سيرة المبدعين الراحلين

الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017 04:52 م
سيرة المبدعين الراحلين
حسين عثمان يكتب:

ثلاثة مشاهد عشناها في الآونة الأخيرة، ولا تزال توابعها مستمرة، ونتوقع تواصلها طويلاً، بقدر ما كشفت عنه من سيرة ثلاثة من كبار مبدعينا الراحلين، وبقدر ما تثيره كذلك من جدل يتجدد من وقت لآخر، حول ما يجب أن يشغلنا في سيرة هؤلاء، وخاصة ما يتكشف منها بعد الرحيل، وسواء ما يتصل منه بعطائهم الإبداعي أو سلوكهم الشخصي، ولأن الإعلام دائماً هو صانع الضجة، فإن تناوله سيرة المبدعين الراحلين يلعب دوره المؤثر، إما إيجاباً بالتركيز على سيرتهم الإبداعية، أو سلباً – وهو الغالب – حين لا يخرج التناول عن إطار النميمة، فيفرد مساحات العرض لسيرتهم الشخصية، لينتهي به الأمر إلى التعريض بمعنى التشويه.

المشهد الأول تصدرته كريمة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، حين استضافتها الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها الجماهيري (معكم)، فكان أن حققت منى سبقاً إعلامياً بفتحها ملف قلادة النيل، أعلى الأوسمة المصرية، حيث كشفت هدى أن نسختها الممنوحة لوالدها بعد حصوله على جائزة نوبل في الأدب، لم تكن من الذهب الخالص كما هو معروف عنها، وإنما فضة مطلية بقشرة من الذهب، وهو ما تأكدت منه أرملة الراحل الكبير عندما شكت في أمر القلادة حال تسلمها، مما دفعها لزيارة حي الصاغة الشهير زيارة حولت الشك داخلها إلى يقين، وهو ما فضل نجيب محفوظ الصمت عنه في حينه، وصدمت به ابنته الجميع اليوم.

قضية هامة أخرى طرحها الحوار، وتتعلق بحق ورثة المبدعين في التصرف في تراثهم الإبداعي، شأنه في هذا شأن أي ميراث يتركه الراحلون للورثة، فقد كررت كريمة الراحل الكبير رفضها طلب المخرج خالد يوسف تحويل رواية (أولاد حارتنا) إلى عمل سينمائي، وتحججت هدى بأنها لا تملك فنياً تقدير الموافقة، بأن تضع نفسها مكان والدها، لترى ما كان يراه حين يقبل أو يرفض مثل هذا الطلب في حياته، وكلنا يعلم أن نجيب محفوظ صرح أكثر من مرة بأنه يعتبر الفيلم السينمائي عملاً فنياً مستقلاً عن الرواية حتى وإن كان مأخوذاً عنها، وذلك بما لفن السينما من مقومات لا تقاس بمعايير أدب الرواية.

ملف قلادة النيل مفتوح إلى أن يفصل فيه، فهو مما يمس مصداقية الدولة وهيبتها، والحقائق وراء ما حدث مع نجيب محفوظ من حق الجميع، وسواء كانت الحقيقة مرة بأنها فضة للمصريين وذهب للأجانب كما أتحفنا فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، أو أكثر مراراً بأن هناك تلاعب وقع في غفلة من الجميع مع الراحل الكبير نجيب محفوظ، وفيما يتعلق بالسلطة المطلقة لورثة المبدعين في التحكم في تراثهم الإبداعي، فهو مما يقيد الثراء الإبداعي لعطاء يستحق الخلود، تحفظي هنا صريح، ولكنه لا ينفي وقوفي في صف هدى نجيب محفوظ في مواجهة الباطشين بقوة بسيرة أسرة لم تفعل سوى أنها عاشت في حالها.  

المشهدان الآخران نراهما على النقيض من مهنية المشهد الأول، ويتعلقان بسيرة اثنين من كبار مبدعينا، فقد نشرت جريدة البوابة حواراً مع الراحل الكبير محفوظ عبد الرحمن، اختصها به في حياته، وطلب نشره بعد رحيله تفادياً للمشاكل، على حد رواية الجريدة، وصدرته بفرقعة زواج سيدة الغناء العربي أم كلثوم في السر، وإنجابها ثلاثة أبناء أحدهم كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقامت الدنيا من وقتها ولم تقعد بعد، ولا تزال البوابة لأكثر من شهر تعيش على توابع الحوار، ولم تنس في هذا تأكيدها أنه مسجل بصوت الرجل، ولكنها تتناسى أنها تنتمي لمؤسسة إعلامية تقوم في الأساس، على منهج التسجيلات والتسريبات وسلوك الفضيحة.

تقرأ الحوار فتتوقف عند غياب التفاصيل، فليس أقل من التصريح بشخص الزوج، وملابسات الزواج، وتوقيته، وظروف حياة الأبناء بعد وفاة الست، وغيره مما يأتي بداهة على ذهن أي صحفي مبتدىء، في مواجهة تصريح لمبدع كبير، يمس من هي بقامة أم كلثوم، وتفاصيل لابد وأن يعلمها من يملك أساس الخبر، وتتعجب من استخفاف الجريدة برد فعل أرملة الكاتب الكبير، الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز، والتي سارعت بنفي الحوار، مؤكدة أن حارس بوابة التاريخ لم يكن يوماً ممن يخافون أي مواجهة حتى يعقد مثل هذه الصفقة، وتأخذ صفها دون تفكير، إن كنت من المحظوظين بالاهتمام بسيرة الرجل ومواقفه وعطائه في حياته الحافلة.

خلاصة القول في سيرة المبدعين الراحلين، ممن أثروا حياتنا بإبداع متفرد يحمل صفة التفوق الاستثنائي، أن سيرة الإبداع هي ما يستحق الاهتمام والدراسة والتدقيق من مختلف الجوانب، نجدد بها ذكرى المبدعين في وجدان معجبيهم من ناحية، ونستخلص منها التجارب والخبرات من ناحية أخرى، لنضعها أمام الأجيال الجديدة من الموهوبين، بما يسهم في تطوير إبداعهم وتمكينه، وحفاظاً على مسيرة فنون لها في مصر تاريخ، أما النبش في القبور بحثاً عن فضيحة، أو ما يتصوره البعض فضيحة، فلا ينتقص إلا من رصيد هذا البعض، إن كان له بالأساس رصيد، سيرة الإبداع مهما فعلتم يا سادة هي الأقوى تأثيراً ونفوذاً في نفوس الجماهير.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق