وزراء الشئون الدينية والمفتين في العالم يطالبون من القاهرة بتكثيف الخطاب الديني والإعلامي لمواجهة الفتن والشائعات

السبت، 19 فبراير 2022 09:00 م
وزراء الشئون الدينية والمفتين في العالم يطالبون من القاهرة بتكثيف الخطاب الديني والإعلامي لمواجهة الفتن والشائعات
منال القاضي

رسالة قوية انتهى إليها المؤتمر الدولي الثاني والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذى عقد الأسبوع الماضى تحت عنوان "عقد المواطنة وأثره في تحقيق السلام المجتمعي والعالمي"، بحضور عدد كبير من وزراء الشئون الدينية والمفتين والعلماء والمفكرين والمثقفين من مختلف دول العالم، هذه الرسالة خاصة بمفهوم الدولة، من خلال التأكيد على أن مفهوم الدولة "مفهوم مرن متطور"، وأن محاولة حصر هذا المفهوم في نموذج تاريخي معين وفرضه نمطًا ثابتًا أو قالبًا جامدًا إنما يعني غاية التحجر والجمود والوقوف عكس اتجاه عجلة الزمن، بما يشكل شللًا لحركة الحياة، خاصة أن التطور سنة الله في كونه، مع التشديد على "أن أوطاننا أمانة في أعناقنا يجب أن نحافظ عليها – أفرادًا ومؤسسات , وشعوبًا وحكومات – وبكل ما أوتينا من قوة وأدوات وفكر".
 
البيان الختامي للمؤتمر الذى القاه الدكتور محمد مختار جمعه وزير الأوقاف، تناول ما يمكن وصفه بخارطة طريق تصحح عدد من المفاهيم المغلوطة والتي تستخدمها بعض الجماعات والتيارات لتحقيق أغراض سياسية خاصة بها تحت ستار "الدين"، ومنها على سبيل المثال مفهوم الدولة، وأسباب الفتوى، فإذا كان البيان حدد المفهوم المرن للدولة، فإنه تحدث بلغة واضحة فيما يتعلق بالفتوى، من خلال التأكيد على أن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان أو المكان أو الحال، وأن ما أتاحه الشرع الشريف لولي الأمر من التصرف بحكم الولاية في ضوء الحفاظ على الثوابت باب شديد المرونة والسعة، ينبئ عن عظمة الشرع الشريف وحرصه على تحقيق مصالح البلاد والعباد، فحيث تكون المصلحة الراجحة فثمة شرع الله الحنيف.
 
وطالب المؤتمر بتكثيف الخطاب الديني والإعلامي لنشر أخلاقيات التعامل مع المجتمع الرقمي، وتوعية المواطنين جميعًا بعدم نشر أو ترويج الأخبار التي من شأنها الإضرار بالأمن أو إشاعة الفتن، مع تشديد عقوبات هذه الجرائم بما يحقق الانضباط السلوكي والردع اللازم للمنحرفين عن سبل الجادة، مع الدعوة لتضافر الجهود العالمية للعمل على تفكيك بنية خطاب العنصرية والكراهية، وتصحيح المفاهيم التي قد تؤجّج الصراعات بين البشر، وتقديم التفسير الصحيح للنصوص التي يستغلها المتطرفون لترويج أيديولوجياتهم، والتأكيد في الوقت نفسه على دور البرلمانات التشريعي والرقابي في ترسيخ دولة المواطنة التي لا تمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو اللون ، وتؤمن بالتنوع ، وتحترم التعددية وتعدها ثراءً للمجتمع.
 
كما تناول البيان نقطة مهمة، وهى "المواطنة" بالقول أنها مصطلح أصيل في الإسلام يتجاوز التنظير الفلسفي إلى سلوك عملي، وأن المواطنة الحقيقية لا إقصاء معها ولا تفريق فيها بين المواطنين، فالفكر الإسلامي يضمن بثرائه وتجاربه أن نبني حضارات قائمة على مواطنة حقيقية بغض النظر عن العقيدة أو اللون أو العرق، مشيراً إلى أن دولة المواطنة هي الأساس الذي يبنى عليه السلام المجتمعي والعالمي، وأي إضعاف للدولة أو المساس بسلامتها واستقرارها هو تهديد للسلم والأمن المجتمعي والعالمي ، وإفساح المجال للجماعات الإرهابية والميلشيات الطائفية لتعيث في الأرض فسادًا .
 
وفى إطار التأكيد مرة أخرى على مفهوم الدولة الوطنية، فقد شدد البيان على أن هذه الدولة هي أساس أمان المجتمعات جميعها، وأن العمل على تحقيق وترسيخ المواطنة التفاعلية والإيجابية الشاملة واجب الوقت، وأن بناء الدولة والحفاظ عليها واجب ديني ووطني، والتصدي لكل محاولات هدمها أو زعزعتها ضرورة دينية ووطنية لتحقيق أمن الناس وأمانهم واستقرار حياتهم، مع الإشارة إلى أن العلاقة بين الفرد ووطنه هي علاقة تبادلية أيًّا كانت عقيدة هذا الفرد أو عِرقه، وهي علاقة تحترم خصوصية الأفراد من حيث الحقوق ، وتحترم حق المجتمع من حيث الواجبات ، كما تراعي الحق العام وتحترمه.
 
وأشاد المشاركون في المؤتمر من كافة الدول الإسلامية بجهود وبرامج الدولة المصرية في برامج الحماية الاجتماعية، خاصة مبادرة حياة كريمة التي أطلقها الرئيس السيسي لتنمية الريف المصري، مؤكدين في الوقت نفسه على أهمية تنمية ثقافة المواطنة لدى النشء منذ نعومة أظافرهم، وتدريب الكوادر الوطنية وبخاصة الشبابية على خلق حالة من الوعي بأهمية المواطنة واحترام الآخر، والتأكيد على حريته في اختيار معتقده وحقه في إقامة شعائر دينه.
 
وأشاد البيان بتجربة مصر المتميزة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في استعادة الدولة الوطنية والحفاظ عليها، وفي مواجهة الإرهاب وترسيخ دولة المواطنة، وبناء جمهورية جديدة ترتقي بجودة الحياة لكل المواطنين، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات أيًا كانت دياناتهم أو مذاهبهم، وتفتح أبواب المشاركة واسعة لكل أبناء المجتمع على قدم المساواة.
 
وصدر عن المؤتمر ايضاً "وثيقة القاهرة للسلام" التي أكدت أن تحقيق السلام مطلب شرعي ووطني وإنساني يسعى لتحقيقه كل إنسان نبيل، وهو أصل راسخ في شريعتنا الغراء، مشيراً إلى أن الحوار بين الأفراد يعادله التفاهم بين المؤسسات، والتفاوض بين الدول وتحقيق ذلك على أرض الواقع يدعم السلام المجتمعي والعالمي. 
 
من جهة أخرى، وجه وزراء ومفتون من قادة المؤسسات الدينية بالعالم الإسلامي، رسالة تحمل قيم المواطنة والسلام إلى ربوع العالم تحمل السماحة والوسطية، مؤكدين أن الديانات السماوية جاءت لقبول الآخر وإسعاد البشرية ووضعت للحياة والعيش المشترك في الوطن الواحد، وقال الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، لـ "صوت  الأمه" إن العالم كله في حاجة ماسة إلى قيم المواطنة والتسامح التي تحمل في طياتها حبوب لقاح المحبة والتعايش والسلام والأخوة والانتقال من بناء المواطنة المحلية إلى بناء المواطنة العالمية، والمسئولية الكونية المشتركة عن سلامة الإنسان والحياة، وهي من القيم الإسلامية والإنسانية الكبرى التي من شأنها أن تُسهم في إيجاد بيئة عالمية متسامحة، وأن تقود سفينة البشرية إلى سواحل الرشاد، وشواطئ الأمان في إطار المواطنة العالمية.
 
وأضاف آل الشيخ أن مؤتمر القاهرة ناقش ما نحتاجه في وقتنا الحالي، فنحن نعمل ونسعى لترسيخ قيم المواطنة والتسامح والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، موضحاً أن جهود وزارة الأوقاف المصرية في نشر الفكر الوسطي المستنير ومحاربة الفكر المتطرف واضح وملحوظ وتكتب في تاريخها، مشيراً إلى أن التنسيق والتعاون بين البلدين أثمر عن تكوين لجان مشتركة مثل لجنة دراسة مشروع، ومذكرة التفاهم بين جامعة أم القرى في مكة المكرمة، وجامعة الأزهر.
 
من جانبه قال الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العلمي للمجتمعات المسلمة، أن الدولة كيان سياسي وقانوني وذو سلطة سيادية معترف بها في رقعة جغرافية محددة وعلى مجموعة بشرية معينة، لافتاً إلى أن علاقة الدولة الحديثة بالهوية يتجلى عن طريق إشكالية الهوية الوطنية، والهوية القومية كأنماط وأشكال حديثة للهوية الجماعية في المجتمعات الحديثة، وأوضح أن التناقض بين الهويات ليس أمرا حتميا، ولا يمكن تخيل أن هناك شعبا في العالم يعيش في حالة انتماء أحادي، ذلك أن تعدد دوائر الانتماء والهويات هو أمر إنساني عام، ولو أنه تتغلب في ظرف معين هوية ما على غيرها من الهويات.
 
وقال البشارى أن التعددية العرقية لم تفشل مشروع الدولة الوطنية الحديثة في إدارة التعددية العرقية والثقافية، بل الفشل يعود بالدرجة الأساس لفشل للمدارس البنيوية المتعاقبة على الحكم والمشتغلة في ميادين السلطة والثقافة والاقتصاد، مؤكداً أن التعدد يتيح فرص لإثراء المجتمع اذا وجد ادارة فعالة له، حيث ان التعدد يتقبل ويتعامل مع وجود دوائر الانتماءات المختلفة بداخل الدائرة القومية وتعني أن تحل قيم التقبل والاحترام المتبادل محل قيم التعصب من جهة ونهج الموقف الأحادي الذي يفرض على الجميع من جهة أخرى.
 
من جانبه قال الشيخ حاتم البكري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطيني، إنه يجب علينا أن نغرس ثقافة الانتماء في أبنائنا، مؤكدا أن الانتماء للوطن لا يتعارض مع الانتماء للأمة ككل فنحن أمة واحدة، فنحن لا نعيش في جزر منعزلة، والإسلام يدعو لبناء العلاقات وحفظ السلم والأمن بين أفراد المجتمع وتكريس مبدأ الوطنية.
 
وثمن البكري مبادرة الرئيس السيسي لإعمار عزة، وقال إنه لا يستغرب هذا الموقف من مصر لأن هذا هو موقفها الطبيعي الذي قامت به تاريخيا، ونحن نقدر ذلك ونشكره، مؤكدا على ثقته في مصر ورئيسها بأن تواصل مصر جهودها أولا لوقف العدوان حقنا لدماء الفلسطينيين.
 
وأكد الدكتور نور الحق قادري، الوزير الاتحادي للشئون الدينية والتحالف بين الأديان في باكستان، أن العالم يعيش اليوم في أزمة أمنية وأخلاقية وتربوية وتعليمية، فمشاهد البغى والطغيان لا تكاد تنتهى، وتخريب الأخلاق وانتهاك الحرمات قد تجاوز جميع الحدود وآليات التعليم قد فشلت. 
 
 وأضاف القادرى، أنه في مثل هذه الظروف الراهنة لا يمكن أن نغفل دور وزارات الأوقاف في جميع الدول الإسلامية ودور العلماء والدعاة في إصلاح مجتمعاتنا وتوجيه الخطاب الديني بأسلوب يوافق هذا الجيل، لافتا إلى أنه حينما كان في الولايات المتحدة مع مجموعة من الباكستانيين وسأله أحدهم سؤال حول خطبة الجمعة وشكوته من أن الخطباء لا يتكلمون من أمر الواقع ومشاكل اليوم.
 
وقال الشيخ الحاج موسى درامي وزير الحكومة المحلي والشئون الدينية بجامبيا أن دولته تستفيد استفادة بالغة من المشاركة في هذه الاجتماعات لبناء القدرات والكفاءات لنشر الفكر الوسطي ومحاربة التطرف والإرهاب، متمنيًا أن يؤتي هذا الاجتماع ثمرته المرجوة وترسيخ العمل المشترك بين الدول الأعضاء.
 
الدكتور نور الحق قادري الوزير الاتحادي للشئون الدينية والتحالف بين الأديان بباكستان قال أن العالم يعيش أزمة أخلاقية وتربوية وتعليمية، وما يشهده العالم من تطرف وطائفية وإرهاب وفساد تجاوز جميع الحدود مما عجز عن معالجته جميع وسائل التربية والتعليم ومن هنا يأتي دور وزارات الأوقاف والشئون الإسلامية الهام في جميع دول العالم ، ودور أصحاب المنابر لإصلاح الخطاب الديني ومعالجة القضايا الضرورية للمجتمع بمنهج سديد يوافق عقول هذا الجيل وتطلعاتهم الفكرية بعيدًا عن الخلافات التي لا قيمة لها ، فدور وزارات الأوقاف في العالم هو الإعداد الجيد للدعاة والأئمة والخطباء لتلبية حاجات الشعوب ونشر قيم التسامح والسلام والأمان ، والتواصل مع رجال الدولة وأولي الأمر لبناء جسور تواصل لضبط المجتمع .
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق