نجوم في القلوب عالقة: كيف نضجر ولدينا نجيب محفوظ؟

السبت، 26 أغسطس 2023 06:00 م
نجوم في القلوب عالقة: كيف نضجر ولدينا نجيب محفوظ؟
محمد الشرقاوي

- أديب نوبل خرج بـ «الرواية» من ضيق أحياء القاهرة إلى رحابة العالم

- رحل عنا في 30 أغسطس 2006 بعدما فرض نفسه عربياً وعالمياً بقوة إبداعه وجبروت كتاباته
 
للوهلة الأولى حين وقع الاختيار على "صاحب الثلاثية" رجف القلب، ولا أنكر أني قد خشيت لأيام أن أكتب، فالكتابة عن من وضع قوانين اللعبة، وأنهاها، ليس كمن يجمع الكرات في "التراس"، ويتحين الفرصة لالتقاط صورة مع اللاعبين، ولكن ماذا لو أصيب مسدد الكرات وجاء الدور على حاملها؟
 
بالطبع ستكون هناك رهبة، ولا ضير من بعض الكلمات التي تناور بها خوفك، فالمولود في حي الحسين لأب موظف حكومي، وأم "فاطمة"، لا يختلف كثيراً عن أي مولود آخر، فالجميع درس آنذاك في المدارس الحكومية، وكلانا مر على "الكتّاب"، سوى أنه كان مشمولاً بالعناية.
 
الأمر ليس بهذه السذاجة، فعقلية العربي الوحيد في قائمة نوبل للأدب وليدة طفولة متشبعة بـ"عبق" القاهرة القديمة، وشباب واكب أحداثًا تاريخية، و"مطبخ" بلا جدران، صنعه لنفسه، حتى أنه ظل بداخله نحو 70 عامًا، أعد فيها أكثر من 50 رواية وقصة، ومقالات فكر وفلسفة.
 
يقول نجيب محفوظ: "منذ مولودي في حي سيدنا الحسين، وتحديدًا في يوم الاثنين 11 ديسمبر عام 1911 ميلادية وهذا المكان يسكن في وجداني، عندما أسير فيه أشعر بنشوة غريبة جدًا، أشبه بنشوة العشاق، كنت أشعر دائمًا بالحنين إليه لدرجة الألم، والحقيقة أن ألم الحنين لم يهدأ إلا بالكتابة عن هذا الحي، حتى عندما اضطرتنا الظروف لتركه والانتقال إلى العباسية، كانت متعتي الروحية الكبرى هي أن أذهب لزيارة الحسين".

كيف نضجر ولدينا نجيب محفوظ؟
 
"كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذى، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان. كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا.. يقول "نجيب" الذي بدأ حياته شاهداً على ثورة 1919 في عمر 7 أعوام، لتكون أول محرك لمشاعره الوطنية والقومية.
 
كيف نضجر ولدينا نجيب محفوظ؟ تساؤل واقعي في ظل مخاض عسير للتجربة الأدبية في مصر، كونها تعيش فوضى الرواية، حيث يصارع القابضون على الجمر العابثين بالأدب. يقول الأديب الجزائري واسيني الأعرج في تصريحات نقلها موقع "إندبندنت عربية" في تقرير بعنوان: "هل ترك نجيب محفوظ أثرا في الرواية العربية الجديدة؟"، بتاريخ 30 أغسطس 2020، إن نجيب محفوظ فرض نفسه عربياً وعالمياً بقوة إبداعه وجبروت كتاباته؛ فهو ليس أباً للرواية العربية فحسب، بل هو من رسّخها وجعلها حقيقة موضوعية في المشهد الثقافي العربي. لا يكفي أن تكون كاتباً فقط، لرواية، أو خمس روايات، أو حتى عشر، ولكن أن تملك قوة تكاد تكون قدرية، أن توطن فناً في أرض لم تعهده. وهذا أمر لا يُتاح إلا للقليل، بسبب منعطفات تاريخية تختار أشخاصاً دون غيرهم. لقد أمضى نجيب محفوظ عمراً طويلاً وهو يحرث في الماء إلى أن استطاع أن يجعل من الرواية فناً عربياً بامتياز. 
 
ذاك الموظف الإداري بدأ حياته العملية جامعة القاهرة، ومع حلول عام 1936، بدأ حياته المهنية كاتباً صحفياً مع جريدة الرسالة، وقاصاً لصحيفتي الأهرام والهلال، لينتقل بعد ذلك بعامين سكرتيرًا لوزير الأوقاف الإسلامية بالبرلمان في وزارة الأوقاف.
 
رحلة "نجيب" بدأت مبكراً، ففي 1939 نشر رواية "حكمة خوفو - عبث الأقدار"، ثم رواية "رادوبيس" في 1943، و"خان الخليلي" عام 1945. وخلال خمسينيات القرن الماضي، تم نشر "الثلاثية" وهي عبارة عن ثلاث روايات تقوم بتصوير حياة ثلاثة أجيال في القاهرة ابتداءً من الحرب العالمية الأولى وحتى الانقلاب العسكري الذي وقع في عام 1952، (بين القصرين 1956، قصر الشوق 1957، السكرية عام 1957)، وفي عام 1959 كانت الأكثر جدلاً (أولاد حارتنا).

تأملات من أعمال نجيب محفوظ
 
ذلك الحاصل على شهادة في الفلسفة في عام 1934 من جامعة القاهرة، كان ضحية سوء التأويل، فطعن نجيب محفوظ في عنقه على يد متطرف في عام 1994 في محاولةٍ لاغتياله. نجا نجيب من هذه المحاولة ولكن أعصابه على الطرف الأيمن العلوي من الرقبة قد تضررت بشدة إثر هذه الطعنة.
 
يقول نجيب: "لا أصدق خيال أهل حارتنا، فهم يؤمنون بأن الخير بدأ وانتهى في ماضِ غامض، ولا يفرقون بين الحقيقة والحلم، يفكرون بعواطفهم، ويحكمون على الأشياء بتعاستهم، ويصدقون أن الملائكة هجرت سماواتها ذات يوم لتحمي هذا أو ذاك من أجدادهم".
 
يجول كتاب (حكم الحياة.. مختارات وحكم وتأملات من أعمال نجيب محفوظ)، للكاتبة علية سرور في عقل صاحب نوبل الحاصل عليها في 1988، إن لمحفوظ إيمان بقيم عليا أولها الحرية والمساواة، فيقول في رواية (ليالي ألف ليلة) إن "حرية الروح وأن الجنة نفسها لا تغني عن الإنسان شيئا إذا خسرت حريته"...  ولا أصدق من صدق الاختلاف في عقليته: "عسى أن تختلف اختلافات متنوعة على حق" (ميرامار).
 
محفوظ نفسه جال بين الشيخوخة والشباب، ففي رواية السكرية: "سوف تدول دول تنقلب أزمان ولم يزل الدهر يتمخض عن امرأة سارحة ورجل صنعت في آثارها. الشباب لعنة والكهولة لعنات فين راحة البال في أين..".. تقول علية سرور: "ثم يلخص هذا المعنى بعد عشر سنوات في رواية (ميرامار): "الشباب النورس عن المغامرة"، و"الشيخوخة تنشد السلامة" و "ما فائدة الندم بعد الثمانية عشر عامًا"، وبعد عشر سنوات سجلت في رواية (الحرافيش – 1977) أن "السعداء حقًا من لا يعرف الشيخوخة."

محفوظ رقيبًا
 
وبعيداً عن الرواية، أمسك محفوظ بمفتاح الرقيب في السينما المصرية، فلا هو حجب ولا تساهل لحد الإباحة، يقول الناقد الأدبي طارق الشناوي، في مقال له، بعنوان: "نجيب محفوظ والسينما الخجولة!"، نشرته صحيفة المصري اليوم بتاريخ 23 أغسطس الجاري، إنه في منتصف الخمسينيات، كان الأديب الكبير نجيب محفوظ في موقع الرقيب على المصنفات الفنية، وعليه أن يحدد الموقف النهائي من القضايا السياسية الشائكة، وهى مهمة تحتاج إلى عقل يقظ بقدر ما هو مرن، لا يخلو الأمر من مشهد ساخن أو قبلة قد تثير التساؤلات وربما الغضب، الرقيب هو (ترمومتر) للحياة، تَفتُّحه وقناعاته الفكرية وذوقه الخاص تلعب دورًا في توجيه البوصلة نحو الإباحة أو الحذف.
 
ولم يجد نجيب محفوظ حرجًا فى إعلان موافقته على القبلات بكل أنواعها، ما عدا واحدة فقط، تلك التى على العنق، خاصة لو طالت على الشاشة أكثر من دقيقة، وسألوه فى حوار صحفى (هذا عن الشاشة.. ماذا عن الواقع؟)، مثلا لو رأيت شابا وفتاة يختلسان قبلة فى الشارع؟ أجابهم: (أبدًا، أودى وشى ع الناحية التانية وأبتسم وأقول اوعدنا يارب).. المجتمع كان أكثر رحابة.. نعم، صاغها نجيب محفوظ بخفة ظله حتى تبدو كنكتة، ورغم ذلك كما روى المخرج الراحل توفيق صالح وأقرب أصدقاء نجيب محفوظ فى (شلة الحرافيش)، كانت هناك بين الحين والآخر اعتراضات ومطالبات للرقابة بالتدخل، كما أن تعبير (السينما النظيفة) ليس وليد نهاية التسعينيات كما كنت أتوقع، ولكنه موغل فى القدم، كان عدد ممن يمارسون النقد فى الخمسينيات يحصدون عدد الكلمات الجريئة والمشاهد الساخنة والعنيفة ويمنحون الفيلم درجة من عشرة بناءً على التزامه بمكارم الأخلاق.. وأضاف توفيق صالح فى فيلم تسجيلى لى كنت أتناول فيه صناعة (القلل القناوى)، استمعت أثناء مشاهدة الرقابة إلى ضحكة صاخبة لنجيب محفوظ على أحد المشاهد، وبعدها حذف المشهد!
 
كان نجيب محفوظ يتدخل في حالات محددة ونادرة بالحذف بمعيار أخلاقي، هو نفسه أشار إلى فيلم (إغراء) لحسن الإمام 1957، عندما طلب كرقيب إعادة تسجيل أغنية صباح (من سحر عيونك ياه)، كتبها مأمون الشناوي ولحنها محمد عبد الوهاب، بسبب (يااااااااه) التي طالت أكثر مما ينبغي، ووجد أديبنا الكبير بحس أولاد البلد أن الإطالة هنا تحمل معنى حسيًّا، فأعادت صباح التسجيل لتختصرها إلى (ياااه) قصيرة.

الخوف لا يمنع نجيب
 
قال لنفسه إنه لا نجاة له إلا بالجنون، الجنون وحده هو الذي يتسع للإيمان والكفر، للمجد والخزي، للحب والخداع، للصدق والكذب، أما العقل فكيف يحتمل هذه الحياة الغريبة؟ كيف يشيم ألق النجوم وهو مغروس حتى قمة رأسه في الوحل؟
لم يمت نجيب من الخوف، ولكنه مات إثر هبوط مفاجئ في ضغط الدم وفشل كلوي تعرض له بغرفة العناية المركزة في مستشفى الشرطة بالعجوزة، في 30 أغسطس 2006، عن عمر يناهز 94 عامًا. لم ينته الكلام بعد فقد آن وقت الرحيل وهو القائل: "هذه هي الحياة: أنك تتنازل عن متعك الواحدة بعد الأخرى حتى لا يبقى منها شيء وعندئذ تعلم أنه قد حان وقت الرحيل).
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة