نعم للسلام.. لا للحرب
الأحد، 08 فبراير 2026 02:56 م
يوسف أيوب
الاتزان الاستراتيجي المصرى يعيد ضبط بوصلة المنطقة برفض الحلول العسكرية واعتماد الدبلوماسية طريق وحيد لحل الأزمات
القاهرة تحدث اختراقاً كبيراً في جدار الأزمة "الأمريكية الإيرانية" لأعادة المسار التفاوضى وتجنيب المنطقة ويلات صدام عسكرى فاتورته باهظة
من غزة وقبلها ملفات إقليمية كثيرة، أثبتت سياسة مصر الخارجية أن هدفها أمن واستقرار المنطقة. وهو ما جعلها حاضرة فى كل حديث او لقاء دولى او اقليمى مرتبط بالترتيبات الأمنية والسياسية للمنطقة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى أكثر من مناسبة وصف رئيس مصر، الرئيس عبد الفتاح السيسى، بالزعيم القوى، ومصر بالدولة القوية، وفى رسالته الأخيرة للرئيس السيسى في 17 يناير الماضى، ما يفسر قول ترامب: عزيزي الرئيس السيسي، أشكركم على قيادتكم في التوسط بنجاح للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و"حماس".. إنني أُقِرّ وأُقدّر دوركم الثابت في إدارة العديد من التحديات الأمنية والإنسانية التي واجهت هذه المنطقة، وواجهها شعبكم أيضا، منذ 7 أكتوبر 2023، لقد أثقلت هذه الحرب كاهل المصريين، وليس فقط جيرانهم في إسرائيل وغزة".
كل هذا مرجعه الاساسى "سياسة الاتزان الاستراتيجي" التي اختارتها مصر منهجاً لها في سياستها الخارجية منذ 2014 وحتى اليوم، وهذا المصطلح ظهر للمرة الأولى على لسان الرئيس السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية 6 إبريل 2024، بقوله "الاستمرار في سياسات الاتزان الاستراتيجي التي تنتهجها الدولة المصرية تجاه القضايا الدولية والإقليمية، والتي تحددها محددات وطنية واضحة في مقدمتها مراعاة أبعاد الأمن القومي المصري والسعي لإقرار السلام الشامل القائم على العدل، ودعم مؤسسات الدول الوطنية واحترام إرادة الشعوب".
لكن ما قبل الإعلان عن المصطلح، كانت الدولة المصرية لعشر سنوات تسير على المبدأ دون أن تعلنه رسمياً، فعلى مدار اكثر من 10 سنوات، تمارس الدولة المصرية سياسة خارجية متزنة، تقوم على الانفتاح على جميع الأطراف الدولية والإقليمية، إنطلاقا من الندية السياسية، وتحقيق مصالح مشتركة، وليس الانقياد أو التبعية، وهو ما عرف بمبدأ الاتزان الاستراتيجي، الذى انعكس في عدد من التوجهات والأولويات، تنطلق جميعها من بوصلة المصلحة الوطنية المصرية، والتزمت بها سياسة مصر الخارجية، التي تقدم نموذجاً للمرونة الاستراتيجية والقدرة العالية على التكيف في مواجهة حالة عدم استقرار غير مسبوقة على المستوى الإقليمي، تحولت بموجبها جميع الاتجاهات الاستراتيجية لأمن مصر القومي إلى مناطق أزمات مشتعلة في نفس التوقيت، وتزامنت هذه التحولات الإقليمية الخطيرة، مع حالة سيولة كبيرة زلزلت أركان النظام الدولي متعدد الأطراف، وطرحت التساؤلات حول فعالية مؤسساته، وفي القلب منها منظومة الأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بمنع وتسوية الصراعات الدولية المتفاقمة، أو في مواجهة التحديات الجديدة، من التغيرات البيئية إلى تنامي ظاهرة الإرهاب والتفكك المتزايد لمؤسسة الدولة الوطنية –الوحدة التأسيسية الأصلية للنظام الدولي– لصالح ميليشيات وتنظيمات إرهابية تتعيش من إزكاء النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية خصماً من الانتماء الوطني الجامع.
واليوم، تمارس مصر سياسة الاتزان الاستراتيجي في قضية من أخطر القضايا التي تواجه المنطقة، والمرتبطة بإيران، التي تواجه اليوم تحديات وتهديدات أمريكية بشن ضربات عسكرية، ردت عليها طهران بتهديدات متبادلة بإنها جاهزة للرد، وتحويل المنطقة إلى ساحة واسعة للحرب.
الأحد الماضى، خلال استقباله الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، شدد الرئيس السيسى ومعه العاهل الأردني، على أهمية خفض التصعيد والتوتر الإقليمي، وتعزيز العمل المشترك للحفاظ على الاستقرار في المنطقة، وضرورة تسوية الأزمات عبر الوسائل السلمية، واحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وصون مقدرات شعوبها.
وقبلها بيوم، السبت، تلقّى الرئيس السيسي، اتصالًا هاتفيًا من مسعود بزشكيان، رئيس إيران، تناول تطوّرات الملف النووي الإيراني، وأعرب الرئيس السيسى، عن بالغ قلق مصر إزاء تصاعد التوتر في المنطقة، مؤكّدًا ضرورة تجنّب التصعيد ورفض الحلول العسكرية، ومشدّدًا على أن الحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد والأمثل لتسوية الأزمة، بما يضمن تجنيب منطقة الشرق الأوسط المزيد من التوتر وعدم الاستقرار، كما أكد الرئيس السيسى استمرار مصر في بذل جهودها الحثيثة الرامية إلى عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، وصولًا إلى تسوية سلمية وشاملة للملف النووي الإيراني، بما يعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي أكّد الرئيس أهميته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائهما الثنائي على هامش منتدى دافوس مؤخرًا. كما أعرب الرئيس السيسى عن تطلّع مصر إلى إعلاء الأطراف المعنية لقيمة الحوار، من أجل تجاوز الخلافات والتوصّل إلى تسوية شاملة، مشدّدًا على دعم مصر كافة الجهود المبذولة في هذا الإطار.
ومن القاهرة انطلقت عجلة التحركات الدبلوماسية المصرية، بالتنسيق مع الأشقاء في قطر، والأصدقاء في تركيا، في محاولة لأعادة المسار التفاوضى مرة أخرى بين واشنطن وطهران وتجنيب المنطقة حرباً لا يعلم أحد مداها المستقبلي.
وقبل اشهر استطاعت مصر أن تقطع الطريق امام استفحال الخلاف بين ايران والوكالة الدولية للطاقة الذرية باتفاق، واجه صعوبات لكنه اكد للجميع أن الدبلوماسية لاتزال حاضرة، وان التفاوض ممكن متى توفرت الظروف وتهيأت الاجواء، ومن هنا اعادت القاهرة دورها في الملف الإيراني، لإنقاذ الشرق الأوسط من صدام عسكرى خطير.
كل هذه التحركات التي تقوم بها القاهرة، والدبلوماسية المصرية، تحت قيادة وتوجيه الرئيس السيسى، هدفها واضح، وهو ضمان أمن واستقرار المنطقة، التي تشهد اليوم حالة من الغليان في كل أطرافها وجنباتها، في السودان واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين والبحر الأحمر وإيران، والعراق، وكلها بؤر توتر تهدد بتفجير المنطقة اذا لم يتم تهدئة الأوضاع سريعاً، وهنا يأتى التحرك المصرى، أخذا في الاعتبار عدة أمور أبرزها، وضوح الرؤية والموقف المصرى منذ البداية، وعدم تورط القاهرة في أي من الصراعات او الأزمات الموجودة، بل أن القاهرة لعبت ولا تزال تلعب دوراً لتهدئة كل هذه الأزمات، كما أن مصر تحتفظ بعلاقات قوية مع كافة الأطراف، وهو ما يمكنها من لعب ليس دور الوسيط، وإنما طرح الرؤئ والأفكار التي تسعى من خلالها إلى التهدئة، ونزع فتيل التوتر.
والحقيقة أن هذا الدور الذى تقوم به مصر، لم يكن ليتحقق لولا المحددات الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية وأولوياتها التي تم وضعها منذ 2014، في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، والتي أكدت إتباع مصر سياسة خارجية متوازنة تقوم على صون المصالح الوطنية، ورفض الاستقطاب، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والتفاعل النشط مع مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين على أسس من الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وهو ما عرف بعقيدة "الاتزان الاستراتيجي" التى اتاحت المحافظة على ثوابت السياسة الخارجية المصرية التقليدية، وفي القلب منها العمل على تحقيق أهداف السلام والاستقرار الإقليمي والتنمية. وانعكس ذلك على سبيل المثال في استمرار الدور المصرى الفاعل والقوى في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة في أعقاب العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، وإعداد تصور أصبح اليوم موضع توافق إقليمي ودولي لإعادة إعمار غزة، وإنهاء العدوان عليها، وإعادة الزخم لمبدأ حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وإقامة دولته على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أظهرت السياسة الخارجية المصرية أيضاً تمسكاً بثوابتها التاريخية في الدعوة لنظام دولي متعدد الأطراف قائم على احترام قواعد القانون الدولي، مع إبداء المرونة في التعامل مع التحديات الجديدة، سواء من خلال لعب دور قيادي في بلورة موقف دولي من ظاهرة الإرهاب وتبني مقاربة شاملة لمكافحته تتجاوز التصورات الأمنية التقليدية لتتعامل معه كتحد شامل يهدد الحضارة الإنسانية ويجب معالجته وتجفيف جذوره المالية والأيدولوجية بنفس الحسم الذي تتم به المواجهة الأمنية والعسكرية معه، أو من خلال مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية الجديدة للنظام الدولي، وطرح تصورات متماسكة، بالتنسيق مع الدول متشابهة التفكير- لبناء بيئة دولية أكثر تمكينا لجهود التنمية وتحقيقاً للعدالة الاقتصادية والمناخية والاجتماعية على مستوى النظام الدولي ككل، وبشكل يربط بوضوح تام بين قضايا التنمية الاقتصادية والعدالة البيئية والاستقرار السياسي.
ومن واقع قراءة واقعية لحقيقة التحركات المصرية في القضايا الأقليمية والدولية، يمكن رصد عدد من الأهداف التي تسعى الدولة المصرية لتحقيقها، وجعلتها مقبولة من كل الأطراف، واهمها:
- اتباع سياسة خارجية مستقلة ترفض الانخراط في أي شكل من الاستقطاب الدولي، وتمتلك من المرونة الاستراتيجية ما يتيح لها القدرة على التعاون مع كل الأطراف الإقليمية والدولية، انطلاقا من اعتبارات المصلحة الوطنية.
- الانفتاح على التعاون وتوسيع مساحات المصلحة المشتركة والارتقاء بها لاحقا لمستوى الشراكة الاستراتيجية، لا يستثني طرفاً دولياً، ولا ينحاز لطرف ضد طرف، ولا يطور شراكات جديدة خصماً من العلاقة مع شركاء مصر التاريخيين، وهو ما يمكن اختصاره في جملة واضحة وهى "رفض الانخراط في مختلف مظاهر الاستقطاب الدولي، وعدم الدخول في أحلاف مع أحد الأطراف ضد أخرى".
- احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية في النظام الإقليمي والدولي، ويرتبط بذلك احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل في شئونها، والتأكيد على أن إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدي إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فُرص الاضطراب والفوضى، وزيادة دور الكيانات المنظمة من غير الدولة كالتنظيمات والميليشيات العسكرية، ويرتبط بذلك، الالتزام بمكافحة الإرهاب في كل صوره وأشكاله، كونه يمثل تهديداً للدولة الوطنية ومؤسساتها وأمنها، ومصدراً لإثارة مشاعر الخوف وانعدام الأمن في المُجتمع، وزعزعة العلاقات الودية بين الدول، مع دعوة الجميع إلى تبني مقاربة شاملة لمواجهة الإرهاب في كافة صوره ومظاهره وأشكاله، وتقويض قدراته وتجفيف منابع تمويله.
- التمسك بمبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ودعوة أطراف النزاعات الداخلية إلى الحوار والوصول إلى حلول يتم التوافق عليها بينهم.
- الالتزام بالحفاظ على النظام الدولي متعدد الأطراف، وفى قلبه الأمم المتحدة وأجهزتها، باعتباره الركيزة الأساسية للحفاظ على مكتسبات السلام والاستقرار والتنمية.
هذه الأهداف، حتى التي حجزت لمصر مكانتها التي تليق بها، خاصة بعد حالة اللاهدف التي كانت عليه الدولة قبل 2013، بعد الاضطراب السياسي والأمني الذى شهدته المنطقة وفى القلب منها مصر بعد أحداث 2011، حيث رتبت هذه الحالة غير المسبوقة من عدم الاستقرار أولويات السياسة الخارجية المصرية تجاه محيطها العربي، تحديداً بعد أن استعادت السياسة الخارجية زمام المبادرة وحركتها النشطة في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، ووضعها لنفسها مجموعة من الاهدف، استطاعت أن تحققها واحدة تلو الاخر، رغم الكثير من العقبات والتحديات التي واجهتها الدولة المصرية، لكنها بتصميم وإرادة واضحة وقوية، وصلت إلى أهدافها، خاصة في محيطها العربى، الذى كان في البداية محمور التحرك المصرى منذ 2014، وقوامها الرئيسى الحفاظ على سيادة ووحدة أراضى الدول العربية وسلامتها الإقليمية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونها، التمسك بدعم وتطوير مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض الفراغ السياسي والأمني، وأي محاولة لملئه من قبل تنظيمات أو ميليشيات طائفية أو عرقية أو مذهبية، واخيراً دعم الطموحات المشروعة لشعوب الدول العربية التي تمر بأزمات، من خلال التمسك بأن يتم ذلك عبر تحديث وتطوير مؤسسات الدولة الوطنية وليس على أنقاضها، وعلى أساس مفهوم المواطنة لا الولاءات الأولية، طائفية كانت أو عرقية أو مذهبية.
ومن الدول العربية أنطلقت القاهرة بقيادة حكيمة من الرئيس السيسى، إلى المنطقة، من خلال إعادة ترتيب علاقات مصر مع دول المنطقة، والبناء عليها لتحقيق الأمن والاستقرار، وهو ما نراه يتحقق اليوم في الأزمة الإيرانية، التي تشهد تحركاً أقليميا تقوده القاهرة، بالتعاون مع الدوحة وأنقرة، في سبيل تحقيق الهدف الأسمى، وهو تجنيب الشرق الأوسط ويلات صدام عسكرى، ستكون فاتورته عالية جداً على كل دول المنطقة إن حدث.