة بناء قوتها بعد الهجمات الشرسة التي شنتها عليهم القوات المسلحة السودانية وما تزال تشنها لإبعادهم عن كل المناطق في كردفان ودارفور، ومن ثمّ، فإن الحكومة السودانية لا يمكن أن تتعامل مع هذا الإعلان كخطوة حقيقية من دون رؤية التزام فعلي على الأرض يثبت وقف الهجمات وعدم استغلال الهدنة لإعادة تجميع الصفوف.
الحكومة اتهمت الدعم السريع بـ"حصار المدنيين وتجويعهم واستخدام طائرات مسيّرة وجرائم مروعة"، ما تعليقكم على هذه الاتهامات؟
هذه من سياسات الدعم السريع، أن تهاجم المدنيين وتحاصرهم وتجوعهم، وتم هذا من قبل في الفاشر، ففي مدينة فايق قبل فترة من أعمال القوات المسلحة، منها دعا الأمين العام للأمم المتحدة لهدنة لمدة أسبوع لتوصيل مواد الإغاثة، ولكنهم رفضوها أيضاً، ومن قبل هاجموا قوافل إغاثة كانت متحركة من مناطق تحت سيطرة القوات المسلحة، هاجموها في مدينة الكوتمة وحرقوها، وأيضاً كذلك حرقوا مثل هذه الشعلات الإغاثية في مدينة مليط قبل وصولها إلى مدينة الفاشر،كما يستخدمون أسلحة التجويع والحصار وإذلال وقتل والاعتداءات الجسدية على المواطنين كسلاح للحرب لتهجير المواطنين من مناطقهم، هذه سياسة معلومة لدى ميليشيا وتمارسها بصورة ممنهجة، كما ذكر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه المليشيا تمارس انتهاكات ممنهجة ومقصودة ومتعمدة.
بخصوص دور الوساطة الأمريكية واللجنة الرباعية، كيف تقرأون تأثير الضغوط والاقتراحات الدولية بما في ذلك خطة عرضت على الطرفين لكنها قوبلت بالرفض؟
لا وجود لما يُسمّى حرباً بين الطرفين أو "حرب الجنرالات"، فهذه تسميات يطلقها البعض، بينما نحن نرى بوضوح أن المليشيا ليست طرفاً في أي معادلة سياسية أو عسكرية، بل هي جماعة مسلّحة تمردت على القوات المسلحة السودانية، ومن ثمّ، فإن واجبها الوحيد هو الانصياع لقرارات القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة، والتجمع في معسكرات محددة خصيصاً لهذا الغرض، هذا هو الحل، وهذه هي الهدنة الممكنة بالنسبة لهذه القوات المتمردة، أما التعامل معها كطرف تفاوضي فهو أمر مرفوض تماماً، فما ارتكبته من جرائم بحق الشعب السوداني والمدنيين يكفي لتجريدها من أي صفة عسكرية أو رسمية، ويمنعها من ممارسة أي دور في الحياة السياسية أو العسكرية في السودان.
هل يمكن للضغوط الخارجية أن تُجبر الطرف الآخر على تغيير نمط عملياته أم أنها تؤثر فقط على الدعاية الإعلامية؟
الدعوة الدولية، إذا كانت جادة ومصحوبة بضغوط حقيقية على المليشيا المتمردة، ستؤثر بشكل مباشر على قوتها وقدرتها على الاستمرار، لأن هذه المليشيا تعتمد في جزء كبير من نشاطها على تجنيد المرتزقة ودفع الأموال لهم لمواصلة انتهاكاتها ضد السودان، ولذلك، فإن استمرار الضغط الدولي عليها سيضعفها بلا شك، ويمكّن الجيش السوداني من السيطرة بسهولة على كامل تراب السودان، فالجيش يعمل اليوم تحت أحلك الظروف ويواصل مهامه بهدف تحرير كل الأراضي السودانية واستعادة الأمن والاستقرار.
الحكومة السودانية تشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المحتلة قبل أي حوار، هل هذا الشرط عملي من وجهة نظر عسكرية أم سيعقّد الطريق للتفاوض؟
الدعم السريع تمرد على الدولة السودانية، ولا توجد أي صيغة دستورية أو قانونية للتعامل معه، ومن الناحية العسكرية هناك تقدُّم مستمر لاكتساح التمرد في كل الولايات، وأي حديث عن مفاوضات يجب أن يبدأ بخروج قوات التمرد من المدن وتجميعها في معسكرات مخصّصة لهذا الغرض، على أن يكون الشرط الأساسي هو وضع السلاح بالكامل قبل الدخول في أي مسار سياسي أو أمني.
ما الآليات الوطنية أو الدولية التي تراها مناسبة لمعالجة الانتهاكات، وكيف توازن بين المحاسبة والضغط لوقف القتال فوراً؟
الضغط العسكري هو السبيل الوحيد للقضاء على التمرد، والجيش السوداني بمساندة شعبه قادر على ذلك وقد قطع شوطاً مهماً بالفعل، وهذه هي الآلية الوطنية لمواجهة الأزمة، أما الآلية الدولية فتتمثل في الضغط على الدول الداعمة لوقف تورطها في المستنقع السوداني، إضافة إلى قيام مجلس الأمن والمحاكم الدولية بدورهم في محاسبة التمرد على الجرائم التي ارتكبها.
كيف تنظرون إلى حجم النزوح الداخلي والخارجي منذ التصعيد الأخير، وما الجهوزية الحكومية للمساعدة في تسهيل إجلاء المدنيين وحمايتهم؟
حركة النزوح واللجوء تراجعت بشكل كبير مقارنة بأيام الحرب الأولى، إذ نزح نحو 15 مليون سوداني إلى الولايات الآمنة التي يسيطر عليها الجيش السوداني، ولجأ أكثر من مليوني سوداني إلى دول الجوار، وقد بدأ معظم النازحين واللاجئين في العودة إلى وطنهم وولاياتهم بعدما توفّر لهم الأمن وسبل كسب العيش وخدمات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، وفي العمليات الأخيرة في دارفور وكردفان، شهدنا فرار مئات الآلاف من مناطق التمرد بسبب الانتهاكات والتضييق والقتل على الهوية، واتجهوا إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة حيث تتوافر الحياة الكريمة والأمن والخدمات، ما يعكس أن حركة النزوح الحالية مرتبطة بالبحث عن مناطق آمنة أكثر من كونها موجة نزوح جديدة واسعة.
وكيف تنظر إلى الدور الحكومي في إفساح طرق إجلاء وتأمين مخيمات مؤقتة؟ هل هناك قوافل إنسانية مؤمنة؟ وكيف تُنسق الحكومة مع الوكالات الإنسانية لتبادل قوائم المستفيدين وتجنّب ازدواجية التوزيع؟
معظم تنسيق الإغاثة يتم حالياً عبر الجهود الشعبية والمنظمات الوطنية التي تتحمل العبء الأكبر في إيصال المساعدات وتأمين احتياجات النازحين، بينما تظل الإغاثة الدولية محدودة للغاية، ومع ذلك، توجد جهود عربية ودعم من بعض الدول في المجال الإنساني يساهم في سد جزء من الفجوة، وفي هذا السياق، يبقى دور وحدات الجيش واسعا في إفساح الطرق وتأمين حركة الإجلاء وفتح المسارات الآمنة التي تسمح بوصول القوافل، فيما يعمل التنسيق الإنساني بشكل رئيسي من خلال المبادرات المحلية التي تتولى تبادل المعلومات حول المستفيدين قدر الإمكان لتقليل الازدواجية في التوزيع في ظل ضعف وجود منظومة دولية كاملة للمتابعة.
نسمع ونقرأ يوميا تقارير تتحدث عن قتل واعتداءات جنسية واستهداف مخيمات نزوح، كيف تنظر إلى هذه التقارير من زاوية التحقيق والمساءلة؟
التقارير المتعلقة بالقتل والاعتداءات الجنسية واستهداف مخيمات النزوح تشير، وفقاً لشهادات نقلتها منظمة العفو الدولية، إلى أن الهجمات على النازحين والفارين من الحرب تتم في مناطق التمرد بمنهجية وتعمد، ومن هذا المنظور، فإن مسألة التحقيق والمساءلة ترتبط مباشرة بتثبيت الوقائع وتوثيق هذه الشهادات، باعتبار أن ما يجري ليس حوادث فردية بل انتهاكات ممنهجة تتطلب محاسبة واضحة في إطار قانوني يضمن حقوق الضحايا ويكشف الجهات المسؤولة عن تلك الممارسات.
وحول صعوبات وصول المساعدات: هل تُرجِعونها لأسباب لوجستية أم أمنية أم عراقيل من أطراف مسلحة؟ وما الإجراءات الفورية ااتي تراها لضمان ممرات إنسانية؟
صعوبات وصول المساعدات تعود بشكل أساسي إلى سياسات المليشيا المتمردة التي تقوم بنهب الإغاثة وفرض الحصار وتجويع المدنيين بغرض الاستيلاء على أراضيهم وجلب مستوطنين من دول جوار ومناطق أخرى، ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات الفورية المطلوبة لضمان ممرات إنسانية تتمثل في تمكين وصول العون إلى المواطنين داخل مناطق التمرد، من خلال الضغط على المليشيا ومموليها لوقف العراقيل التي تضعها والتوقف عن استهداف الإغاثة، حتى تتمكن المساعدات من الوصول إلى مستحقيها دون تهديد أو تدخل.
وكيف تتعامل الحكومة والجيش السوداني لمواجهة تحدي استغلال المساعدات من قبل قوات الدعم السريع؟
ما يهم الحكومة والجيش هو أن تصل الإغاثة إلى المواطنين في كل السودان دون استثناء، لكن المشكلة تكمن في أن المليشيا تستغل وسائل نقل المساعدات لتموين قواتها، ما يعرقل الهدف الإنساني ويحوّل الإغاثة إلى وسيلة دعم عسكري، ولذلك يظل التعامل مع هذا التحدي مرتبطاً بضمان رقابة حقيقية على مسارات النقل ومنع استحواذ المليشيا عليها، بما يحفظ حق المدنيين في الحصول على ما يحتاجونه دون أن يتحول الدعم الإنساني إلى أداة في يد التمرد.
كيف تقيمون دور مصر سياسياً وإنسانياً الآن من أجل وضع حد للحرب السودانية؟
الدور المصري في الأزمة السودانية واضح ومعلن، ويُمارس على أرض الواقع من خلال عدة محاور أساسية، أولها الحفاظ على استقرار الدولة السودانية ومؤسساتها، وثانيها استضافة اللاجئين السودانيين وتقديم الدعم لهم، وثالثها المساهمة بشكل فعلي في جهود تحقيق السلام، بالإضافة إلى المشاركة في محاولات الحل السياسي للأزمة والعمل على تهيئة الظروف التي تسمح بعودة الأمن والاستقرار إلى السودان.
مع تفاقم الأزمة الإنسانية والنزوح في السودان، ما الرسالة التي تريد توجيهها للمجتمع الدولي؟
مع تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات الشعبية والحكومية لاحتوائها وتخفيف آثارها على المدنيين، يظل من الضروري على المجتمع الدولي أن يقدم أقصى ما يستطيع من دعم ومساعدة، بما يساهم في إعادة السودانيين إلى حياتهم الطبيعية في أقصر فترة ممكنة، ويعزز قدرة الدولة والمجتمع على تجاوز آثار الأزمة واستعادة الاستقرار والأمان.