كاميلا زاريتا مستشارة الاتحاد الأوروبي والناتو لـ"صوت الأمة": نواجه اختبار وإعادة توازن مع واشنطن وليس طلاق استراتيجي

السبت، 31 يناير 2026 08:26 م
كاميلا زاريتا مستشارة الاتحاد الأوروبي والناتو لـ"صوت الأمة": نواجه اختبار وإعادة توازن مع واشنطن وليس طلاق استراتيجي
حوار - محمود على

دعم أوكرانيا جزء من أمن أوروبا.. وضرب إيران لن يكون حدثًا محدودا وسيؤثر على أمن الملاحة وأسواق الطاقة

الشراكة مع مصر من أهم استثمارات الاستقرار الأوروبي.. وننظر للقاهرة كشريك محوري في قضايا المنطقة

 

في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مسارات الحرب مع محاولات التهدئة، وتتصارع فيها حسابات القوة مع قواعد القانون الدولي، يعود سؤال السلام إلى الواجهة، لكن ليس بوصفه نتيجة قريبة، بل كاختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على الصمود.

نحن نعيش، كما تقول الدكتور كاميلا زاريتا مستشارة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في حوارها مع "صوت الأمة" في لحظة اختيار لا لحظة راحة؛ زمنًا يجب فيه على العالم أن يفرّق بين الأوهام والإمكانات، فالاستقرار لا يُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، وبسيادة القانون، وبشركاء يلتزمون بتعهداتهم حتى حين يخفت الضوء الإعلامي عن الأزمات.

في هذا الحوار ناقشنا مع المستشارة الأوروبية العديد من الملفات المتشابكة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن الناتو إلى الشراكات الإقليمية، وفي المقدمة الدور المصري لإخماد الكثير من الأزمات وتعاون القارة الأوروبية مع القاهرة في الملفات الاقتصادية والسياسية لجعل الإقليم أكثر هدوءا.

وإلى نص الحوار.

 

بداية..كيف تقيّم أوروبا مفاوضات أبوظبي لإنهاء الحرب الأوكرانية برعاية أمريكية ، هل تعتبرها فرصة حقيقية لإنهاء الحرب أم مجرد تهدئة مؤقتة؟

 

تتعامل أوروبا مع مسار أبوظبي كقناة دبلوماسية جادة، لكنها لا تخلط بين وجود مسار تفاوضي وتحقيق السلام الفعلي، ومن منظور القانون الدولي، فإن أي تسوية مستدامة يجب أن تكون متوافقة مع البنية الأساسية لميثاق الأمم المتحدة: المساواة في السيادة، واحترام وحدة الأراضي، وحظر استخدام القوة.

السلام الذي يكافئ الإكراه بمنح شرعية قانونية أو سياسية ليس اتفاق سلام، بل سابقة تقوّض أمن جميع الدول المتوسطة والصغيرة، لكن ما يجعل هذه المحادثات مختلفة نسبيًا هو محاولة الولايات المتحدة ربط مسار وقف إطلاق النار بمسار اقتصادي وبلغة أمنية تتعلق بـ«الوضع النهائي».

لكن تقارير حديثة تشير إلى أن واشنطن تطرح الضمانات الأمنية على أنها مشروطة باتفاق سلام قد يتضمن تنازلات إقليمية، وهنا يتصاعد الحذر الأوروبي، لأن الضمانات المشروطة قد تتحول إلى أداة ضغط بدل أن تكون أداة حماية، وقد أشار الرئيس الأوكرانى زيلينسكي علنًا إلى أن قضايا مهمة نوقشت في الإمارات، لكن المسائل السياسية المعقدة ما زالت عالقة، وهي صيغة دبلوماسية تعني أن أصعب أسئلة الحرب لم تُحسم بعد، لذلك ترى أوروبا في هذه المفاوضات فرصة، لكنها تفترض واقعيًا أن ما قد يتحقق أولًا هو تهدئة لا سلامًا نهائيًا، ووقف إطلاق النار قد يكون ذا قيمة إنسانيًا وأمنيًا إذا أتاح مجالًا للإغاثة والاستقرار، لكنه إن لم يُدعَّم بضمانات موثوقة وآليات تحقق، فقد يتحول إلى مجرد توقف تكتيكي مؤقت.

 

إلى أي مدى أثّرت السياسات الأمريكية الأخيرة تجاه الحلفاء الأوروبيين على الثقة داخل الناتو؟

 

الثقة ليست شعورًا؛ بل بنية استراتيجية، مصداقية الردع في الناتو لا تقوم فقط على القدرات العسكرية، بل على التماسك السياسي، والقدرة على الاتفاق حول طبيعة التهديد والعمل المشترك، وعندما تتوتر العلاقات بسبب ملفات مرتبطة مثل جرينلاند أو الرسوم الجمركية أو الخطاب الذي يبدو تجاريًا، فإن ذلك يزرع قدرًا من عدم اليقين في افتراض أن «الحلفاء سيلتزمون دائمًا»، وهو افتراض جوهري في معادلة الردع.

الدبلوماسية الأوروبية المكثفة حول جرينلاند، وإصرار أوروبا على مبادئ «الاحترام» والسيادة، ليست استعراضًا سياسيًا، بل محاولة قانونية-سياسية لتثبيت التحالف على أساس القواعد لا الإكراه، وهذا مهم في نظر موسكو، لأن روسيا لطالما سعت إلى توسيع الشروخ داخل التنسيق الغربي، وليس بالضرورة لهزيمته عسكريًا، بل لتحويل وحدته إلى صفقات ثنائية متفرقة.

وعندما تهتز الثقة عبر الأطلسي، فإن الخطر لا يكون انهيارًا فوريًا، بل تآكلًا تدريجيًا في التماسك، ما يجعل أي اتفاق مع موسكو أصعب في التنفيذ والضمان.

 

إذا استمر التباعد بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، ما السيناريوهات المحتملة لدعم أوروبا لأوكرانيا ولمسار الحرب؟

أوروبا تجاوزت فكرة أن دعم أوكرانيا خيار مؤقت أو قابل للتقلب، بات يُنظر إليه اليوم كجزء من الأمن الأوروبي الهيكلي، وهناك ثلاثة سيناريوهات واقعية، السيناريو الأول تباعد مُدار حيث تستمر الخلافات مع الولايات المتحدة، لكن يظل ملف أوكرانيا محميًا باعتباره مصلحة استراتيجية مشتركة، وهذا يتطلب انضباطًا سياسيًا من الجانبين.

والسيناريو الثاني، إذا أصبح الانخراط الأمريكي أكثر تقلبًا أو مشروطًا، تعوّض أوروبا عبر زيادة التمويل، وتوسيع التصنيع الدفاعي، والتدريب، ودعم الصمود، وأوروبا قادرة على ذلك، لكن الأمر يحتاج إرادة سياسية مستدامة.

السيناريو الأخير التفكك وهو الأسوأ، ويتمثل في ضعف تدريجي في التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا في العقوبات، وجدول الإنتاج العسكري، والتعاون الاستخباراتي، ما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب أو إلى وقف إطلاق نار هش وغير مستقر.

والحقيقة الصعبة هي، أن الإرهاق لا ينهي الحروب، الذي ينهيها هو الهياكل القانونية والتنفيذ والضمانات الأمنية الموثوقة، ولهذا فإن تركيز أوروبا على القواعد ليس مثالية أخلاقية بل واقعية استراتيجية، كما أن تداعيات حرب أوكرانيا من أمن الغذاء إلى التضخم إلى الهجمات الهجينة والتضليل، لا تبقى داخل أوروبا، وإذا ظل النزاع دون تسوية، فإن العبء سينتقل إلى مناطق أكثر هشاشة.

 

في ظل التصعيد الإقليمي، ما مدى احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران؟

 

أوروبا تفضّل الدبلوماسية لأنها تأخذ المخاطر على محمل الجد، أي ضربة في أو حول إيران لن تكون حدثًا محدودًا، بل ستتداخل مع قواعد استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة، ومع أمن الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، وخطر توسع الصراع عبر الوكلاء.

وفي 27 يناير، نقلت رويترز رسائل إيرانية إلى السعودية تؤكد دعم أي مسار يمنع اندلاع الحرب، ما يشير إلى وجود نافذة دبلوماسية ضيقة رغم التوتر.

أوروبيًا، فإن استخدام القوة لا يكون مشروعًا إلا في إطار الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، وسياسيًا، تدرك أوروبا أن حربًا إقليمية ستؤدي إلى صدمات في الطاقة وتعطيل الملاحة وتصاعد عدم الاستقرار من البحر الأحمر إلى أفريقيا.

 

أين وصلت المفاوضات الأوروبية مع طهران؟

 

أوروبا لم تعد تفكر بمنطق «العودة إلى 2015»، بل بمنطق «التحقق أولًا»، المسار المحتمل إن وُجد سيكون تدريجيًا، خطوات شفافية، مسارات تفتيش، وإجراءات تهدئة متبادلة.

وفي الوقت نفسه، يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تشديد العقوبات بسبب القمع الداخلي في إيران، ما يعني أن ملف حقوق الإنسان بات مرتبطًا مباشرة بالملف الأمني.

والمنطق الأوروبي هو أن الدبلوماسية لا يجب أن تكافئ الإكراه، والضغط لا يجب أن يُغلق باب التحقق.

وهنا يجب الإشارة إلى أن تحفظ فرنسا على تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية بُرر علنًا بالخوف من إغلاق القنوات الدبلوماسية سواء اتُّفق مع ذلك أم لا، فهو يعكس محاولة موازنة معقدة بين الضغط والحوار.

 

كيف تنظر أوروبا والناتو إلى إسرائيل وغزة؟ وما تأثير ذلك على الانتقال للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار؟

 

المقاربة الأوروبية قانونية وتهدف إلى خفض التصعيد. تركز أوروبا على التزامات القانون الدولي الإنساني، حماية المدنيين، وصول المساعدات، والتناسب في استخدام القوة، ولا تنظر إلى غزة كقضية معزولة، بل كجزء من منظومة إقليمية قد ينتشر فيها عدم الاستقرار بسرعة.

ومن هنا تأتي أهمية دور مصر كوسيط في أزمة غزة، فهي حلقة وصل بين المتطلبات الإنسانية والاعتبارات الأمنية الإقليمية.

 

بعد اعتراف بعض الدول الأوروبية بدولة فلسطين، هل نحن أمام تحول حقيقي في الموقف الأوروبي؟

 

نعم لكنه ليس تحولًا مفاجئًا، بل تثبيت لموقف قانوني قديم زادت حدّته بفعل الاستعجال الإنساني. أوروبا دعمت الفلسطينيين لعقود عبر التعليم والصحة والمياه والمساعدات الإنسانية، وهذه ليست سياسات رمزية بل جهود لمنع الانهيار الكامل للمؤسسات.

والنقطة الصعبة والصادقة التي تنطبق أيضًا على السودان، هي أن الأزمات لا تحظى كلها بالاهتمام ذاته، غزة وأوكرانيا تهيمنان على المشهد، بينما تبقى أزمات أخرى ناقصة التمويل والتغطية، والحل ليس في الخطاب العالي، بل في بناء مسؤولية دولية جماعية وآليات تمويل واستجابة أكثر استدامة.

 

ما الأدوات التي تملكها أوروبا لحماية المدنيين وفتح أفق سياسي حقيقي في فلسطين؟

 

الأدوات تشمل، ربط التعاون الاقتصادي بشروط قانونية، فرض عقوبات موجهة عند الضرورة القانونية، وتمويل إنساني واسع النطاق، وبناء تحالفات دبلوماسية مع الشركاء العرب، ودبلوماسية قانونية تحافظ على مصداقية آليات المساءلة الدولية، لكن الأداة الأهم هي الاستمرارية تطبيق المعايير بشكل يمكن الوثوق به ويقلل من مخاطر التصعيد.

 

اذا انتقلنا إلى السودان، فلماذا فشلت المبادرات بشأنه وهل تراجع الاهتمام الدولي؟

 

السودان يواجه حقيقة مؤلمة، السلام لا يعني فقط إسكات السلاح، بل منع انهيار الدولة والمجتمع، والمبادرات فشلت بسبب تعدد الفاعلين المسلحين وضعف السيطرة، تدخلات خارجية غير منسقة، سياسة «فرز الأزمات» عالميًا، ضعف آليات الردع والمساءلة، إنهاك دول الجوار.

نعم، الاهتمام تراجع مقارنة بغزة وأوكرانيا، لكن تجاهل السودان سيعود بتكلفة أكبر على الإقليم والبحر الأحمر ومسارات الهجرة والأمن الغذائي.

 

هل لدى الاتحاد الأوروبي خطة جديدة للسودان؟

 

التوجه الأوروبي يميل الآن إلى دبلوماسية إقليمية منسقة، استقرار إنساني لمنع الانهيار الكامل، وضغط دون دفع نحو تفكك الدولة، التزام طويل الأمد بدل مؤتمرات موسمية، ربط السودان بأمن البحر الأحمر والهجرة والطاقة.

ومجدّدًا، يُنظر إلى مصر كشريك محوري في احتواء تداعيات الانهيار السوداني على ليبيا والبحر الأحمر.

 

هل أثرت الخلافات الأوروبية - الأمريكية ومنها جرينلاند على التحالف عبر الأطلسي؟

 

نحن أمام اختبار وإعادة توازن، لا طلاق استراتيجي، تقارير رويترز تشير إلى تحركات دنماركية وجرينلاندية لحشد دعم أوروبي، ما يعكس سعي أوروبا لترسيخ مبدأ أن السيادة غير قابلة للمساومة، والتحول الأعمق هو دفع أوروبا لتعزيز قدراتها الذاتية مع البقاء ملتزمة بالناتو كركيزة أساسية للدفاع الجماعي.

 

كيف تقيّم أوروبا الشراكة الاقتصادية مع مصر وأهميتها في ملفات غزة والسودان وليبيا؟

 

الشراكة مع مصر باتت من أهم استثمارات الاستقرار الأوروبية في الجوار، ومؤخراً صرف الاتحاد الأوروبي مليار يورو كمساعدة مالية كلية في إطار شراكة استراتيجية تشمل، غزة والوساطة الإنسانية، استقرار ليبيا، احتواء تداعيات السودان، أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، ومع تنامي التنسيق المصري الخليجي، تتزايد أهمية مصر كركيزة استقرار إقليمي، بالنسبة لأوروبا، هذا ليس تعاونًا ظرفيًا بل رهان طويل الأمد على الاستقرار والقدرة على إدارة الأزمات.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق