عبد الفتاح نور أحمد وزير الإعلام الصومالي السابق لـ"صوت الأمة": تفكيك الصومال جزء من استراتيجية أوسع.. وتل أبيب تبحث عن موطئ قدم في باب المندب

السبت، 03 يناير 2026 11:50 م
عبد الفتاح نور أحمد وزير الإعلام الصومالي السابق لـ"صوت الأمة": تفكيك الصومال جزء من استراتيجية أوسع.. وتل أبيب تبحث عن موطئ قدم في باب المندب
حوار: محمود علي

عبد الفتاح نور أحمد وزير الإعلام الصومالي السابق لـ"صوت الأمة":

تفكيك الصومال جزء من استراتيجية أوسع.. وتل أبيب تبحث عن موطئ قدم في باب المندب

السيطرة على ميناء «بربرة» حلماً إسرائيليا لتطويق الأمن القومي العربي وخطوط التجارة الدولية

الاعتراف الإسرائيلي بالأقليم الانفصالى هدفه تحويل المنطقة إلى "منطقة وظيفية" تستخدمها تل أبيب لأغراضها العسكرية

مصر لم تقف مكتوفة الأيدي وتحركت لإفشال مخططات تفتيت الصومال.. والحوار الداخلى الضمانة الحقيقية للوحدة

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، يبرز الجدل حول إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" كدولة مستقلة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض الإقليمي والتساؤلات الدولية حول تداعياتها السياسية والأمنية.

هذا القرار، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر أعاد فتح ملفات السيادة ووحدة الدول، وحدود التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة.

في هذا الحوار يقدم عبد الفتاح نور أحمد، وزير الإعلام الصومالي السابق لـ "صوت الأمة"، قراءة معمّقة لهذا الاعتراف، ويفكك أبعاده الجيوسياسية، محذراً من مخاطره على بنية الدولة الصومالية الفيدرالية، وعلى أمن القرن الأفريقي برمّته، كما يتناول الخلفيات التاريخية لانفصال الإقليم، وإمكانية تحوله إلى ساحة صراع بالوكالة، في ظل أطماع عسكرية واستخباراتية تتجاوز حدود الصومال.

إلى نص الحوار..

بدايةً كيف تقرأ قرار إسرائيل الاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة؟ وهل ترونه خطوة رمزية أم تحوّلاً استراتيجياً له أبعاد أعمق؟

قرار إسرائيل بالاعتراف بـ "أرض الصومال" (Somaliland) كدولة مستقلة، نراه قراراً غير موفق، فإسرائيل ليست الجهة أو الكيان الذي يتمتع بالأهلية الأخلاقية والقانونية المخولة للاعتراف بمثل "أرض الصومال"، من جهة أخرى، نجد أن دولة محتلة اعترفت بجزء انفصالي من الصومال؛ وهذا الاعتراف يضمن مصلحة لإسرائيل وتهدف من خلاله إلى تحويل هذه المنطقة إلى "منطقة وظيفية" تستخدمها لأغراضها العسكرية، بحكم وقوع المنطقة في موقع جيوستراتيجي مهم جداً للممر المائي الدولي والتجاري، كونها مطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وتعتبر بوابة لباب المندب وقناة السويس.

هذا الاعتراف جاء بعد أكثر من ثلاثة عقود لم يحظَ فيها هذا الإقليم بأي اعتراف دولي من قبل أي دولة من دول العالم، لذا، فإن اعتراف إسرائيل به سيحمله المزيد من الأوزار والأثقال؛ فإسرائيل أيديها ملطخة بدماء الفلسطينيين الأبرياء، وقيامها باعتراف لإحدى المناطق العربية لن يزيد هذه المنطقة شيئاً، بل سيتم استخدام "تطبيعها الوظيفي" لخدمة أهداف عسكرية إسرائيلية، دون أن تستفيد المنطقة في مجالات الاعتراف الدولي والمحافل الدولية.

 

الحكومة الصومالية وصفت الاعتراف بأنه اعتداء صارخ على السيادة.. من وجهة نظركم، ما أخطر ما في هذه السابقة على بنية الدولة الصومالية الفيدرالية؟

أخطر ما في المسألة هو أن هذا الاعتراف يجلب لأرض الصومال الكثير من الويلات والسخط الشعبي على الصعيد الداخلي، تاريخياً، أرض الصومال هي الشطر الشمالي من الصومال، وقد توحدت مع المناطق الجنوبية في عام 1960 ليشكل الشطران جمهورية الصومال، وعندما انهارت الحكومة الصومالية عام 1991، انفصل هذا الإقليم وحاول فك ارتباطه بالدولة الرسمية، ولم يحظَ حينها بأي اعتراف دولي.

لكن هذه الخطوة الحالية ستكون لها تداعيات خطيرة على الصومال والمنطقة ككل، فعلى الصعيد الصومالي، هذا الإقليم -كغيره من الأقاليم التي كانت تخضع للاستعمار البريطاني- يضم مناطق متنازعاً عليها؛ لنأخذ مثلاً (كما في السودان ومنطقة أبيي المتنازع عليها بين قبيلتي الدينكا والمسيرية)، ففي الصومال هناك أقاليم تتنازعها قبيلة "الهرتي" (أو الدارود) مع القبيلة المركزية في شمال الصومال وهي قبيلة "إسحاق".

هذه المناطق تشمل منطقة "سول" ومنطقة "سناج"؛ منطقة "سول" انفصلت وخرجت من عباءة أرض الصومال وانضوت تحت لواء الحكومة الاتحادية، ويُسمى هذا الإقليم حالياً إقليم شمال شرق الصومال، بينما منطقة "هرجيسا" تقع في شمال غرب الصومال، وهناك منطقة أخرى محاذية للبحر الأحمر وخليج عدن وهي منطقة "سناج"، وتحكمها فعلياً حكومة "بونتلاند" التي تتمتع بحكم شبه ذاتي لكنها تندرج تحت لواء الحكومة الاتحادية.

في حال مضت إسرائيل في دعمها لأرض الصومال، سوف تتحول هذه المنطقة إلى كرة ملتهبة من الحروب الأهلية الداخلية، بالإضافة إلى بقية التهديدات الأمنية التي نتوقعها عقب اعتراف إسرائيل بهذه الجمهورية المزعومة المسماة بأرض الصومال."

هل تعتقدون أن هذا الاعتراف قد يشجع نزعات انفصالية أخرى داخل الصومال أو في محيط القرن الأفريقي؟

لا أعتقد أن هذا الاعتراف أو هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفكك وتفتيت الدولة الصومالية إلى مزيد من الدويلات، أرى أن هذا الطرح أو الخيار غير مطروح حتى اللحظة، فإقليم "بونتلاند" (أرض البنط)، وإن كان لديه بعض المظالم والخلافات السياسية مع الحكومة الاتحادية (التي تمثل الصومال ككل) نتيجة الصراع على السلطة والثروة بين الإقليم والحكومة، إلا أنه لا يؤمن بالانفصال عن "الصومال الأم"، وكذلك الحال بالنسبة لإقليم "جوبالاند" وغيرها من الحكومات الإقليمية.

أما فيما يتعلق بهذا المنحى أو النزعة الانفصالية التي ظهرت مؤخراً في منطقة القرن الأفريقي، فقد تُغري بعض الدول الأخرى -ومن بينها اليمن- بالتفكير في التفكك أو التحول إلى دويلات، فمن المعروف أن اليمن كان ينقسم سابقاً إلى يمن جنوبي ويمن شمالي، فربما يُعاد تكرار سيناريو مشابه لما جرى في "أرض الصومال"، ومع ذلك، لا أتوقع لهذه النزعة الانفصالية أن تحظى برواج واسع في أوساط منطقة القرن الأفريقي أو داخل الصومال نفسه."

إسرائيل أصبحت الأولي التي تعترف بأرض الصومال منذ 1991. برأيكم، لماذا اختارت إسرائيل هذا التوقيت تحديداً، في ظل توتر البحر الأحمر وحرب غزة واليمن؟

الاعتراف الإسرائيلي في هذا الوقت بالتحديد ينطوي على الكثير من الأهداف؛ أولها هو سعي إسرائيل -بعد حرب غزة- لإيجاد موطئ قدم لها في منطقة القرن الأفريقي بممراتها المائية الاستراتيجية، بدءاً من باب المندب، وهذا هو أحد الأهداف الرئيسية، أما الهدف الثاني، فهو اتخاذ المنطقة كمنصة لمهاجمة القوات الحوثية المتمركزة في اليمن.

وما انعكاسات هذا الحراك على أمن مضيق باب المندب؟

التحرك الإسرائيلي في هذا التوقيت ليس بريئاً، بل جاء متزامناً مع زيارة رئيس حكومة الاحتلال إلى الولايات المتحدة، في محاولة لصرف الأنظار عن جرائم الحرب في غزة، وطرح تصورات خطيرة تتعلق بالتهجير القسري للفلسطينيين. كما أن اللقاءات السابقة التي جمعت رئيس إقليم أرض الصومال بمسؤولين إسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس جهاز الموساد، تمثل تطوراً بالغ الخطورة، وتعكس محاولة اختراق ممنهجة للمنطقة.

أما فيما يتعلق بمضيق باب المندب، فإن السيطرة غير المباشرة على ميناء «بربرة» تمثل حلماً استراتيجياً لإسرائيل، نظراً لأهمية الميناء كمفصل حيوي يربط أوروبا بأفريقيا، إنشاء موطئ قدم عسكري في هذه المنطقة يعني تطويق الأمن القومي العربي، وتهديد خطوط التجارة الدولية، وإشعال بؤرة توتر جديدة تمتد تداعياتها إلى الإقليم والعالم.

يتخوف كثيرون من أن يتحول الاعتراف السياسي إلى تعاون أمني أو استخباراتي. كيف سينعكس أي وجود إسرائيلي محتمل في سواحل أرض الصومال على أمن الصومال والمنطقة؟

نعم الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى فصل بعض الأقاليم عن دولها الأم، وأرى أن جميع المناطق التي تعاني من حروب أهلية داخلية أو تواجه تحديات أمنية وصراعات، كما هو الحال في السودان واليمن وليبيا، تُعد مناطق مهيأة ومخترقة لممارسة الكيان الإسرائيلي لعربدته وتخبطه السياسي، فضلاً عن سياساته الهمجية الهادفة إلى تمزيق الكيانات وفصلها عن جذورها.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا المخطط يعتمد بشكل كبير على مدى مقاومة هذه المحاولات الفاشلة والتصدي لها، فإذا تم إحباط هذا المخطط، فلن ينجح الكيان في مساعيه المستقبلية؛ إذ تقوم استراتيجيته على إيجاد موطئ قدم له خارج حدود فلسطين التاريخية.

وأعتقد أن ما يحدث في الصومال هو مجرد البداية، ولن يكون النهاية؛ فالمحاولات الإسرائيلية ستستمر، لكن مواجهتها مرهونة بوعي شعوب المنطقة وقدرتها على التصدي لهذا التحدي الجوهري، والسعي لتضييق الخناق على الكيان الإسرائيلي عبر تفعيل دبلوماسية نشطة توضح مواقف الدول في المحافل والميادين الدولية. فمن شأن هذه الجهود أن تعرقل مساعي إسرائيل وتضع حداً لتدخلاتها السافرة في سيادة الدول."

كيف يمكن للصومال، في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الحالية، أن يحمي وحدته الإقليمية ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة؟

بإمكان الصومال ذلك إذا اتبع استراتيجية تعتمد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ فالحوار "الصومالي-الصومالي" هو الطريق الأنجع والأمثل للحفاظ على وحدة الصومال وترابه، كما يسعى الصومال إلى تطبيق سياسة الانفتاح على العالم عبر دبلوماسية نشطة، تكثف من خلالها تواجدها في المحافل والميادين الدولية.

في ضوء الحديث عن دور مصر التاريخي تجاه تأمين منطقة البحر الأحمر، كيف تقيّمون الدور المصري في ردع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال؟

مصر كانت دوماً وإلى الأبد تقف إلى جانب الصومال، وتؤيد المواقف الصومالية، وقد تماهت السياسات المصرية مع سياسة الصومال في الحفاظ على وحدة ترابه واستقراره، ولمصر دور تاريخي في الصومال؛ فقد وقفت بجانبنا في أحلك الظروف، وتحديداً خلال حربنا مع المستعمر الحبشي عام 1964، حيث قامت مصر بإمداد القوات الصومالية بالعتاد والسلاح اللازم، وكانت هناك مقولة مشهورة حينها عن سلاح (كلاشنكوف) يدعى "حكيم"، حيث كان يقال حكيم.. حياة الصومال وموت الحبشة، فمصر وقفت إلى جانبنا في ذلك الظرف التاريخي الحرج، ولم ينقطع دعمها أبداً، بل كانت دوماً سباقة إلى تبني القضايا القومية التي تحافظ على استقرار وتماسك المجتمع الصومالي.

كما أن لمصر شهداء بذلوا دماءهم الزكية في سبيل تحرر الصومال من الاستعمار، وفي مقدمتهم كمال الدين صلاح وغيره من المناضلين والمكافحين الذين كافحوا معنا للتحرر من قبضة العبودية والاستعمار، وبعد انهيار الحكومة الصومالية (عام 1991)، منحت مصر طلابنا منحاً دراسية، وبدأت توفر للصومال الإمكانيات المادية والبشرية من أجل أن ينهض الصومال من كبوته مجدداً.

لذا، نتوجه بالشكر للشعب المصري في هذا الظرف الحالي، وبعد صدور الإعلان الوهمي للاعتراف بـ أرض الصومال، لم تقف مصر مكتوفة الأيدي، بل وسعت نشاطاتها الدبلوماسية داخل القارة الأفريقية وداخل جامعة الدول العربية، وكثفت اتصالاتها مع الدول الصديقة والقريبة للصومال من أجل تبني مواقف موحدة لمواجهة هذا الاعتراف، ودحض الأكاذيب، وإفشال المخطط الهادف إلى تفتيت الصومال.

كيف تنظر إلى موقف الولايات المتحدة من الخطوة الإسرائيلية؟

الضغط العربي المنظم، خصوصاً بقيادة مصر، قادر على كبح أي مغامرة إسرائيلية غير محسوبة، وقد أثبتت القاهرة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، قدرتها على فرض خطوط حمراء واضحة، كما حدث في ملف التهجير القسري لسكان غزة.

حتى لو وُجدت تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وتل أبيب، فإن تهديد باب المندب سيُعد تجاوزاً خطيراً لا يمكن للولايات المتحدة تجاهله؛ لأنه قد يجر المنطقة والعالم إلى صراع إقليمي أو حتى دولي واسع النطاق، في هذه الحالة، ستدرك واشنطن أن السماح لإسرائيل بالمضي في هذا المسار سيحول الصومال إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وقد تنقل تل أبيب صراعها من غزة إلى اليمن والبحر الأحمر، وهو سيناريو لا يخدم استقرار المنطقة ولا المصالح الدولية.

ما رسالتكم للمجتمع الدولي، وللدول الأفريقية والعربية تحديداً، بشأن خطورة الاعترافات الأحادية وتأثيرها على الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟

الكيان الإسرائيلي يسعى من خلال هذه الخطوة إلى اختبار مدى استجابة الشعوب العربية لقراراته الانفرادية، وذلك عبر اتخاذ إجراءات استفزازية. تهدف هذه الخطوة في جوهرها إلى استفزاز الصومال ومحاولة تفكيك وتفتيت بنية الدولة الصومالية.

إن رفض هذا الاعتراف وقطع الطريق أمام إسرائيل لمنعها من المضي قدماً في استراتيجيتها الرامية إلى تهميش دول الأطراف -ومنها الصومال- أمر ضروري؛ إذ تسعى إسرائيل من خلال ذلك إلى تقويض أمن دول عربية محورية، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، لذا، فإن قوة التصدي لهذا الاعتراف ورفضه ستكون بمثابة خطوة رادعة تمنع الكيان الصهيوني من الإقدام على خطوات مشابهة في المستقبل."

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق