«عقب سيجارة» وصندوق قمامة

السبت، 07 أكتوبر 2023 06:14 م
«عقب سيجارة» وصندوق قمامة
عصام الشريف

 
في أحد الأيام منذ سنوات طويلة، كنت في ميدان التحرير أمام الجامعة الأمريكية، وكان هناك شخص أجنبي، يبدو أنه كان دارسا أو يعمل في الجامعة الأمريكية، وكان يسير بمفرده ويتناول قطعة حلوى أو ساندوتش على ما يبدو، وما إن فرغ من تناول طعامه حتى بدأ يتلفت يمينا ويسارا وينظر للخلف ثم يعيد نظره للإمام مجددا. 
لم تكن حركاته طبيعية فقد شعرت كما نقول نحن المصريين وكأنه «عامل عَملة» ولم أفهم هذه «العَملة» إلا عندما لمحته وهو يقترب من سور نصفه الأعلى عبارة عن سياج حديدية، واقترب منه بحظر، وهو ما زال ينظر يمينا ويسارا، ليتأكد أن لا أحد يراقبه، وبسرعة وخفة يد وضع غلاف أو غطاء الحلوى داخل السور الحديدي، ثم اندفع هاربا وكأنه يخشى أن يقبض عليه شرطي بتهمة إلقاء «القمامة» في الشارع.
وقتها ظللت واقفا أحدق في الشارع الذي كان تملؤه كل أنواع القمامة من علب الكانز الفارغة وأغطية الحلوى والمأكولات المختلفة، وأقارن بين ما نفعله وما فعله السائح الذي لا بد أنه الآن يلوم نفسه أشد اللوم على إلقائه القمامة في الشارع.
في موقف آخر، كنت مع صديق يدرس في أحد الجامعات في بريطانيا، وأخبرني أنه ذات مرة كان يمضغ «لبانة» وما إن ملّ منها حتى بصقها على الأرض، ففوجئ بكل زملائه ينهرونه كما لو كان قد ارتكب فعلا فاضحا في الطريق العام، وما زاد الطين بلة هو أن أحدهم أمسك بمنديل وانتشل «اللبانة» كما لو كان يصطاد فأرا ميتا، وقال لصديقي: من فضلك بلدنا نظيفة لا تلوثها بمثل هذه القاذورات!
ظللت أفكر وأقول لنفسي، ألهذا الحد تختلف الثقافات بين الشعوب، لتخلو بلاد من مجرد «عقب سيجارة» بينما تتحول أخرى إلى مستنقع قمامة، وقتها تذكرت أن في اليابان هناك فرض يومي يؤديه التلاميذ قبل بدء اليوم الدراسي، وهو تنظيف فناء المدرسة، حتى يشعرون بما يكابده عمال النظافة، وبالتالي تصير النظافة عادة لديهم بل وثقافة تظل تسري معهم طوال مراحل حياتهم، حتى إذا خرجوا من المدرسة أو المنزل، تعاملوا مع الشارع كما لو كان بيتهم أو وطنهم الأكبر.
أحيانا تضطرني المواقف لتناول أي أطعمة في الشارع، بينما أسير، وكالعادة أبحث عن صندوق قمامة لألقي فيه المهملات فلا أجد، وللأمانة أحيانا أجده، لكن في أماكن بعينها، وليس في كل الشوارع والميادين، ولا أقول أن هذا مبرر أبدا لإلقاء القمامة في الشارع، ففي النهاية أحتفظ بمهملاتي في جيبي لحين أجد صندوق قمامة أو أعود به للمنزل وألقيه في سلة المهملات،  ولكن أتمنى أن نتحول إلى ثقافة استخدام صندوق القمامة ليكون في كل مكان وليس في الشوارع الرئيسية فقط. 
الأمر يبدأ من إلقاء «عقب سيجارة» في الشارع، ثم يتحول إلى دائرة أوسع تشمل إلقاء كل مخلفات المنزل في الشارع، انتظارا لعامل النظافة المسكين الذي يتحدب ظهره كل يوم من رفع مخلفاتنا، ونحن لا نشعر به، ثم تتسع الدائرة أكثر لحرق القمامة المنتشرة في الشوارع في المناطق الشعبية، لنصنع مزيجا من كل أنواع الملوثات.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق