ضحكات المصريين أطفأت نيران الفتنة

الأحد، 23 يناير 2022 10:00 ص
ضحكات المصريين أطفأت نيران الفتنة
حمدى عبد الرحيم يكتب:

يقع بعضنا في فخ الخلط بين العادة والعبادة، فيظن أن العادات جزء لا يتجزأ من العبادات، وقد كنت شاهدًا على نقاش بين شيخ عالم وبين مواطن من الذين وقعوا في ذلك الفخ اللعين، وأصل القصة أن الشيخ العالم إمام المسجد، منع استخدام الميكرفون في إذاعة قرآن وتواشيح الفجر، فتحرش به أحد المصلين قائلًا بلهجة استنكار: هل مولانا متأكد من انتسابه للأزهر الشريف؟
 
ابتسم الشيخ وقال: أنا أزهري ومعين من الدولة لإمامة المسلمين، وأحفظ القرآن الكريم كاملًا وأحفظ من الأحاديث النبوية الشريفة الكثير، ولا أزكي نفسي على الله عندما أقول: إنني أعرف ديني بطريقة طيبة.
 
عاد الرجل للسؤال بلهجة ساخرة: كيف ستقبل صلاتنا ونحن لا نذيع قرآن الفجر وتواشيحه بميكرفون المسجد؟
 
كان الشيخ هادئًا وهو يرد بتفصيل على السائل الساخر: يا أخي الكريم هناك فرق ظاهر بين شروط الصلاة وقبول الصلاة، الشروط معروفة ونحن نحرص على الالتزام بها، أما القبول فموضوع مختلف لأنه بيد الله وحده، فقد تحسن القيام والركوع والسجود ثم لا تقبل صلاتك، ثم لم يقل أحد أن بث القرآن عبر الميكرفون من شروط صحة الصلاة.
 
عرف المواطن الواقع في فخ الخلط بين العادات والعبادات إنه سيخسر النقاش، فرفع صوته قائلًا: بعد اليوم أنت لست إمامي.
 
لم يتزحزح الرجل عن موقفه وامتنع عن الصلاة خلف الشيخ العالم وذهب إلى مسجد آخر!
 
وفي ذاكرتي واقعة ثانية أعجب من الأولى، فقد قال لي صديق: ترك جاري مذياع بيته مضبوطًا على إذاعة القرآن الكريم، والمشكلة أن المذياع صوته مرتفع غاية الارتفاع، وقد طرقت بابه مرات لكي يخفض من صوت مذياعه لم يجبني أحد، وبسؤال الجيران والبواب أخبروني أن جاري لا يقيم بالشقة أصلًا ويزورها على فترات متباعدة من باب الاطمئنان عليها، رجوتهم جميعًا التدخل لخفض صوت المذياع ففوجئت باستنكارهم لرجائي لأن القرآن بركة ويطرد الشياطين، حاولت إقناعهم بأنني لا أجادل في بركة القرآن، وأن كل ما أطلبه هو القليل من الهدوء عبر خفض صوت المذياع، لكنهم لم يسمعوا لي، حصلت بمشقة على هاتف جاري وشرحت له الموقف بكل هدوء فما كان من إلا أن قال لي: كف عن كلام الكفار هذا !
 
عرفت إنني كما يقولون قد دخلت في حارة سد، فقمت بفصل الكهرباء عن شقة جاري الخاوية على عروشها، وعندما حضر الجار للاطمئنان على شقته وعرف بما صنعت كاد يفتك بي لولا تدخل السيدة زوجته التي سيطرت على غضبه وأقنعته بصحة موقفي!
 
مثل تلك القصص التي لا تخلو منها حياة واحد منا، جعلتني أضع يدي على قلبي عندما شاع خبر ظهور مدعي نبوة في لبنان، أعرف حساسية الكثيرين منا عندما يتعلق الأمر بالدين بمعناه العام والشامل، فكيف سيكون رد المصريين على دعوة بلهاء وسخيفة مثل تلك الدعوى التي يدعيها رجل مضحك.
الحمد لله وفر المضحك على المصريين نصف مجهوده على الأقل عندما ناصبهم العداء ومنعهم من دخول مجموعته، هنا استخدم المصريون سلاحهم السري الفتاك، كنت أخاف من مواجهة خشنة ضرها أكبر من نفعها، وذلك لأني في البداية لم أر كيف وزن المصريون الرجل بميزانهم الخاص، فعرفوا أنه لا يزن شيئًا ولا خطورة منه ويكفي أن يطلقوا ألسنتهم فيه فيطفئوا نيران فتنته.
لقد جعل المصريون من الرجل حفلة من حفلات سخريتهم التي تقطر عسلًا وتنتزع الضحك من بين أنياب الكآبة، وهم في ذلك لا يستخفون بأمر النبوة، بل يضعون النقاط على الحروف ويتعاملون مع الموقف في سياقه الطبيعي، فالرجل مضحك فلماذا لا نجعله أضحوكة، وقد وقعت مثل تلك الحوادث في أزهي فترات الدولة الإسلامية، فكان الضحك هو العلاج المناسب لفتنة سخيفة، وقد سجلت لنا كتب التاريخ الكثير من تلك الوقائع، ومنها أنّ رجلاً ادّعى النبوة زمن الخليفة المهدي فاعتقلوه وحملوه إلى الخليفة، فقال له: أنت نبي؟
قال: نعم.
قال: وإلى من بُعثت؟
قال: أوَ تركتموني أذهب إلى أحد؟ ساعة بُعثت اعتقلتموني!
فضحك الخليفة وأفرج عنه.
ووقعت حادثتان في عهد الخليفة المأمون، فقد أحضر المسئولون إلى مجلس الخليفة رجلًا أدعى النبوة فسأله المأمون: هل لك علامة؟
قال: نعم، علامتي أني أعلم ما في نفسك
قال: وما في نفسي؟
قال: أني كذاب!
قال: صدقت. وأمر به فوُضع في الحبس
بعد أيام سأله الخليفة: هل جاءك وحي؟
رد المتنبئ: لا، لأن الملائكة لا تدخل الحبس!
فضحك الخليفة وأطلق سراحه.
وكان المأمون يسهر في رمضان مع بعض حاشيته، ومعهم القاضي يحيي بن أكثم، فدخل عليهم رجل يزعم أنه النبي إبراهيم الخليل.
قال له المأمون: كانت لإبراهيم معجزات هي أن النار تكون عليه بردًا وسلامًا، وسنلقيك في النار، فإن لم تمسّك آمنا بك.
قال الرجل: بل أريد معجزة أخرى.
فقال المأمون: فمعجزة موسى بأن تلقي عصاك فتصير ثعبانًا، وتضرب بها البحر فينشق، وتضع يدك في جيبك فتخرج بيضاء من غير سوء.
قال الرجل: وهذه أثقل من الأولى، أريد أخرى أخف.
فقال المأمون: فمعجزة عيسى وهي إحياء الموتى.
قال الرجل: موافق، إني أقبلُ هذه المعجزة، وسأضرب الآن رأس القاضي يحيى ثم أحييه لكم فوراً.
فهبَّ القاضي يحيى قائلاً: "أنا أول من آمن وصدّق بك"
فضحك المأمون، وأمر له بجائزة وصرفه.
لقد استلهم المصريون تلك الخبرة العظيمة في وزن الرجال وفي التعامل الصحيح مع رجل عابث سخيف، فردوا على عبثه بضحكاتهم التي أذهبت شر فتنته.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق