محمد مهنا: تحولات نمط المعيشة والاستهلاك تعكس تراجعًا في الاكتفاء الذاتي وضعفًا في الثقة بالهوية
الثلاثاء، 09 يونيو 2026 10:43 ص
منال القاضي
قال الدكتور محمد مهنا، الأستاذ بجامعة الأزهر، إن مظاهر ضعف الهوية، التحولات التي طرأت على نمط المعيشة، خاصة مع الانتقال من الحياة الريفية البسيطة إلى النمط الحضري الاستهلاكي.
وأوضح مهنا، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم ، أن القرى في الماضي كانت تمثل نموذجًا متكاملًا للاكتفاء الذاتي، حيث كان الإنسان يعيش في بيئة توفر له احتياجاته الأساسية من غذاء وإنتاج محلي، قائلاً: "القرية كانت وحدة مكتفية بذاتها، فيها العيش واللبن والجبن والبيض واللحوم والخضروات، كل شيء متوفر بشكل طبيعي".
وأضاف أن هذا النمط تغير تدريجيًا مع هجرة السكان إلى المدن، ما أدى إلى تحول القرى نفسها إلى نمط استهلاكي يشبه المدن، بعد أن فقدت كثيرًا من خصائصها الإنتاجية، وأصبحت تعتمد على الخارج في تلبية احتياجاتها.
وساق مهنا مثالًا من تجربته الشخصية خلال زيارة سابقة لفرنسا، حيث لاحظ وجود منتجات متشابهة في الشكل والوزن لكنها تختلف في السعر بسبب تصنيفات مثل "مدخن" أو "طبيعي"، معلقًا: "إحنا في بيئتنا الأصلية كنا بنمارس ده بشكل طبيعي دون تكلف، لكن تم تسويقه هناك كميزة خاصة تُباع بسعر أعلى".
وأشار إلى أن هذا يعكس تحولًا في نمط الاستهلاك، حيث أصبح كثير من الناس يسعون وراء أنماط معينة من المنتجات والعلامات التجارية، معتبرين ذلك معيارًا للجودة أو الرفاهية، وهو ما يعكس في جانب منه "ضعف الثقة بالنفس وبالمنتج المحلي".
وتابع: "زمان كان عندنا في القرى تكافل اجتماعي حقيقي، لو حد فقد مصدر رزقه أو باع مواشيه، كانت القرية كلها بتقف جنبه، وتمدّه باحتياجاته من غير ما يضطر يشتري"، مؤكدًا أن هذا النمط كان يعكس عزة واكتفاءً، في مقابل ما نشهده اليوم من اعتماد متزايد على الشراء والاستهلاك.
كما لفت إلى أن وجود المحال التجارية داخل القرى لم يكن مألوفًا في الماضي، نظرًا لاعتماد الناس على الإنتاج الذاتي، بينما أصبح اليوم أمرًا شائعًا، بل وضروريًا، في ظل تغير نمط الحياة.
وأوضح مهنا أن هذا التحول لم يقتصر على القرى فقط، بل امتد إلى المدن أيضًا، حيث تغيرت أنماط الاستهلاك بشكل ملحوظ، وأصبح الإقبال على المنتجات العالمية والعلامات التجارية ظاهرة واضحة، خاصة بين الشباب.
وشدد على أن هذا التغير في السلوك الاستهلاكي يعكس تحولات أعمق في القيم والثقافة، داعيًا إلى إعادة التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على خصوصية الهوية والاعتزاز بالإنتاج المحلي.