انهيار المعبد الإخوانى في الولايات المتحدة
السبت، 29 نوفمبر 2025 07:00 م
البيت الأبيض ينهى العلاقة المريبة بين الجماعة الإرهابية وواشنطن.. ويدخلها في التصنيف الإرهابى
حاكم تكساس بدأ المواجهة بإدراج "الإخوان" على قائمة الإرهاب.. ومشروع قانون فيدرالي يطالب بتحقيق شامل في تمويلاتها
كير والجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية ومنظمة الإغاثة الإسلامية وجمعيات طلابية وخيرية على رادار التصنيف الإرهابى
مسؤولين أمريكيين: قيادات إخوانية استخدموا الأراضي الأمريكية لبناء ملاذ آمن لشبكة سياسية تعمل خلف ستار المجتمع المدني
نيوزويك: التحقيقات تكشف شبكة متطرفة تستغل المؤسسات الدينية والخيرية لتشكيل نفوذ سياسى والالتفاف على قوانين التمويل
في لحظة سياسية تشبه انهيار الجدران القديمة، وجدت جماعة الإخوان الإرهابية نفسها داخل الولايات المتحدة أمام أول صفعة حقيقية منذ عقود، بعدما قررت الإدارة الأمريكية تجميد العمل مع مؤسسات محسوبة على التنظيم، وفتح مراجعات موسعة حول شبكات التمويل والضغط السياسي المرتبطة به.
القرار الذي جاء في صورة "مذكرة داخلية" غير معلنة بالكامل، تحوّل خلال أيام إلى عاصفة مكشوفة، بعدما تسربت تفاصيله إلى مراكز القرار والصحافة، كاشفًا أن واشنطن بدأت أخيرًا تتعامل مع الإخوان كتنظيم عابر للحدود يشتغل على تفكيك المجتمعات من الداخل، ويوظّف خطاب الضحية لتغطية تحركات مالية وتنظيمية مشبوهة.
ولم يكن الخبر مجرد خطوة بيروقراطية؛ بل كان إعلانًا بنهاية زمن الحماية السياسية التي تمتع بها التنظيم الإرهابى داخل أمريكا لعشرات السنين، فالجماعة التي اعتمدت على جمعيات ضغط ومنظمات واجهة وملفات حقوقية مُفصّلة على مقاسها، تلقت في الأيام الماضية أول إشارة رسمية بأن مرحلة "التساهل" انتهت، وأن الدولة الأمريكية بدأت تتعامل مع "الخطر البنيوي" الذي تمثله تلك الشبكات، خصوصًا بعد تقارير أمنية تتحدث عن تدفقات مالية غير مفهومة، وأنشطة داخل الجامعات ومراكز المجتمع تتجاوز العمل المدني إلى بناء أنماط ولاء أيديولوجي مغلق.
وبينما يحاول التنظيم ترويج خطاب الضحية المعتاد، جاءت التعليقات الأولية من مسؤولين أمريكيين سابقين لتؤكد أن المؤسسات التي يجري التحقيق في صلاتها بالإخوان كانت تتلقى تمويلات متشابكة من الخارج، وأن بعض قياداتها استخدمت الأراضي الأمريكية لبناء ملاذ آمن لشبكة دعوية - سياسية تخترق الجاليات وتعيد إنتاج نموذج الجماعة بطريقة أكثر خطورة، لأنها تعمل خلف ستار المجتمع المدني والقانون الأمريكي.
الأخطر أن القرار الأمريكي لم يبدأ من فراغ؛ بل يستند إلى تراكمات طويلة من الشبهات التي تجاهلتها الإدارات السابقة لأسباب سياسية، قبل أن تتوسع عملية المراجعة في 2023–2024 داخل أجهزة الرقابة المالية والأمن الداخلي، خصوصًا بعد رصد نشاط مكثف حول جمعيات ذات طابع "إنساني" تُستخدم للالتفاف على قوانين التمويل، إضافة إلى وجود صلات مباشرة بين بعض قيادات هذه المؤسسات وبين التنظيم الدولي للجماعة في أوروبا.
ترامب: لن نتسامح مع الإخوان
في أواخر نوفمبر الجاري، أعلن البيت الأبيض، أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع من يمول ويدعم الإرهاب المتشدد، وقال في بيان عبر منصة "إكس" إن الرئيس دونالد ترامب "اتخذ إجراء حاسما لحماية أمريكا من التهديدات الإرهابية ببدء عملية تصنيف بعض كيانات جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية أجنبية".
وذكر الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب، ونشره البيت الأبيض أن "جماعة الإخوان المسلمين تأسست في مصر عام 1928، وتطورت لتصبح شبكة عابرة للحدود الوطنية، ولها فروعٌ في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه"، مضيفًا: "يتعلق الأمر بانخراط فروعها في لبنان والأردن ومصر في أو تسهيل ودعم العنف وحملات زعزعة الاستقرار التي تُلحق الضرر بمناطقها، ومواطني الولايات المتحدة، ومصالح الولايات المتحدة".
ولفت إلى أن "سياسة الولايات المتحدة تتمثل في التعاون مع شركائها الإقليميين للقضاء على قدرات وعمليات فروع جماعة الإخوان المسلمين المصنفة كمنظمات إرهابية أجنبية، وحرمان تلك الفروع من مواردها، وبالتالي إنهاء أي تهديد تُشكله هذه الفروع على مواطني الولايات المتحدة أو الأمن القومي للولايات المتحدة".
ولفت إلى أنه "في غضون 30 يومًا من تاريخ هذا الأمر، يُقدّم وزير الخارجية ووزير الخزانة، بعد التشاور مع النائب العام ومدير الاستخبارات الوطنية، تقريرًا مشتركًا إلى الرئيس، عبر مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي، بشأن تصنيف أيٍّ من فروع جماعة الإخوان المسلمين أو فروعها الفرعية الأخرى، بما في ذلك تلك الموجودة في لبنان والأردن ومصر، كمنظمات إرهابية أجنبية، وفي غضون 45 يومًا من تقديم التقرير المطلوب، يتّخذ وزير الخارجية أو وزير الخزانة، حسب الاقتضاء، جميع الإجراءات المناسبة".
ووفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، يُحظر على أي شخص يقيم في الولايات المتحدة أو يخضع لولايتها القضائية تقديم "دعم مادي أو موارد عن علم لمنظمة إرهابية أجنبية مصنفة، ويُعتبر أي ممثل أو عضو في منظمة إرهابية أجنبية قابلًا للطرد من الولايات المتحدة".
الضربة القاسمة.. ماذا بعد قرار ترامب؟
تأتي تحركات الإدارة الأمريكية على مدار أشهر خلال 2025 في اتجاه غير مسبوق يضع جماعة الإخوان الإرهابية أمام أكبر تهديد وجودي تواجهه منذ تأسيسها قبل ما يقرب من قرن، فبعد مبادرة من البيت الأبيض، انخرط مشرعون ديمقراطيون في دعم تشريع جديد يستهدف تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية، وهو التحرك الذي يحظى بتأييد مباشر من الرئيس دونالد ترامب، ويعكس إرادة سياسية حاسمة داخل واشنطن لقطع ما تعتبره الإدارة "شبكات تطرف عابرة للحدود"، وقد وقع ترامب بالفعل أمرًا تنفيذيًا يكلّف الجهات المختصة بدراسة إدراج أفرع الجماعة في مصر والأردن ولبنان على قوائم الإرهاب، خطوة تُنذر بأن لحظة الحسم باتت أقرب من أي وقت مضى.
ويأتي هذا القرار في سياق أوسع من التحركات الأمريكية التي تعتبر أن خطر الإخوان لم يعد محصورًا في الشرق الأوسط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي عبر مجموعات ضغط ومنظمات تعمل بغطاء مدني.
وأكدت مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن واشنطن ترى في الجماعة شبكة متطرفة تستغل المؤسسات الدينية والخيرية لتشكيل نفوذ سياسي داخل الجالية المسلمة، إضافة إلى نشاط مالي معقد يتيح تمرير تمويلات لفروع خارجية، بعضها مصنّف بالفعل كتنظيمات إرهابية.
وتزامن هذا التوجّه مع خطوة مماثلة على مستوى الولايات، حين أدرج حاكم تكساس الجمهوري جريج أبوت الجماعة على قائمة الإرهاب في الولاية، في سابقة تؤشر إلى أن المواجهة لم تعد حكرًا على الحكومة الفيدرالية.
ولا تقل التحركات التشريعية قوة عن المسار التنفيذي؛ فبعد إعلان حاكم تكساس تصنيف الإخوان و“كير” منظمات إرهابية أجنبية وعابرة للحدود، وجّه بإطلاق تحقيقات جنائية واسعة تستهدف الأنشطة المالية والدعوية التي تُتهم الجماعة باستخدامها لفرض الشريعة بالقوة وتقويض القوانين الأمريكية، كما عاد السيناتور تيد كروز ليقود مشروع قانون جديد لتصنيف الإخوان، بينما أعاد النواب دياز-بالارت وموسكوفيتز طرح نسختهم من قانون "تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لعام 2025"، مؤكدين أن الجماعة تستغل الأنظمة الغربية لتعزيز العنف وتشكيل تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي.
ويحظى مشروع القانون الفيدرالي الجديد الذي قدمه كروز والنائب ماريو دياز- بالارت بدعم خمسة نواب ديمقراطيين، أبرزهم النائب جاريد موسكوفيتز، الذي دعا منذ شهور إلى إجراء تحقيق شامل في أنشطة الإخوان داخل الولايات المتحدة، وشدد موسكوفيتز على أن تصنيف الجماعة سيتيح للأجهزة الأمنية الأمريكية تعطيل شبكات التجنيد والتمويل التي تتحرك تحت لافتات خيرية أو حقوقية، مشيرًا إلى أن التاريخ الموثّق للإخوان في دعم الأيديولوجيات المتطرفة يجعل التصنيف ضرورة قانونية لا خيارًا سياسيًا.
الأمر التنفيذي الذي وقّعه ترامب يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يؤكد أن الجماعة تطورت إلى شبكة عالمية تشارك في أعمال عنف وحملات زعزعة للاستقرار تمس مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وبموجب هذا القرار، طُلب من وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسّنت إعداد تقرير شامل خلال 45 يومًا حول فروع الجماعة في مصر ولبنان والأردن، لتحديد مدى استيفائها شروط الإدراج على قوائم الإرهاب وفق القوانين الأمريكية.
وعلى المستوى القانوني، فإن صدور قرار رسمي من وزارة الخارجية بتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية أجنبية سيشكّل أكبر ضربة تتعرض لها الجماعة منذ عقود طويلة، فبمقتضى المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، تُجمَّد فورًا جميع الأموال والممتلكات التابعة للتنظيم داخل الولايات المتحدة، وتجري ملاحقة أي جهة أو فرد يقدم “دعمًا ماديًا” للجماعة بعقوبات قد تصل إلى السجن 20 عامًا أو مدى الحياة إذا ترتب على الدعم أعمال عنف، كما يُمنع دخول أي عضو أو داعم لها إلى الأراضي الأمريكية، وتُغلق تلقائيًا أي مؤسسة يثبت تقديمها دعمًا للتنظيم.
ويضع هذا التصنيف منظمات واسعة داخل الولايات المتحدة تحت المجهر، أبرزها: مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR، والجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية، ومنظمة الإغاثة الإسلامية، وعدد من الجمعيات الطلابية والخيرية التي ارتبطت تاريخيًا بالجماعة، وسيكون لهذه الخطوة أثر مالي مدمر، إذ ستتوقف البنوك العالمية عن التعامل مع أي كيان يُشتبه بصلته بالإخوان، تجنبًا للعقوبات الأمريكية الثانوية، كما سيطول الضغط الدولي الدول التي ما تزال تستضيف قيادات من التنظيم أو تقدم له غطاءً سياسيًا.
كل هذه الخطوات تشير إلى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الجماعة الإرهابية باعتبارها "جماعة سياسية منقسمة داخليًا"، بل كتنظيم عقائدي متشعب، له بنية مالية وتنظيمية تمتد عبر القارات، وأن لحظة المواجهة الفعلية قد اقتربت.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا بعد قرار ترامب؟.. الواقع أن المرحلة المقبلة لا تحمل للجماعة سوى مزيد من العزلة، وتضييق الخناق، وانهيار مساحات النفوذ التي بنتها لسنوات داخل الولايات المتحدة، فالمشهد الأمريكي يميل بوضوح إلى هندسة جديدة للعلاقة مع الإسلام السياسي، تقوم على الحظر والمساءلة بدلًا من الاحتواء، ما يجعل مستقبل الإخوان في الغرب معلقًا بين تآكل نفوذ التنظيم أو انكشافه الكامل أمام القانون.
تآكل الجذور وعملية قتل "الوحش"
بحسب تقرير مركز أبحاث دراسات الشرق الأوسط الصادر في يوليو 2019 بعنوان "مسارات السياسة الأمريكية تجاه الإخوان المسلمين"، فإن تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وجماعة الإخوان لم يكن يومًا علاقة عابرة، بل هو ارتباط ممتد منذ خمسينيات القرن الماضي، حين رأت واشنطن في الجماعة أداة يمكن استخدامها في معركتها الكبرى ضد الشيوعية.
وفي تلك المرحلة، التقى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور بقيادات الحركة الإسلامية العالمية، وكان من أبرزهم سعيد رمضان، صهر حسن البنا ووالد طارق رمضان، حيث احتضنت الولايات المتحدة نشاط رمضان في أوروبا خلال الخمسينات والستينات، واعتبرت الإخوان رأس حربة أيديولوجيًا في مواجهة المد السوفيتي، ومنذ منتصف الخمسينيات وحتى الغزو السوفيتي لأفغانستان، ظلّ هذا التنسيق غير معلن، لكنه ظهر بوضوح عام 1978 عندما مثلت الأفكار الإخوانية الأساس الأيديولوجي لعدد كبير من "المجاهدين" الذين دعمتهم واشنطن قبل أن يتحول بعضهم لاحقًا إلى توجهات أكثر تطرفًا.
ويؤكد التقرير أن المنظمات الإخوانية في الولايات المتحدة كانت شبيهة بنظيراتها الأوروبية، لكنها اتسمت بطابع نخبوية واضحة. ففي عام 1963 تأسست رابطة الطلبة المسلمين (MSA)، ثم انتقل المعهد العالمي للفكر الإسلامي إلى الولايات المتحدة عام 1983، ومنها انطلقت الجمعية الإسلامية في شمال أمريكا (ISNA)، وصولًا إلى تأسيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) عام 1994، وفي الثمانينات، تحركت الجماعة بشكل منظم في الولايات المتحدة من خلال تشكيل "الأسر الإخوانية"، وهي وحدات صغيرة تنتشر عبر الولايات بهدف تجذير النفوذ، واستقبال العناصر الوافدة، وبناء شبكة مدارس ومساجد وعيادات، مع تركيز خاص على الجامعات عبر رابطة الطلاب المسلمين التي أنشأت مئات الروابط الطلابية تجاوز عددها 600 رابطة.
ويكشف التقرير أن الانفصال الحقيقي بين واشنطن والإخوان بدأ مع أزمة غزو العراق للكويت عام 1990، إذ عارضت معظم فروع الجماعة التدخل الأمريكي، فيما ذهب الفرع السوري للتنظيم إلى حد دعم نظام صدام حسين، في مواجهة نظام حافظ الأسد الذي انضم حينها إلى الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة.
وفي عام 1994 تأسس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية بإدارة القيادي الفلسطيني نهاد عوض، بهدف تمكين الإخوان من النفاذ السياسي داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، وقد أثبتت الوثائق المسربة التي نشرتها "واشنطن تايمز" حجم ذلك النفوذ، ووجود بنية متدرجة قادت الإخوان إلى أروقة البيت الأبيض عبر عقود.
ويشير التقرير إلى أن الخبير ستيفن ميرلي من معهد هدسون كشف النقاب عن نجاح الجماعة الدولية في تأسيس 19 منظمة كبرى في أوروبا تحت مظلة اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، الذي تأسس عام 1989 ويتصل مباشرة بقيادة الجماعة في القاهرة. وانتقل أمينه العام أيمن علي لاحقًا ليصبح مستشارًا خاصًا للرئيس الأسبق محمد مرسي، بما يؤكد وحدة الشبكة العالمية للتنظيم.
وبعد أحداث سبتمبر 2001، بدأت الولايات المتحدة النظر بريبة تجاه الإخوان، ووضعت بعض المنتمين للجماعة ضمن قوائم الإرهاب، غير أن قطر لعبت دور الوسيط لإعادة فتح قنوات التواصل، في وقت رغبت فيه واشنطن بدعم "الإسلاميين المعتدلين" في مواجهة تنظيم القاعدة.
ورغم أن الإخوان عارضوا الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فإنهم غضّوا الطرف عن مشاركة الإخوان العراقيين بقيادة طارق الهاشمي في المجلس الانتقالي الذي شكّلته سلطة الاحتلال، ومع منتصف العقد الأول من الألفية، حاولت واشنطن تطبيق سياسة جديدة للتواصل مع الجماعات التي تعلن نبذ العنف، فوجد الإخوان الفرصة المناسبة لتقديم أنفسهم كبديل "عقلاني".
وتحت ضغط انتخابات 2005 في مصر وصعود الإخوان بـ88 مقعدًا في البرلمان، ازداد التواصل بين الطرفين، وارتفعت درجة النفاذ الإخواني داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، ويستشهد التقرير بعدد من النماذج البارزة، مثل عبد الرحمن العمودي، عضو الجماعة ذو الأصول الإريترية، الذي أصبح مستشارًا للرئيس بيل كلينتون وهيلاري كلينتون، وقاد حملة منظمة لاختراق دوائر الحزب الجمهوري، ودعم شخصية نافذة مثل غروفر نوركيست، بل وأدخل نائبه سامي العريان إلى حملة جورج بوش الانتخابية.
وبعد فوز بوش، عُيِّن سهيل خان - وهو شخصية ذات صلات وثيقة بالإخوان - في مكتب الاتصال العام بالبيت الأبيض، ما مكّن الجماعة من إدارة قنوات دخول الجالية المسلمة إلى المؤسسة التنفيذية.
ومع مجيء إدارة باراك أوباما، بلغت العلاقة ذروتها – وفق التقرير - فقد اختار أوباما شخصيات إخوانية أو قريبة من الجماعة للاستشارة والتواصل مع المسلمين، وكان أبرزهم رشاد حسين، مبعوث الإدارة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي وكاتب جزء من خطاب أوباما في القاهرة عام 2009، حيث تحدث الرئيس الأمريكي علنًا عن إعادة التواصل مع جماعة الإخوان، وأكدت هيلاري كلينتون أن سياسة التواصل مع الجماعات الإسلامية كانت مطروحة منذ 2006، وتحوّلت إلى نهج رسمي مع صعود إدارة أوباما.
وبحسب التقرير، رأى بعض المحللين في ذلك الوقت أن واشنطن كانت تراهن على وصول الإخوان إلى الحكم في مصر لفرض نموذج "الإسلام السياسي المعتدل"، فيما اعتبر آخرون أن العلاقة كانت عملية براغماتية تقوم على المصالح وليس الود، حيث أرادت واشنطن الحفاظ على استقرار مصر - بما يخدم أمن إسرائيل - فيما رأت الجماعة في الدعم الأمريكي طريقًا لتعزيز شرعيتها.
وذكر روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، أن اتفاقًا غير مكتوب تم بين الطرفين مفاده: "حفظ الاستقرار والسلام مع إسرائيل مقابل أن تترك الإدارة الأمريكية الجماعة تتحرك دون ضغط". ويشير التقرير إلى أن باحثين مثل روبرت سبينسر أكدوا وجود 29 منظمة تعمل داخل الولايات المتحدة تحت مظلة ما سمّته وكالة التحقيقات الفيدرالية "منظمة الإخوان المسلمين الدولية"، وأن هذه الكيانات مثّلت جماعة ضغط ضخمة داخل البيت الأبيض ووزارة الخارجية.
ومع ذلك، ظل سؤال العلاقة مع واشنطن بعد 2011 مشوبًا بالتناقض؛ فبينما كانت الجماعة تسعى لفرض نفسها كقوة حاكمة قادرة على إدارة الدولة، اصطدمت ببنية الدولة المصرية، وفئات اجتماعية واسعة، حتى سقط حكمها في 30 يونيو 2013، ويصف التقرير الموقف الأمريكي وقتها بأنه "مرتبك" بين الرغبة في الحفاظ على النفوذ، والخوف من انهيار الرهان على الإخوان.
أما مع وصول دونالد ترامب، فقد تغيّر المشهد كليةً، كان تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية من أبرز وعوده الانتخابية، ووجد في مطالب مصر والإمارات والسعودية والدول العربية، حافزًا للمضي في هذا الاتجاه، ويشير التقرير إلى أن محاولات مشابهة جرت في عهد أوباما أعوام 2015 و2017 و2018، لكنها فشلت لاعتبارات قانونية تتعلق بالأدلة والمعايير الأمريكية للتصنيف.
نهاية سياسة التراخي الأمريكية
كما لعبت التحولات الداخلية بالولايات المتحدة دورًا جوهريًا في إعادة تشكيل النظرة إلى جماعة الإخوان، خاصة بعد صعود اليمين الشعبوي واتساع حركة "أمريكا أولًا"، التي أعادت تعريف الأولويات الأمنية على أساس مكافحة التطرف الديني أياً كان مصدره.
ومع هذا التحول، لم يعد صانع القرار الأمريكي مستعدًا لتحمّل كلفة الإخوان السياسية، ولا منحهم مساحة المناورة داخل المؤسسات كما كان يحدث في عهد أوباما، إذ تغيّر مزاج الناخب، وتبدّلت معايير الأمن القومي، وأصبح السياسيون أنفسهم يهربون من أي صلة بالجماعة خوفًا من ثمن انتخابي قد يطيح بمستقبلهم السياسي.
لقد تحوّل وجود الإخوان داخل المشهد الأمريكي إلى عبء لا يريد أحد تحمله، لا في الكونجرس ولا في البيت الأبيض ولا حتى في المؤسسات الأكاديمية التي سبق أن فتحت لهم أبوابها.
وازداد هذا التحول وضوحًا مع تصاعد الضغوط الإعلامية والبحثية، حيث بدأت الصحف الأمريكية الكبرى تفتح الملفات المسكوت عنها لعقود، وتطرح أسئلة مباشرة حول طبيعة الأنشطة التي تمارسها الواجهات الإخوانية في الولايات المتحدة، ومدى ارتباطها بشبكات تنظيمية عابرة للحدود. كما شكّلت جلسات الاستماع في الكونجرس نقطة فاصلة بعد أن كشف بعض الخبراء عن تورط المنظمات المتحالفة مع الجماعة في عمليات ضغط سياسي تستهدف إعادة إنتاج أيديولوجيا الإخوان بلباس مدني.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، بات التماهي مع الإخوان مخاطرة سياسية لا يتحملها نائب في الكونجرس ولا مسؤول تنفيذي، بينما وجدت الحملات الانتخابية في مهاجمة الإسلام السياسي ورقة رابحة لاستقطاب الناخب الأمريكي القلق من الهويات المتشددة.
وتعمّقت هذه العزلة مع دخول منظمات المجتمع المدني على خط المواجهة، بعدما أطلت تقارير من مراكز بحثية مؤثرة مثل "هيريتيج فاونديشن" و"مركز السياسات الأمنية" تحمل تحذيرات صريحة من محاولات الإخوان اختراق المؤسسات التعليمية والجاليات المسلمة ودوائر صنع القرار المحلي.
وهذه التقارير أكدت أن الجماعة لا تعمل باعتبارها مكوّنًا دينيًا بقدر ما تتحرك كشبكة ذات مشروع سياسي عالمي، تستغل الديمقراطية الأمريكية وتستخدم خطاب الاعتدال كغطاء لبناء نفوذ طويل المدى.
حتى منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة مفتوحة لتفكيك سرديات الإخوان، حيث انتشرت وثائق وشهادات وملفات قديمة كانت مجهولة لعقود، فدخلت إلى الرأي العام وأعادت تشكيل الصورة الذهنية للجماعة داخل المجتمع الأمريكي، ومع توالي التحقيقات الفيدرالية حول مصادر تمويل بعض المنظمات المتحالفة معهم، بدا واضحًا أن اللحظة التاريخية التي سمحت للإخوان بالعمل بحرية داخل الولايات المتحدة قد انتهت، وأن البيئة السياسية لم تعد مهيأة لعودتهم كما كان الوضع قبل 2016.
وفي نهاية هذا المسار، تبدو واشنطن وكأنها وصلت إلى قناعة مؤسسية بأن وجود الجماعة داخل المشهد الأمريكي لم يعد مجرد اختلاف فكري، بل يمثل تحديًا لأمنها الداخلي واستقرار نسيجها الاجتماعي، الأمر الذي مهّد الطريق لموسم سقوط الخرفان في قلب الولايات المتحدة نفسها، بعد أن اكتشف الأمريكيون أن ما كان يُروّج بوصفه "اعتدالًا سياسيًا" لم يكن إلا غطاءً لمشروع أيديولوجي يناقض قيم الدولة التي آوت قادته لعقود.