محمود عزت.. رأس الأفعى ومهندس الإرهاب الإخوانى بعد 2013

السبت، 07 فبراير 2026 06:25 م
محمود عزت.. رأس الأفعى ومهندس الإرهاب الإخوانى بعد 2013
محمد الشرقاوي

رسم سياسات العنف والقتل وأعاد تعريف "الطاعة" داخل الجماعة دون نقاش أو اقتناع

القبض على مؤسس الجناح المسلح في 2020 كشف عن شفرات العمليات الإرهابية والمخططات التخريبية

لماذا محمود عزت؟.. سؤال بدأ يتردد عقب الإعلان عن برومو مسلسل «رأس الأفعى»، الذى سيعرض على شاشات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، خلال موسم دراما رمضان 2026، وهذا المسلسل يشهد مواجهة درامية مشتعلة مع شخصية الإرهابي محمود عزت، والتي يجسدها النجم شريف منير، في صدام مرتقب يعتمد على التشويق والتصعيد المستمر منذ الحلقة الأولى، ويقدّم "رأس الأفعى" صراعًا مباشرًا مع قوى الإرهاب، حيث يجسد أمير كرارة شخصية محورية تقود المواجهة مع أحد أخطر العقول المدبّرة للعمليات الإرهابية، في إطار درامي يكشف خفايا التنظيمات السرّية وأساليبها في التخطيط والاختباء، وصولًا إلى لحظة الصدام الحاسمة.

للإجابة على هذا السؤال علينا الغوص قليلاً في عمق جماعة الإخوان الإرهابية، فدائمًا ما تُدار التنظيمات الإرهابية من الظل؛ فمَن يظهر إلى العلن نادرًا ما يملك سلطة القرار الحقيقية، وإن امتلك بعض مظاهرها، يظل العقل الفعلي كامناً خلف الستار، يتحكم في كل شيء: من رسم الفكرة، وصياغة استراتيجيات التحرك، إلى إدارة وحدات الهامش في حال سقوط التنظيم الأم، ولملمة الشتات، وإعادة توزيع الأدوار، وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتحول التنظيم من كيان سياسي قابل للتكيّف والمناورة، إلى بنية صدامية مغلقة لا ترى العالم إلا من خلال ثنائية حادة: «نحن أو هم».

ولا يبتعد هذا المشهد كثيرًا عن تجربة جماعة الإخوان الإرهابية، بل يتجسد فيها بصورة شبه نموذجية، فمن بين رجالات الظل، برز محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، بوصفه العقل السام الذي أعاد هندسة التنظيم عقب سقوط الجماعة في مصر عام 2013، ليس عبر خطاب تعبوي أو حضور علني، بل من خلال إعادة تشكيل منطقها الداخلي، وآليات اتخاذ القرار، وحدود العلاقة بين التنظيم والدولة والمجتمع.

ولا يمكن اختزال تجربة محمود عزت في إطار أحد قيادات الإخوان، بل تتخطى لما أبعد من ذلك، كنموذج لنمط القيادة السامة داخل تنظيم الإخوان الإرهابي؛ ذلك النمط الذي لا يحتاج إلى منصة خطابية أو شرعية جماهيرية، بقدر ما يعتمد على القدرة على إعادة برمجة التنظيم نفسيًا وفكريًا، ودفعه تدريجيًا نحو خيارات عالية الكلفة، دون تحمّل المسؤولية المباشرة عنها.

لقد مثّل عزت نموذجًا فريدًا للقيادة التي تُدير العنف من الخلف، وتُفوّض الصدام دون أن تُعلن عنه، وتترك قواعد التنظيم في مواجهة مباشرة مع الدولة والمجتمع، بينما يحتفظ العقل المدبّر بمسافة أمان أخلاقية وتنظيمية، ورغم أن القبض عليه في أغسطس 2020 شكّل لحظة كاشفة ومفصلية، فإن السؤال الأهم لم يكن: ماذا انتهى بسقوط الرجل؟ بل: ماذا تبقّى من منطقه داخل بنية الجماعة؟

من هنا، لا يسعى هذا الملف إلى تقديم سيرة تقليدية، ولا إلى توثيق أمني جامد، بل إلى تشريح عقل، وفهم آليات التسميم التنظيمي، وتحليل كيف يمكن لفرد واحد – حين تتوافر له بنية مغلقة وطاعة عمياء – أن يتحول إلى عامل تخريب استراتيجي طويل المدى، فالقضية، في جوهرها، ليست محمود عزت كشخص، بل المدرسة التي مثّلها، والعقل الذي صاغه، والسمّ الذي تركه في جسد التنظيم.

العقل السام ومنطق إدارة الظل

بعد سقوط جماعة الإخوان الإرهابية في مصر عام 2013، لم تكن الأزمة التي واجهها التنظيم الإرهابي محصورة في غياب قياداته العلنية أو انهيار واجهته السياسية، بقدر ما تمثلت في سؤال أعمق وأكثر خطورة: كيف يمكن إدارة جماعة مترهلة، مطاردة، ومضغوطة أمنيًا، دون أن تنهار من الداخل؟.. ففي لحظة غابت فيها الواجهة تقريبًا، وتعرّضت البنية القيادية لضربات قاصمة، لم يتقدم الصف من يمتلكون القدرة على الخطاب أو الحشد، بل من امتلكوا الخبرة الطويلة في العمل السري، والانضباط التنظيمي، والقدرة على البقاء خارج المشهد، وهنا برز اسم محمود عزت.

وُلد محمود حسين عزت إبراهيم في 13 أغسطس 1944، ونشأ مبكرًا داخل بيئة تنظيمية مغلقة، إذ التحق بجماعة الإخوان الإرهابية عام 1962 أثناء دراسته بكلية الطب في الزقازيق، ومنذ سنواته الأولى داخل الجماعة، ارتبط اسمه بالعمل التنظيمي الصامت أكثر من العمل الدعوي أو الجماهيري، لم يكن خطيبًا، ولا واجهة سياسية، بل عنصرًا منضبطًا داخل البنية، سرعان ما تعرّض للاعتقال عام 1965، ليقضي قرابة عشر سنوات في السجن، وهي تجربة شكّلت وعيه التنظيمي، ورسّخت لديه منطق السرية والصبر الطويل، وأعادت تشكيل نظرته للعلاقة بين التنظيم والدولة والمجتمع.

وبعد خروجه من السجن عام 1974، عاد عزت إلى استكمال مساره الأكاديمي، فحصل لاحقًا على الدكتوراه في الطب عام 1985، إلى جانب تحصيله دبلوم الدراسات الإسلامية، وهو مزج بين التكوين العلمي والانضباط الديني تجسد في صعوده الهادئ داخل التنظيم، إلى أن أصبح أمينًا عامًا للجماعة وعضوًا بمكتب الإرشاد، ثم نائبًا ثانيًا للمرشد، وهو موقع أتاح له الاطلاع على أدق تفاصيل العمل التنظيمي، وإدارة الملفات الأكثر حساسية بعيدًا عن الأضواء.

ويفسر هذا المسار الشخصي والتنظيمي طبيعة الدور الذي لعبه بعد 2013، فعندما سقطت الواجهة التنظيمية بسقوط محمد بديع وخيرت الشاطر، لم يكن عزت بحاجة إلى فرض نفسه أو البحث عن شرعية جديدة، بل وجد نفسه في موقع يسمح له بإدارة التنظيم من الخلف، مستندًا إلى شرعية لائحية، وخبرة تراكمت عبر عقود من العمل السري، لذا لم يظهر إلى العلن، ولم يسعَ إلى ملء الفراغ بخطاب أو حضور إعلامي، بل تحرك وفق منطق مغاير، يقوم على نقل مركز الثقل الحقيقي إلى الظل، حيث تُدار التفاصيل بعيدًا عن الضجيج.

ويتسم هذا النمط من الإدارة بالقدرة على التحكم في الإيقاع العام للتنظيم، بعيداً عن حصر القيادة في إصدار قرارات معلنة أو تبني مواقف صريحة، بل وحده من يقرر: متى يتحرك التنظيم؟، ومتى يتراجع؟، وأي مسار يُفتح وأيها يُغلق؟

ومثل غياب الظهور هنا أداة؛ أتاحَت لمحمود عزت العمل دون أن يكون طرفًا مباشرًا في الصدام، ودون أن يتحمل الكلفة السياسية أو الأمنية المترتبة على الخيارات المتخذة باسم الجماعة.

وكشفت واقعة القبض عليه في 28 أغسطس 2020 ملامح هذا النمط بوضوح، فعلى مدار سنوات، روّجت قيادات الجماعة لشائعات متعمدة عن وجوده خارج البلاد، في محاولة لتكريس صورة «القيادة الغائبة»، بينما كان في الواقع مختبئًا داخل القاهرة، في شقة سكنية بمنطقة التجمع الخامس، يدير منها شؤون التنظيم مستخدمًا أجهزة اتصال وبرامج مشفّرة، إلى جانب أوراق تنظيمية تتعلق بمخططات الجماعة، وهذه المفارقة لا تعكس فقط قدرة شخصية على التخفي، بل تشير إلى فلسفة إدارة كاملة تقوم على العمل من قلب المجال التنظيمي، مع البقاء خارج مرمى الرؤية.

ولم يكن محمود عزت قائدًا بالمعنى التقليدي، بل مُشغِّل نظام؛ لا يوقّع على الدم، لكنه يضبط ساعته، احتفظ بمسافة أمان تحميه من الواجهة، وفي الوقت ذاته مكّنته من توجيه المسار العام للتنظيم، ومع هذا النمط من القيادة الصامتة، بدأت الجماعة تدخل طورًا جديدًا، تُدار فيه القرارات من الظل، وتُترك نتائجه الثقيلة لتنفجر في مستويات أدنى، وهو ما يفتح الباب لفهم أعمق لمسار التسميم الذي سيظهر لاحقًا داخل بنية الإخوان.

من إدارة الظل إلى تعطيل الشورى والطاعة

لم تكن إدارة محمود عزت للتنظيم من الظل ممكنة في حد ذاتها، لولا تحوّل أعمق أصاب آليات اتخاذ القرار داخل جماعة الإخوان الإرهابية بعد عام 2013، فمع الضربات الأمنية المتلاحقة، وسقوط الواجهة القيادية، دخلت الجماعة الإرهابية مرحلة اختلال مؤسسي، لم تعد فيها الشورى إطارًا حاكمًا للقرار، بل غطاءً شكليًا يجري تجاوزه كلما تعارض مع حسابات الحلقة الضيقة المسيطرة على التنظيم.

في هذا السياق، لم تُلغَ الشورى رسميًا، لكنها فرغت من مضمونها، وهو ما فتح الباب أمام القيادة من الظل، فالجماعة شهدت، في فبراير 2014، انتخابات داخلية شارك فيها أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام، وأسفرت عن تكليف محمد كمال قائمًا بأعمال المرشد العام، غير أن هذه النتيجة لم تُترجم إلى استقرار تنظيمي، بل سرعان ما جرى الالتفاف عليها، وبدأت تظهر بيانات ومواقف مغايرة، صادرة باسم الجماعة، دون سند واضح من المؤسسة المنتخبة، وهو مفارقة عكست جوهر الأزمة: الشورى أُجريت، لكن نتائجها لم تكن مُلزِمة، وهو ما يعني عمليًا تعطيلها دون الإعلان عن ذلك.

في المقابل، استُخدمت لائحة الجماعة كأداة لإعادة ضبط المشهد، لا لتكريس تداول القرار؛ فالإشارة إلى المواد المنظمة لتولي القائم بأعمال المرشد لم تكن مدخلًا لحسم تنظيمي شفاف، بقدر ما وفّرت غطاءً إجرائيًا لما عُرف داخل الجماعة بـ«التمرير»، أي تمرير القيادة داخل الدائرة الضيقة نفسها التي تشترك في المرجعية الفكرية والتقدير السياسي، وهنا تحوّلت اللائحة من آلية تنظيمية إلى أداة شرعنة لقرارات اتُّخذت سلفًا في الظل.

بالتوازي مع ذلك، أعيد تعريف مفهوم الطاعة داخل الجماعة، فبحسب شهادات منشقين وقيادات سابقة، كان محمود عزت يُنظر إليه بوصفه صاحب الكلمة الأولى، بحيث "إن قال شيئًا لا بد من تنفيذه"، وهو وصف يشير إلى نمط من الطاعة لا يقوم على النقاش أو الاقتناع، بل على الامتثال الصامت، ومع احتكار قنوات الاتصال والمعلومة، أصبحت الطاعة أداة ضبط، تضمن تنفيذ القرار دون الحاجة إلى تبريره أو تمريره مؤسسيًا.

وتجلت نتائج هذا التحول بوضوح في الصراع الداخلي الذي انفجر بين جبهتي عزت ومحمد كمال، حيث كشفت البيانات المتبادلة، والاتهامات بنقل رسائل مشوهة للمرشد العام المحبوس محمد بديع، عن غياب مركز قرار حقيقي، وهيمنة من يملك التحكم في الرسائل والتواصل، فحين تُعزل القيادة التاريخية عن الواقع، ولا يصلها إلا ما يُنقل عبر قناة واحدة، تصبح الشورى مستحيلة، لأن المعلومة نفسها لم تعد محايدة.

ولعبت الرسائل الصادرة باسم محمود عزت، في يونيو 2015 وديسمبر 2016، دورًا كاشفًا لهذا النمط، فقد حملت دعوات صريحة للتصعيد و«النفير» و«التضحية بالأرواح»، دون أن تُسبق بإعلان مؤسسي أو قرار جماعي موثق، ما يعكس انتقال القرار من دائرة الشورى إلى منطق التفويض الضمني، حيث يُطلب من القواعد التنفيذ دون مساءلة.

وهنا لم يكن تعطيل الشورى وتحويل الطاعة إلى أداة ضبط مسألة عرضية، بل شرطًا بنيويًا لإدارة التنظيم من الظل، وفتح المجال لمحمود عزت لنسج خيوطه، كونه الحلقة التي تملك المعلومة، والشرعية اللائحية، وقدرة فرض الطاعة، وهو ما مهّد لمسار أكثر حدة.

 

محمود عزت وهندسة العنف

برز اسم محمود عزت بعد عام 2013 داخل جماعة الإخوان الإرهابية، في لحظة لم يكن فيها العنف ردَّ فعلٍ آنيًا على سقوطها من السلطة أو اندفاعًا عاطفيًا، بل حلقة أخيرة في مسار طويل أُعيد خلاله ضبط التنظيم على منطق الصدام، فمع تعطيل آليات الشورى، وإعادة تعريف الطاعة بوصفها أداة ضبط لا مجال فيها للنقاش، جرى إعداد الانتقال إلى العنف بوصفه خيارًا مُسبقًا، تُدار تفاصيله من الخلف، دون إعلان صريح أو تحمّل مباشر للمسؤولية.

وضمن هذا الإطار، تولّى عزت الإشراف على هذا التحول، وصياغة مساره العام، بينما أُوكل تنفيذه إلى مستويات أدنى داخل التنظيم، وتستند هذه المسؤولية إلى توصيف أمني مباشر.

ففي بيان وزارة الداخلية الصادر يوم 28 أغسطس 2020، عقب القبض عليه، جرى توصيف عزت بأنه «المسؤول الأول عن تأسيس الجناح المسلح بالتنظيم الإخواني الإرهابي»، والمشرف على «إدارة العمليات الإرهابية والتخريبية التي ارتكبها التنظيم بالبلاد عقب ثورة 30 يونيو 2013 وحتى ضبطه»، دلالة هذا التوصيف لا تتوقف عند لحظة بعينها، بل تربط بين العنف ومسار ممتد زمنيًا، يبدأ مباشرة بعد سقوط حكم الإخوان.

وتكشف واقعة الضبط نفسها طبيعة هذا الدور، فقد عُثر داخل الشقة التي كان يختبئ بها في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة على أجهزة حاسب آلي وهواتف محمولة تحتوي على برامج مشفّرة، تُستخدم لتأمين التواصل مع قيادات التنظيم داخل مصر وخارجها، فضلًا عن أوراق تنظيمية تتضمن مخططات تخريبية، وهو ما يعكس أن إدارة العنف لم تكن عشوائية، بل قائمة على تخطيط واتصال مؤمَّن، يتيح الإشراف عن بُعد، دون انكشاف.

وتتعمق الصورة بالعودة إلى أغسطس 2013، أي الأسابيع الأولى التي أعقبت فض اعتصام رابعة، ففي هذا التوقيت، كشفت مصادر سيادية رفيعة المستوى أن محمود عزت هرب إلى قطاع غزة بصحبة أسامة ياسين، مسؤول التنظيم الخاص والجناح العسكري داخل الإخوان، بدعم من حركة حماس.

وبحسب هذه المصادر، تولّى الاثنان الإشراف على معسكرين للتدريب المسلح في مدينة خان يونس، في منطقتي «بئر 11» و«بئر 12»، لتدريب عناصر من كتائب عز الدين القسام وشباب التنظيم الخاص الذين جرى تهريبهم عبر الأنفاق بعد عزل محمد مرسي مباشرة.

وتشير المادة إلى أن هذه المعسكرات ضمّت ما يقرب من 1500 عنصر مسلح، وأن تشكيلًا جديدًا أُطلق عليه اسم «لواء رفح» جرى تأسيسه بدعم من التنظيم الدولي للإخوان، مع رصد تمويل كبير لرفع كفاءته التدريبية والقتالية، وتزويده بأسلحة ومعدات متقدمة، من بينها أسلحة مضادة للدبابات والعربات المدرعة، كما وردت إشارات إلى دعم خارجي شمل المال والخبراء والعتاد، في إطار إعداد ميليشيات قادرة على تنفيذ عمليات هجومية ضد القوات المسلحة المصرية.

بالتوازي مع هذا المسار العملياتي، لعب الخطاب التحريضي دورًا مكملًا في شرعنة العنف، ففي يونيو 2015، ظهر محمود عزت ليؤكد رفض التفاوض مع الدولة، ويدعو صراحة إلى التصعيد، في رسالة هدفت إلى تثبيت موقعه التنظيمي بوصفه القائم بأعمال المرشد، وترسيخ خيار المواجهة، ثم جاءت رسالة ديسمبر 2016، التي حرض فيها عناصر الجماعة على «التضحية بالأرواح» و«النضال بالروح»، في ذروة الصراع الداخلي، لتؤكد أن العنف لم يعد مجرد أداة ضغط، بل خيارًا مؤطرًا بخطاب تعبوي ديني.

نهاية رجل الظل

في يوم 28 أغسطس 2020، نجحت الأجهزة الأمنية المصرية في إلقاء القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية، داخل شقة سكنية بمنطقة التجمع الخامس شرق القاهرة، منهيةً بذلك واحدة من أطول حالات الاختفاء التنظيمي وأكثرها تأثيرًا داخل الجماعة.

ولم تكن هذه اللحظة مجرد ضبط أمني لشخص هارب، بل إسقاطًا مباشرًا لعقل ظل لسنوات يدير التنظيم من الظل، ويوجّه مساراته، ويضبط إيقاع العنف دون أن يظهر في الواجهة أو يتحمل كلفته المباشرة.

وجاء القبض على عزت بعد سنوات من تراكم القضايا والأحكام القضائية التي عكست حجم الدور الذي لعبه داخل التنظيم، ففي 16 يونيو 2015، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا غيابيًا بإعدامه و92 آخرين، على خلفية اتهامهم باقتحام السجون والهروب من سجن وادي النطرون عام 2011، إلى جانب حكم غيابي آخر بالسجن المؤبد في قضية «أحداث مكتب الإرشاد».

ولم تكن هذه الأحكام معزولة عن سياقها، بل مثّلت تحميلًا قانونيًا مباشرًا لمسؤولية التحريض على العنف، وإدارة الصدام مع الدولة، وتوفير الغطاء التنظيمي لتصعيد شامل أعقب سقوط الجماعة من الحكم.

وفي 18 أغسطس 2020، أي قبل القبض عليه بعشرة أيام فقط، قضت محكمة جنايات المنيا بمعاقبته بالسجن المؤبد غيابيًا في قضية «خلية الشراينة» بالمنيا، بعد إدانته بالتحريض على العنف، وإثارة الشغب، وحيازة مطبوعات من شأنها تكدير الرأي العام، كذلك بعد القبض عليه بتسعة أشهر، وفي 8 أبريل 2021، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد حضورياً ضد محمود عزت في قضية «أحداث مكتب الإرشاد»، إلى جانب قضايا أخرى من بينها التخابر، حيث قضت محكمة جنايات أول مدينة نصر بمعاقبته بالمؤبد لاتهامه بالتخابر.

ومع تأييد المحكمة لهذا الحكم، تحولت الأحكام من كونها غيابية إلى واقع قانوني نهائي، أنهى فعليًا أي قدرة له على إدارة التنظيم أو التأثير في مساراته أو إعادة إنتاج نفوذه السابق.

وتكتمل دلالة السقوط مع الحكم الصادر في 4 مارس 2024، حين قضت الدائرة الأولى إرهاب بمحكمة جنايات أمن الدولة بمعاقبة محمود عزت وآخرين، من بينهم محمد بديع ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي وأسامة ياسين، بالإعدام شنقًا في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«أحداث المنصة».

وتنظيماً مثّل سقوط محمود عزت ضربة نوعية لجماعة الإخوان، ليس فقط بفقدان قيادي رفيع، بل بانهيار نموذج «القيادة من الظل» الذي مثّله، فغيابه كشف هشاشة البنية التي اعتمدت على إدارة مركزية غير مرئية، وأفقد الجماعة عقل التنسيق الذي كان يضبط التوازن بين الداخل والخارج، وبين الخطاب السياسي والتصعيد العنيف، ومع سقوط هذا النموذج، دخل التنظيم مرحلة ارتباك أعمق، اتسعت فيها الانقسامات، وتراجعت القدرة على توحيد القرار، أو ضبط القواعد، أو فرض مسار واحد جامع.

وفي المقابل، تعكس هذه النهاية دلالة واضحة على النجاح الأمني المصري في التعامل مع تنظيمات مغلقة تعتمد على السرية والاختفاء كوسيلة للبقاء، فلم يكن الإنجاز في سرعة القبض، بل في الصبر الاستخباراتي، وتراكم المعلومات، وتفكيك شبكات الاتصال، وملاحقة القيادة غير المرئية، وصولًا إلى لحظة إسقاطها داخل قلب المجال العمراني، لا في المنفى كما رُوّج لسنوات، وهو ما يؤكد أن الرهان على الغموض والزمن لم يعد يوفر حصانة حقيقية أمام أجهزة أمن طوّرت أدواتها وأساليبها.

وبهذا المعنى، لا يُختزل سقوط محمود عزت في كونه نهاية مسار فردي، بل يُقرأ بوصفه تفكيكًا لعقل تشغيل، وإنهاءً لمرحلة كاملة من إدارة التنظيم من الظل، أما ما تبقى من الجماعة بعد هذه الضربة، فهو تنظيم بلا مركز ثقل حقيقي، وبلا قدرة على إعادة إنتاج النموذج الذي مثّله عزت، وهو ما يجعل من لحظة 28 أغسطس 2020 نقطة فاصلة في مسار المواجهة مع جماعة الإخوان، أمنيًا وتنظيميًا وسياسيًا، لا تُقاس بلحظة القبض ذاتها، بل بما ترتب عليها من إفراغ التنظيم من قدرته على التخطيط، والتنسيق، وإدارة الصدام على المدى الطويل.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة