منصة عالمية للفتوى من أجل الإنسانية
السبت، 20 ديسمبر 2025 11:50 م
الندوة الدولية الثانية لدُور وهيئات الإفتاء في العالم توصى بوضع ميثاق أخلاقى لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإفتاء
على مدار يومان استضافت القاهرة، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الندوة الدولية الثانية التي تنظمها الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم تحت مظلة دار الإفتاء المصرية، بعنوان: "الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة"، بمشاركة واسعة من العلماء والمفتين من مختلف دول العالم، بالتزامن مع الاحتفال بـ«اليوم العالمي للإفتاء»، الذي أقرته الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم وبوافق 15 ديسمبر من كل عام، وانتهت الندوة إلى مجموعة من التوصيات أبرزها الدعوة إلى وضع ميثاق أخلاقي لاستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في مجال الإفتاء، مستمدًا من القيم الإسلامية، والعمل على استثمار التكنولوجيا لتوسيع نطاق خدمة الفتوى عالميا، مع إطلاق تطبيقات ذكية ومنصات تفاعلية متعددة اللغات، وتثمين دور "الدبلوماسية الدينية" في دعم جهود السلام العالمي، وإعلاء قيم التعايش، وتعزيز الهوية الصحيحة.
كما أوصت بإصدار قوانين تنظيم الشأن الإفتائي، لقصر ممارسة الإفتاء على الجهات العلمية المعتمدة، وأصحاب التأهيل الشرعي، ومنع غير المتخصصين من الفتوى، والتصدي للفتاوى التحريضية التي تهدد السلم المجتمعي، إطلاق مشاريع بحثية موسعة لدراسة القضايا المستجدة والمستقبلية بمنهجية تجمع بين الاختصاص الشرعي والعلوم الحديثة، وتعزيز التعاون بين وزارات التربية والتعليم والثقافة والإعلام وبين هيئات الإفتاء لإدراج مفاهيم التسامح والتعايش والأمن الفكري في المناهج الدراسية، وتطوير مبادرات إعلامية تخاطب فئات المجتمع -لا سيما الشباب-، لتحصين الأجيال الناشئة من آفات الجهل والتطرف، وكذلك العمل على توثيق الصلة بين المؤسسات الإفتائية والهيئات الصحية لضمان صدور فتاوى طبية موحدة ورصينة، لا سيما في أوقات الأوبئة والأزمات الصحية، ومراعاة الأهداف التنموية في العملية الإفتائية، وتوجيه الفتاوى لدعم مكافحة الفقر وتحسين جودة التعليم والصحة وحماية البيئة.
كما أسفرت التوصيات عن إنشاء منصة الفتوى من أجل الإنسانية هي منصة عالمية متعددة اللغات تحت إشراف الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، لتبادل الخبرات والاجتهادات بين المفتين، وتوفير تطبيق ذكي يقدم إجابات سريعة وموثوقة للأسئلة الطارئة كما تم إنشاء بيت الفتوى والتنمية العالمية وهي قاعدة بيانات رقمية مركزية تجمع الفتاوى المعتمدة الصادرة حول القضايا التنموية والإنسانية لدور الإفتاء المختلفة.
وشدد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، على ضرورة ربط صناعة الفتوى بمقاصد الشريعة في حفظ النفس والدين والعقل والمال والنسل عند معالجة القضايا الإنسانية، واستثمار الفتوى في تعزيز الحلول العملية لمشكلات الفقر، والصحة، والجوع، والجهل، والأمية، والغزو الثقافي، ومناقشة التحديات الفكرية الناجمة عن هذا الغزو، وآليات المواجهة الشرعية، وإبراز البعد الشرعي والإنساني للقضية الفلسطينية من خلال الفتوى، والانتقال من الفتوى الفردية إلى سياسات للفتوى، بتحويل الحكم الشرعي إلى برنامج عمل مستدام، ممول بالعبادات المالية، وتعزيز احترام الكرامة الإنسانية بوصفها أساسًا معياريًا لصلاحية الفتوى، وحماية البنية الأخلاقية للمجتمع من الأخطار التي تتهددها.
وأكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن الفتوى تمثل أحد أهم أدوات ضبط الوعي الإنساني وحماية استقرار المجتمعات، لا سيما في ظل ما يشهده العالم المعاصر من أزمات متشابكة وتحديات متسارعة، مشددًا على أن الفتوى ليست خطابًا جامدًا، بل أداة رحمة وصوت حكمة، ووسيلة لترشيد السلوك الإنساني وتحقيق مقاصد الشريعة، مشيراً إلى أن العالم لا يواجه أزمات متفرقة فحسب، بل يمر بمرحلة تهدد أمنه واستقراره، وهو ما يضاعف من مسؤولية الفتوى، باعتبارها صمام أمان يوجه الإنسان نحو الرشد، ويدعم صناع القرار في أوقات الطوارئ، مستشهدًا بالدور الذي قامت به دار الإفتاء خلال جائحة كورونا، حيث قدمت نموذجًا رائدًا جمع بين العلم الشرعي والمعرفة العلمية الحديثة، وأسهم في تهدئة المخاوف المجتمعية.
وشدد بشير الحاج نانا يونس، مفتي الكاميرون، على أهمية إنشاء منابر إلكترونية تفاعلية للفتوى تتيح للناس طرح أسئلتهم واستقبال إجابات مستندة إلى الشرع والعقل، وورش عمل تجمع بين علماء الدين وخبراء العلوم الاجتماعية والتكنولوجيا، لبحث القضايا المعاصرة.
كما أكَّد فواز أحمد فاضل، مفتي ماليزيا، أن تناول الفتوى لقضايا الدولة والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والبيئة لا يعد خروجًا عن وظيفة الإفتاء، بل هو امتداد طبيعي لها، شريطة أن يكون منضبطًا بالمقاصد، قائمًا على فقه المآلات، ومراعيًا لمقتضيات التخصص والخبرة، مع عدم إغفال القضايا المتجذرة التي تمسُّ حياة الناس اليومية في عباداتهم وأُسَرهم ومعاملاتهم.
وقال الدكتور محمد بن عيضة شبيبة، وزير الأوقاف والإرشاد بالجمهورية اليمنية، إن اليمنيين عانَوا من فتاوى مُسَيَّسَةٍ خرجت عن روح الشريعة، وأسهمت في تمزيق النسيج الاجتماعي، وتحويل الدين من رسالة هداية إلى إحدى أدوات الصراع؛ مشددًا على أن هذا اللقاء العلمي يمثل منصةً مهمةً لإعادة الاعتبار للفتوى بوصفها صمامَ أمان للأُمة، لا وقودًا للأزمات، وأوضح الدكتور محمد بن عيضة شبيبة، أن وزارة الأوقاف والإرشاد في اليمن، تسعى جاهدةً إلى النأي بالخطاب الديني والفتوى عن الصراع السياسي أو الطائفي، والإبقاء عليها حصرًا في سياق اختصاص المؤسسة الرسمية، بما يحفظ مكانة الفتوى ودَوْرها الشرعي والإنساني.