قول للزمان ارجع يا زمان.. حكايات عبد الحليم حافظ: من مصدر التشاؤم إلى السعادة والطرب

السبت، 02 أبريل 2022 11:44 ص
قول للزمان ارجع يا زمان.. حكايات عبد الحليم حافظ: من مصدر التشاؤم إلى السعادة والطرب
عبد الحليم حافظ

على مدار سنوات طويلة ملأ فنانون عظماء الدنيا فناً وطرباً وحبا، وأمتعوا الجميع بصوتهم العذب، ورغم رحيل جسدهم تبقى سيرتهم حية معنا من خلال إرثهم الفني الكبير الذي يحكي مجد الأغنية أو اللحن والموسيقى.
 
كان من أولئك الذين يتمتعون بموهبة ربانية فنية، رجل من عمالقة زمن الفن الجميل، شغل الناس منذ أول أعماله وتميز بصوته العذب، إنه بدون شك العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.
 
كان بداية ظهوره طرح «صافيني مرة»، وتميز بصوته العذب ونقش به الأغنية على جدران القلوب وأعمال الوجدان، ودغدغ بها مشاعر الحب والدفء والشوق والحنين والألم والفرح، واكتشفه الإذاعي حافظ عبد الوهاب الذي سمح له باستخدام اسمه "حافظ" بدلا من شبانة.
 
ولد في 21 يونيو 1929 ببلدة الحلوات بالشرقية، وتوفي 30 مارس 1977، وكان يتميز بعذوبة صوته وحنية وإحساسه كان أشبه بآلة الأوبوا التي أتقن العزف عليها، وعجز بعده المطربين عن بلوغها وتقليدها.
 
201803290233403340
 
كان لديه 3 أشقاء وهو أصغرهم، توفيت والدته بعد أسبوع من الولادة، وعاش مع والده المزارع وراعاه شقيقه إسماعيل، وما لبث أن توفي أبوه في وقت ليس ببعيد، فما كان لشقيقه إسماعيل أن يحاول إيجاد من يهتم به؛ حيث كانت تتشاءم منه نساء القرية وتنعته بقاتل أمه ولا تريد رعايته إلى أن تولت تلك المهمة جارة قريبة منهم، وتربى بضع شهور مع أولادها، وكان بجانب دارها بئر فرآه أخوه إسماعيل يوماً يحاول القفز فيها للانتحار، فقرر هو وخاله أخذه ووضعه في دار أيتام القرية للاعتناء به.
 
وفي تلك الفترة التحق بمدرسة الزقازيق الابتدائية التي ظهرت بها موهبته وحبه للموسيقى فاشترك بفرقة الأناشيد بالمدرسة، وأصبح رئيسًا لها، مرت السنون وحصل على الثانوية، وهنا رأى شقيقه إسماعيل أن يكمل دراسته، ويثقل موهبته بالتعليم فألحقه بالمعهد العالي للموسيقى العربية، وتخرج فيه بقسم التلحين عام 1948م، وتخصص في عزف آلة الأوبوا (آلة نفخ).
1047107283_212_0_1575_1500_1920x0_80_0_0_e2933d956b84fed53457530644f0a16b
 
وتقدم للامتحان في الأصوات الجديدة بالإذاعة في عام 1949م، ونجح فيه على الرغم من ضعف صوته، إلا أنه كان يملك القدرة على ضبط أنفاسه فيستطيع إن يطوع صوته مع النغمات بسلاسة لا يشعر من يسمعه أن صوته ضعيف للتمكن الرهيب في الأداء والفضل في ذلك يرجع لآلة الأوبوا، وعُين بنفس العام مدرسًا للموسيقى بمدرسة طنطا، ثم مدرسا للموسيقى لآلة الأوبوا في الزقازيق في 1951 بجانب عمله كمطرب، والتحق كعازف لآلة الأوبوا في فرقة الإذاعة المصرية.
 
انتقل من مدرسة الزقازيق الابتدائية بنات التي ظل بها 4 سنوات إلى القاهرة كمدرس للموسيقى، واستقال في عام 1952م من مهنة التدريس ليتفرغ للغناء في الإذاعة المصرية، وذلك بتشجيع من أخيه إسماعيل الذي قد سبقه إلى عالم الفن والغناء، فقد كان مدرسا للموسيقى أيضا بوزارة التربية والتعليم قبل توليه منصب وكيل المعهد العالي للموسيقى، وبعد أن وافقت عليه اللجنة التي كان من بين أعضائها السيدة أم كلثوم، والموسيقار محمد عبدالوهاب، والملحن محمد القصبجي.
 
وحينما وافقت الإذاعة على تسجيل أول أغنية لعبد الحليم كانت قصيدة بعنوان "لقاء" للشاعر صلاح عبدالصبور، نصحه الإذاعي حافظ عبدالوهاب بتغيير اسم عبدالحليم شبانة حتى لا يحدث خلط بينه وبين شقيقه إسماعيل شبانة، ومن هنا تيمن عبدالحليم باسم حافظ الذي أفسح له الطريق في الإذاعة، وأُذعيت بنفس أسبوع التسجيل الأغنية باسمه "عبدالحليم حافظ"، وهنا انطلق في سماء الفن بعيدًا عن اسم شبانة فقط إلا أنه ظل مع شقيقه الذي لم يفارقه.
 
ومن الجدير بالذكر أن عبدالحليم لم يجد حفاوة في بادئ الأمر حينما أراد الغناء على المسرح ففي صيف عام 1953م على مسرح الإبراهيمية بالإسكندرية استقبله الجمهور بقذائف من البرتقال والبيض، وألقوه خارج المسرح ولم يستسلم عبدالحليم لذلك بل زاده ذلك إصرارًا على النجاح فاتجه إلى التمثيل في السينما عام 1955م مع أول أفلامه "لحن الوفاء" بالاشتراك مع الفنانة شادية، وكوّن شركة للإنتاج السينمائي "شركة صوت الفن" بالشراكة مع محمد عبدالوهاب ووحيد فريد.
103705-عبد-الحليم-وعبد-الوهاب
 
وعندما استمع الناس إلى "صافيني مرة" و"على قد الشوق" وباكورة أغاني عبدالحليم وجدوا صوتًا وأداء جديدًا ولم يجدوا فيه ما يُذكرهم بمطرب يعرفونه فعلًا، وتوالت الأعمال الفنية وأصبح له لون مميز وطرب خفيف هادئ على الأذن ويصل القلب فأحبه الجمهور؛ بل وبدأ يطلبه في جيل عمالقة الفن، وعندما بلغ درجة النجاح التي أقنعت عبدالوهاب بالتلحين له، لحن له مجموعة بارعة من الألحان المناسبة لمقتضى الحال من أشهرها أهواك، كما لحن له ثلاثى فرسان النغم وهم محمد الموجى، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، ومهما اختلف الملحنون في أساليبهم واختلفت معاني الأغاني فإن الجو العام لا يتغير فمعدن صوته ألزم ملحنيه مراعاة هذه المساحة الصوتية الضيقة الخصبة والمفعمة بالصدق والإحساس.
 
قام عبدالحليم بالتأمين على صوته في 18 ديسمبر 1958م بمبلغ 50 ألف جنيه بعد أن بدأ رحلته مع المرض واكتشف البلهارسيا التي أرهقت جهازه الهضمي واستقرت بالكبد إلى أن تليف حتى وفاته.
 
59213-عبد-الحليم-حافز-وشادية-ويوسف-وهبى
 
وكان عبدالحليم دائم العمل دؤوبًا في تطوير نفسه وموهبته ففي 15 ديسمبر 1959 قرر الالتحاق بمعهد السينما منتسبًا ليحضر محاضرات في التمثيل والسينما، كما أدى امتحان القبول بالجامعة الأمريكية في 17 سبتمبر 1964م طالبًا منتسبًا، وعلى الرغم من ذلك كانت وعكاته الصحية تلزمه الفراش شهورًا، بل والسفر للخارج لإجراء جراحات - التي تجاوزت 67 عملية جراحية خضع لها على مدار حياته - ومتابعة حالته الصحية التي تؤجل تصوير العديد من أفلامه على سبيل المثال ظل تصوير فيلم معبودة الجماهير ثلاث سنوات وغير ذلك الكثير.
 
تنوعت أعماله ما بين الأفلام السينمائية والأغاني المصورة والبرامج الإذاعية ومسلسلات إذاعية، فغنى ما يقرب من 230 أغنية، وهذا ما سُجل فقط، فهناك أكثر من 120 أغنية غير مسجلة وأغاني حفلات خاصة وجلسات مع أصدقائه غير مسموح بتداولها تجاريًا.
 
أقام العندليب الأسمر حفلات كثيرة خارج القطر المصري من أشهرها جولته مع فرقة رضا بالدول العربية وأوروبا في 6 حفلات من أجل المجهود الحربي في 1 نوفمبر 1967، وكان وطنيًا محبًا لبلده، فكانت الفترة ما بين عامى 1961م وحتى 1965م من أكثر الفترات ثراء بالأغاني الوطنية التي تفرغ لها، ومن المفارقات أنه في 18 فبراير 1969م مُنعت اغنية "قاضي الغرام" بقرار من مدير الإذاعة المصرية.
 
27460-عبد-الحليم-حافظ-فى-السعودية
 
حصل على نيشان السد العالي من الرئيس جمال عبدالناصر، ووسام العرش من الطبقة الثالثة من الملك الحسن ملك المغرب في باريس 1972م، ونيشان الاستقلال من الطبقة الأولى من الملك حسين ملك الأردن، ونُقش اسمه على لوحة الشرف بجامعة أحمد عرابي بالزقازيق، ومنحه محافظ الشرقية شهادة تقديراً لجهوده من أجل حملة التبرع لإنشاء جامعة بالجهود الذاتية.
 
135-102655-abdel-halim-hafez-nightingale-illness_700x400
 
توفي في 30 مارس 1977 عن عمر يناهز 47 عامًا في لندن في إحدى رحلات علاجه، وكانت جنازته مهيبة حضرها أكثر من 2.5 مليون من محبيه ودفن بمقابر العائلة في البساتين.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق