الأحزاب الفائز الأول..

أمل غريب تكتب: الانتخابات الرئاسية 2024 نقطة تحول في مسار الحياة الحزبية

السبت، 16 ديسمبر 2023 08:00 م
أمل غريب تكتب: الانتخابات الرئاسية 2024 نقطة تحول في مسار الحياة الحزبية

- ترشح 3 رؤساء أحزاب منحهم أكبر فرصة للتواصل مع الشارع وترتيب أوراقهم وتقديم انفسهم وبرامجهم للناخب 

- الحوار الوطنى والانتخابات أثبتت أن الأحزاب هي الطريق المثالي والوحيد للممارسة السياسية
 
وضعت المعركة الانتخابية أوزارها، وسط حالة جديدة تعيشها الدولة المصرية جنبا إلى جنب مع الشعب، أكدت صدق ما أصر عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومضى عازما على تنفيذه بأن "لكل مقام مقال"، فالقيادة السياسة كانت على علم مسبق بأن هناك ضرورة ملحة لإعادة بناء الدولة المصرية من جديد، بعد أن كانت "شبه دولة" لأسباب لا تخفى على الجميع ولا ينكرها إلا جاحد، وسط تهالك تام للبنية التحتية وغياب كامل لأغلب مؤسسات الدولة وانهيار للإنسان المصري بقيمه وأخلاقياته وطموحه وأحلامه وحتى شعوره بالانتماء والمواطنة، فما كان من القيادة السياسية إلا اختيار واحد فقط، وهو رفع شعار "دقت ساعة العمل والبناء والتعمير"، جمع تحت رايته كل المقومات لتنفيذه وسخر من أجله كل الإمكانيات الممكنة والغير ممكنة، كل هذا وسط مؤامرات دولية تحيك خططها وتغزل خيوطها للإيقاع بمصر، ثمنا للفوز بـ "الجائزة الكبرى"، تارة بإشعال فتيل الفتن الطائفية وتارة ببث روح اليأس والتشكيك في الدولة ونشر الشائعات، وتارة أخرى بسلاح الإرهاب والجماعات الإرهابية، إلا أن كل هذا كان على رأس أولاويات الدولة المصرية، فما كان من الرئيس السيسي، إلا العزم بقوة وعزيمة وإصرار وتحد ومن خلفه الدولة المصرية بمؤسساتها ومسؤليها على بناء الدولة وتثبيت أركانها وتقوية مفاصلها.
 
أختارت القيادة السياسية أن تسير مثل القطار على القضبان، يمضي قدما نحو طريق البناء، فلم يكن هناك أي وقت متبقي يمكن استهلاكه في حديث مستهلك في حد ذاته، وقد يستغرق سنوات طويلة في المناقشة والمحاورة والمداولة والمجادلة...إلخ، ليتوقف الأمر عند مرحلة "الكلام" وتنتهي القضايا والتحديات عند مرحلة الـ "ضجيج بلا طحين"، فص الرئيس السيسي، أذنيه وحمل بيده معوال البناء وفي الأخرى علم مصر، وفي عقله مستقبل أبناءها وأمام عينه الجمهورية الجديدة.
 
ما أن كادت تنتهي مرحلة إعادة بناء الدولة المصرية من جديد، واطمأن قلب القيادة السياسية إلى اكتمال مرحلة تثبيت أركان الدولة ومؤسساتها واكتمال مشروعاتها القومية والتنموية، وأيقن أنه حان وقت الحديث، إلا وشرع في لم شمل الأسرة المصرية على طاولة واحدة، والاستماع إلى أرائهم ووجهات نظرهم ورؤياهم، فأطلق الدعوة إلى "الحوار الوطني" تحت شعار "الطريق نحو الجمهورية الجديدة مساحات مشتركة"، فكان الحجر الذي حرك المياه الراكدة ومنح الحياة السياسية "قبلة الحياة" وبث فيها الروح من جديد، وأعاد الجميع للجلوس معا على أرضية وطنية، وأطلق لهم العنان في التعبير عن أرائهم بكل حرية والإعلان عن رؤياهم، نحو التحديات الملحة التي تواجهها الدولة، وأهم القضايا العالقة فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما كان له بالغ الأثر في الشهور القليلة الماضية في النصف الثاني من 2023، حيث استطاعت الأحزاب السياسية إعادة ترتيب أوراقها من جديد، وعرض رؤياهم حول القضايا والتحديات، وتصميم روشتات علاج واقعية لها من أجل العبور إلى الجمهورية الجديدة، فنجحت الأحزاب في فهم المرحلة التي هم بصددها، وتفاعلوا مع الحوار الوطني بشكل فاق كل التوقعات، وجلس الجميع على مائدة واحدة بمساحات رأي مشتركة، اتفقوا في أرائهم أو اختلفوا، إلا أنهم جميعا كانوا على قدر المسؤلية التي اختاروا أن يحملوها على أكتافهم، وكان لهم ما أرادوا وتحقق لهم هدفهم في إعادة إحياء الحياة السياسية من جديد.
 
أسفر نجاح جلسات الحوار الوطني، عن خلق روح جديدة داخل الأحزاب السياسية، جعلتهم بصدد المشاركة في الانتخابات الرئاسية، والإصرار على أن يكون لهم دورا مؤثرا في رسم خريطة مستقبل السياسة داخل أركان الجمهورية الجديدة، وسنحت لهم الفرصة بالاستحقاق الدستوري الأهم، فكان الاختبار الأول لهم بشكل جاد وحقيقي.. فمن الرابح وما هي المكاسب التي تحققت من الانتخابات الرئاسية؟  
 
انتهت الانتخابات الرئاسية المصرية، في توقيت شديد الحساسية والتعقيد وسط ما تشهده المنطقة من أزمات إقليمية تهدد أمن واستقرار الشرق الأوسط، وإلا أنه كانت هناك أطراف رابحة ومستفيدة بالتأكيد القاطع والجازم، أولهم الحياة السياسية، إذ منحتها الانتخابات والتعددية الحزبية التي شهدتها، قبلة الحياة للعودة إلى الواجهة من جديد، فالأحزاب التي شاركت بمرشحين ومنافسين باتت الفرصة سانحة لديها لمخاطبة الشعب خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء النيابية أو المحلية، والتي ستكون البرلمانية بغرفتيه النواب والشيوخ في طليعتها العام القادم، بعد أن قدمت نفسها وبرامجها للناخب المصري، وتمردت على خانة الركود التي عاشتها لسنوات لأسباب خارجة عن إرادة الجميع، ما سينعكس بالإيجاب على موقف جميع الأحزاب، ويمنحها شرعية سياسية وغطاء قانوني، ظلت تنادي به لمخاطبة الجماهير ومحاولة التأثير عليها واستمالتها.
 
أما الرسائل التي قدمتها الانتخابات الرئاسية لكل المهتمين والعاملين بالحياة السياسية، كانت حاسمة وواضحة، وأثبتت أولا، أن الأحزاب هي الطريق المثالي والوحيد لممارسة السياسة، والانخراط بمشكلات المواطنين، وتقديم البرامج التي تساهم في حل التحديات عبر العمل السياسي وليس الخيري، الذي بالتأكيد له دور في الانتشار داخل الأحياء والقرى ذات الدخل المنخفض، لكن من المهم أن تنتهز الأحزاب الأبواب التي فتحتها الانتخابات الرئاسية، ومحاولة  الاحتفاظ بالقواعد الشعبية التي ذهبت إلى اللجان ومنحت مرشحيها أصواتهم، والبناء على كل ما تحقق من خبرة وقدرة على تمويل الحملات وإدارتها، فضلا عن أن خوض الحزب للانتخابات الرئاسة، أثرى الحياة السياسية ودعم جميع القوى المشاركة في المشهد السياسي، لعرض برامجها والنزول للشارع، والأهم أن يتعرف المواطن على الأحزاب وبرامجها، إضافة إلى التمسك بالحوار الذي يدور مع أجهزة الدولة لحل الملفات العالقة ذات الاهتمام المشترك.
 
ثانيا، استثمار المناخ القائم في مصر، منذ إطلاق الحوار الوطني ومن بعده الانتخابات الرئاسية، والتي دفعت فيها ثلاثة أحزاب بمرشحين للسباق الرئاسي، بات هو فرض عين على الأحزاب، إذ عليها الاستمرار في تقديم نفسها للناخبين بشكل أفضل وأسرع لتستكمل هذا الحراك، وتتواجد بشكل حقيقي وجاد وسط المواطنين، خاصة أن انتخابات البرلمان والمحليات على الأبواب، وستكون فرصة ذهبية للمنافسة على المقاعد وسط حيادية مؤسسات الدولة المعنية، والتي وقفت على مسافة واحدة من جميع المرشحين لانتخابات الرئاسة، وضربت أروع الأمثلة في الإعداد والتنظيم لأهم استحقاق دستوري في البلاد، وهو ما يشير إلى وجود رغبة حقيقية وجادة لفتح المجال العام أمام كل التيارات السياسية.
 
ثالثا، ورغم الحالة التي أحدثتها الانتخابات الرئاسية في الحياة السياسية، غير أن بعض التيارات في الشارع السياسي اختارت أن تضرب بالتجربة عرض الحائط، والمضي قدما لذات المسار القديم من تشويه ورفض وتشكيك في كل الاستحقاقات الدستورية، وهو الطريق الذي لم يفضي إلى أي تقدم، بل ساهم في نكسة وتراجع الحياة السياسية، متناسين عن جهل أو عمد أن "الديمقراطية" عملية تراكمية، تحتاج للممارسة والخبرة والتجربة، وتاريخ أعتى ديمقراطيات العالم يثبت أنها مرت بمراحل كثيرة، ولم تحدث بين ليلة وضحاها، بل أن الشعوب دفعت أثمانا باهظة للوصول إلى تجربة ديمقراطية ناضجة، تتسم بالحرية والنزاهة، بداية من إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن رأيه، مرورا بالحرص على المشاركة في كل الاستحقاقات الانتخابية، وبنزاهة وحماية صندوق الاقتراع.
 
رابعا، عكست الانتخابات الرئاسية الدور البارز للأحزاب في الحياة السياسية، والتطور الذي يشهده الشارع السياسي في مصر، وسط تنامي دور الأحزاب، الأمر الذي عبر عن التعددية الحزبية وما عكسته من زخم سياسى، في ظل حرص الأحزاب على عقد المؤتمرات الجماهيرية واللقاءات مع الشعب المصري بكافة مستوياته التعليمية والثقافية، وحتى المواطن البسيط، جموع لعرض برامجها الانتخابية ورؤياها، وهو ما ساهم في زيادة شعبية هذه الأحزاب لدى رجل الشارع، كما فتح قنوات تواصل مع الشعب.
 
خامسا، استطاعت الأحزاب المصرية المشاركة فى الانتخابات الرئاسية أو الداعمة لأحد المرشحين، خلال فترة الدعاية الانتخابية، من تقديم عدة رؤي لعدد من القضايا التي تمثل تحديا أمام الرئيس القادم، مما يؤكد أن هناك إرادة سياسية وجمعية على العمل والتعاون المشترك، أي من كان الفائز في الاستحقاق الدستوري.
 
سادسا، ستكون الانتخابات الرئاسية، هي حجر الأساس في التأسيس لنظام سياسي يتميز بالتنوع والتعددية وتداول السلطة بشكل ديمقراطي حقيقي يليق بمصر وتجربتها الواقعية التي خاضتها على الأرض منذ اندلاع ثورة 25 يناير، ثم حكم جماعة الإخوان الإرهابية، ومن بعدها ثورة 30 يونيو وتصحيح المسار، وفي الأخير العبور إلى الجمهورية الجديدة، وهي أحد خطوات الإصلاح السياسي الذي تستهدفه الدولة المصرية والقيادة السياسية.
 
ومن المؤكد أن عملية تداول السلطة الذي يطمح إليها الشارع السياسي، تتطلب وجود أحزاب قوية، وتواجد حقيقي لدى رجل الشارع، ولها تأثير عليه، وهو ما استوعبته الأحزاب التي قررت خوض الانتخابات الرئاسية والداعمين لها، بطرح مرشحين للمنافسة على السلطة من خلال برامج وأفكار ورؤي مختلفة ومتناغمة ومتنوعة يمينا ويسارا، لذا فستختلف العلاقة بين المواطن والأحزاب السياسية بشكل كلي وجزء، قبل الانتخابات عن بعدها، خاصة أنها على مدار الفترة الماضية والقادمة، أصبح لديها دافع حقيقي للنزول والتواصل المباشر مع الشعب، ومناقشة مختلف الرؤى والأفكار والقضايا، فضلا عما أسفرت عنه هذه التجربة الثرية من دور هام في تربية وإعداد الكوادر السياسية، ستكون لديها القدرة على تولي المسئوليات التنفيذية والتشريعية خلال السنوات المقبلة، بعدما عانت معظم الأحزاب من الانفصال عن واقع الشارع المصري بشكل كبير، بسبب حالة انحسار الساحة الحزبية على فئة النخبة، فلم يكن يشعر المواطن بأي دور حقيقي للأحزاب على الأرض داخل المجتمع، الأمر الذي يتحتم معه إجاد آلية للتحرك من الأحزاب نفسها، من أجل بحث أسباب هذا الانفصال، على الرغم من أن أبجاديات العمل السياسي والمجتمعي تكون من أجل الجمهور في الأساس، فضلا عن بحث سبل كيفية استغلال جميع الفرص لخلق تواصل فعال مع المواطنين، وتعريفهم بالأفكار والرؤى والبرامج التي يتبناها أي حزب، بهدف المساهمة في فرض حالة زخم سياسي داخل الشارع والمواطن المصري.
 
وأخيرا، كان الشعب المصري بجميع فئاته العمرية شباب ورجال وكبار سن ومرأة وذوي الهمم، وعلى كافة مستوياته الفكرية والثقافية، هو بطل المشهد منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها العملية الانتخابية، وفتحت اللجان أبوابها انتظارا للقول الفصل الذي سيقوله المواطن، فكان الرهان الحقيقي على وعي الشعب الذي خاض المعركة منذ 2011 وعلى مدار 12 عاما، وعانى قسوة وبشاعة الجماعات الإرهابية، وتحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي، إلا أنه فاق أقصى التوقعات المتفائلة، وخرج في حشود كثيفة ليعلن دعمه للدولة المصرية وأمنها واستقرارها، ونزل للمشاركة بالتصويت في الانتخابات الرئاسية، وتوصيل رسالة واضحة للعالم، بأن شعب مصر، يمتلك الوعي الكافي بطبيعة اللحظة الراهنة داخليا وإقليميا، وأن هناك دولة قوية ومجتمع واع يقف وراء دولته ضد أي خطر يواجه الأمن القومي المصري، فضلا عن أن تصدر الشباب المصري والمرأة وأصحاب الهمم، لصفوف اللجان الانتخابية، يؤكد أن السياسات التي طبقتها الدولة المصرية منذ عام 2014 وحتى الآن، انحازت لهذه الشرائح التي تعد جزء من مقتضيات عملية التنمية داخل الدولة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة