الحرب الثقافية على مصر

الجمعة، 19 مايو 2017 03:21 م
الحرب الثقافية على مصر
إيهاب عمر يكتب:

في زمن الحرب الباردة او بالوكالة، تنشط أنماط الحروب النفسية والإعلامية والاقتصادية، ومن اهم اقسام الحروب النفسية هو صنع وزراعة الهزيمة التاريخية والثقافية والفكرية في الدولة المستهدفة.
 
والهزيمة الثقافية في الأساس هو التشكيك في التاريخ وجدواه وفصوله، وفي رموزه ورجالاته وانتصاراته، وتحويل كل رجل دولة الى خائن وعميل وفاسد ومهزوم، وتحويل كل انتصار الى هزيمة لم نعترف بها وخسارة وانكسار.
 
وبالطبع هنالك طابور خامس من المؤرخين بأجرة ومرتزقة الثقافة والصحافة الذين تقدموا صفوف الخيانة للعب هذا الدور تحت عباءة التنوير، ووجدوا جمهور من المرضى الذين يشعرون بالدونية واحتقار الذات ويرغبون ان يسود هذا الشعور ارجاء الوطن.
 
لذا لا عجب ان نرى الحملات الصحفية، عبر مثقفين واعلامي وصحفيين، ثم تلتحم بحملة مفتعلة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل ان تختتمها بوابات صحفية وإعلامية ومواقع خبرية رقمية دائماً ما يقف خلفها قطر او تركيا، وهذا البرنامج اليومي الذي تتعرض له العقلية المصرية هدفه واحد فحسب، الوصول الى الهزيمة الثقافية والتاريخية ونسف أعمدة الثقة ذات المرجعية التاريخية في النفسية المصرية.
 
ليست الحملة الأولى او الأخيرة على السلاطين صلاح الدين الايوبي والظاهر بيبرس وسيف الدين قطز، وتأتي مواكبة لحملة السودان ام الدنيا ومهد الحضارة المصرية القديمة والصناع الحقيقيين للأهرامات، ويعرف الكثير من العاملين في قطاع الاثار في مصر ان هنالك المئات من رجالات علم الاثار الغربيين عملوا في مصر دون ان يتحلوا بالأمانة العلمية، بل كانت الدولارات القطرية والتركية هي محركهم الأول في تزييف تاريخنا سواء عبر المسرح الميداني في التنقيب او عبر مقالاتهم او الكتب العلمية لاحقاً. 
 
ومن ضمن الهزليات التي خرجت علينا منذ فترة تحت دعوى كشف التاريخ بينما هي تزوير التاريخ، و تحت مسميات التاريخ في الكتب المدرسية غير دقيق، بينما هم يستغلون جهل الناس لان التاريخ لا يستقى الا من كتب التاريخ المشهود لها بالكفاءة العلمية ، خرج من يخبرنا ان معركة قادش الثاني التي جرت عام 1274 ق.م في سوريا بالقرب من نهر العاصي في حمص ، تلك المعركة التي تجمع المراجع التاريخية العسكرية ان الجيش المصري بقيادة الملك رمسيس الثاني قد حقق انتصاراً عسكرياً، يقولون لك ان هذا الانتصار لم يحدث وان كلا الطرفين ادعي الانتصار لاحقاً !
 
العالم المصريات الفرنسي نيكولا - كريستوف جريمال Nicolas-Christophe Grimal الذي يعد من اهم علماء العصر الحديث، من مواليد نوفمبر 1948، أشار في كتابه تاريخ مصر القديمة Histoire de l'Égypte ancienne الصادر عام 1988 الى انه بمراجعة كافة المراجع التاريخية والبرديات والاثار المتاحة، فأن الجيش المصري بقيادة رمسيس الثاني حقق انتصار عسكري واضح في هذه الموقعة.
 
وبعد بحث وجدت ان مبدع نظرية هزيمة الجيش المصري في قادش هو باحث إيراني يدعي Mehdi Yarahmadi مهدي ياراحمادي !، منذ متي أصبح لإيران باحثين في علم المصريات؟ وهل أصبح هؤلاء الذين وقفوا موقف المتفرجين على آيات الله و هم يجوبون المحافظات الإيرانية لتكسير كافة اثار الحضارات الفارسية بدعوي انها اصنام هل يمكن الاعتماد على آرائهم اليوم باعتبارهم علماء نثق قدراتهم الفنية و الأمانة العلمية؟
 
وفى سياق متصل قد تأتي الضربة باعتبارها نيران صديقة، خصوصاً في ظل نظام تعليمي مدمر ونفوس ضامرة، والحاصل انه عقب صعود تنظيم الاخوان الإرهابي للحكم عام 2012، ادعى البعض ان التنظيم الديني الإرهابي ما هو الا نسخة من حركة التوحيد الديني التي قام بها الملك اخناتون (أمنحوتب الثالث)، وان اخناتون هو حسن البنا مصر القديمة!
 
قول يدل على ان قائله لم قرأ كلمة واحدة عن الفلسفة الدينية والسياسية لهذا العاهل المصري، تقول عالمة المصريات الإنجليزية روزالى ديفيد Rosalie David في كتابها الحياة في مصر القديمة Life in Ancient Egypt الصادر عام 1998 ان اخناتون لم يبتكر رب جديد، حيث ان الرب المشار اليه بالشمس كان موجود بالفعل في الحياة المصرية، ويعبد في معابد رع ومعابد امون وغيرها، اذ ان رع وامون يرمزان بدورهم الى الشمس مثلما الحال مع اتون.
 
ما يعني – وفقاً للعالمة الإنجليزية – ان اخناتون لم ينادي بإلغاء ديانات او مذاهب موجودة وطرح دين او رب جديد، بل توحيد كافة الديانات والمذاهب الموجودة التي كانت بالفعل تعبد نفس الرب الذي ينادي به اخناتون، ما يعني اننا امام حركة اصلاح ديني وسياسي في المقام الأول.
 
ويكمن شقها السياسي في هدم فساد طبقة رجال الدين ونفوذهم الرهيب في الشأن السياسي العام، ما أدى الى انحراف العقائد السائدة وقتذاك، وكانت فكرة استبدال تلك العقائد بعقيدة موحدة من اجل الغاء هذا النفوذ وذاك الانحراف.
 
ان المناداة بالتوحيد هو الامر ذاته الذى قام به الأنبياء موسي وعيسي ومحمد عليهم السلام، بل وسبق لعالم المصريات الألماني جان اسمان Jan Assmann ان اصدر كتاباً بحثاً عام 2004 في فرانكفورت الألمانية هز العالم – باستثناء علماء وخبراء مصر طبعاً – بعنوان موسي ومصر Moses der Ägypter، يشير فيه الى تطابق بين ترنيمة آتون العظمي وهى عمل ادبي من تأليف اخناتون و ما بين المزمور 104 في التوراة، وأشار العالم الألماني الى ان كافة الشواهد تشير الى ان اخناتون كتب هذ النص قبل رسالة موسي، وأجزم العالم الألماني في دراسته ان الدين اليهودي نقل نصوصاً دينية من اخناتون بشكل حرفي في المزمور رقم 104 و145 في التوراة.
 
اما الباحث اليهودي النمساوي من أصول تشيكية سيجموند فرويد، فقد لفت انتباهه الامر ذاته، وعبر سنوات من البحث أصدر كتابه موسي والتوحيد Der Mann Moses und die monotheistische Religion عام 1939 قبيل وفاته ببضعة أشهر حيث نشر مقاطع من التوراة وأخرى من ارث اخناتون مشيراً الى انه لا جدال ان الدين اليهودي اقتبس الفلسفة الدينية من عقيدة اخناتون كاملة.
 
اتهم فرويد بمعاداة السامية في أواخر أيامه، لذا لا اتعجب من الحملة التي تجرى اليوم لتشويه اخناتون، فالصهيونية العالمية لا تريد لهذا الملك المصري ان يكون له مصدقيه في العقول، بعد ان كشف أعتى العلماء اليهود فرويد في الثلاثينات هذا الكشف الخطير.
 
ثم يقولون لك ان قائد جيشه حور محب قد خلص مصر من حكم اخناتون، وان الرئيس عبد الفتاح السيسي هو حور محب هذا العصر.
 
في البداية، الرئيس السيسي ليس بحاجة الى أكاذيب تاريخية، اذ للرئيس انجاز تاريخي ينصفه دون ان نشبهه بما سبق في كتب التاريخ، اما قائد الجيش في زمن اخناتون فهو "باتمحب" وليس "حور محب" وفقاً للعالم نيكولا - كريستوف جريمال في كتابه المشار اليه في السطور السابقة، وعقب الوفاة الغامضة لاخناتون تولى ابنه الاولي ثم الثاني توت عنخ آمون.
 
في عصر الملك توت ظهر حور محب قائداً للجيش، والمتحدث الملكي الخارجي باسم مصر، ما يوازي وزير الدفاع والخارجية بمعايير عصرنا الراهن، وعقب وفاة توت تولى الوزير حور آى السلطة لفترة قبل ان يصبح حور محب آخر حكام الاسرة الثامنة عشر، وبالتالي فأن التشبيه الذي حاول البعض لي ذراع التاريخ من اجله أصبح غير لائق.
 
ان لليهود والفرس ثأر مع الحضارة المصرية القديمة فلا تتحولون الى قطع شطرنج في أيديهم وتصبحون خناجر تغرس في ظهر تاريخ أقدم أمة في التاريخ.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق