كيف منعت مصر نكبة فلسطين الثانية؟
الأحد، 08 فبراير 2026 02:58 م
محمود علي
القاهرة أُحبطت مخططات التهجير وصنعت الاستقرار للمنطقة.. الموقف المبكر والحاسم أوقف أحلام إسرائيل التوسعية
إشادة دولية بدور مصر الإنساني لتخفيف المعاناة عن سكان قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي الدامي
إشادة دولية بدور مصر الإنساني لتخفيف المعاناة عن سكان قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي الدامي
يعد فتح معبر رفح في الاتجاهين المصري والفلسطيني، واستئناف حركة الأفراد بين قطاع غزة ومصر، أحد أبرز المؤشرات العملية على نجاح اتفاق وقف إطلاق النار بشأن غزة، الموقع في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، غير أن هذا التطور يتجاوز كونه إجراء تنفيذيا أو تقدما في المسار التفاوضي، ليعكس في جوهره نجاح الدور المصري في إدارة ملف غزة باقتدار، بوصفه الضامن الأساسي لأي تهدئة مستدامة، والفاعل الأهم في منع انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات أكثر خطورة، وفي مقدمتها مخططات التهجير القسري للفلسطينيين.
ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، عقب استعادة إسرائيل آخر جثمان لمحتجز لها في القطاع، تتصاعد تساؤلات جوهرية، يتصدرها سؤالان رئيسيان، كيف نجحت القاهرة في إقناع المجتمع الدولي بموقفها الثابت والتاريخي تجاه ما يجري في غزة؟ وما الأدوات والآليات التي استخدمتها للتصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير سكان القطاع وإفراغه من أهله؟
موقف مصري مبكر وحاسم منذ اندلاع الحرب
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2023، لم تقف مصر مكتوفة الأيدي، بل تبنت موقفا حازما وثابتا يقوم على الرفض الكامل لأي محاولات لتهجير سكان القطاع، سواء إلى سيناء أو إلى أي دول أخرى، باعتبار ذلك تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، وجزءاً من مخطط أوسع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وقد أدركت القاهرة مبكراً أن بعض الطروحات الإسرائيلية والأمريكية لم تكن تهدف فقط إلى معالجة الأوضاع الإنسانية، وإنما إلى تفريغ غزة من سكانها وتحويلها إلى منطقة نفوذ تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بما يضمن لتل أبيب تحييد أي تهديدات أمنية مستقبلية.
ومع تطور الحرب، انتقلت هذه الطروحات إلى أفكار أكثر خطورة، من بينها محاولات الترويج أمريكيا لتحويل قطاع غزة إلى ما أُطلق عليه "ريفييرا الشرق الأوسط"، عبر إقامة منتجعات سياحية وأبراج سكنية فاخرة، في تجاهل صارخ لحقوق الشعب الفلسطيني، وسعي واضح لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يخدم المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد، إلا أن القاهرة تصدت لهذه التصورات منذ بدايتها، مؤكدة أن أي حل لا يقوم على بقاء الفلسطينيين على أرضهم هو حل مرفوض وغير قابل للنقاش.
الرفض المصري يتحول إلى موقف دولي
هذا الموقف لم يبق في إطار التصريحات السياسية، بل ترجم إلى تحركات دبلوماسية نشطة وضغوط سياسية مكثفة، مدعومة بإجماع شعبي مصري واسع، ما أسهم في إفشال محاولات فرض التهجير كأمر واقع، ومع مرور الوقت، تبلور التزام دولي واضح، وإن لم يعلن دائما بشكل رسمي، بعدم الدفع بالفلسطينيين خارج قطاع غزة، وفي هذا السياق، شددت القاهرة على أن التهجير القسري يمثل "خطا أحمر"، لما يحمله من تداعيات كارثية تتمثل في تصفية القضية الفلسطينية ووقوع نكبة ثانية.
مؤتمر القاهرة للسلام: تدويل الأزمة ومنع الحلول القسرية
خلال الأيام الأولى للعدوان، بذلت مصر قصارى جهدها لوقفه، إدراكاً منها لخطورة استمرار الحرب على استقرار المنطقة بأسرها، وفي هذا الإطار، دعت القاهرة إلى عقد "مؤتمر القاهرة للسلام" في أكتوبر 2023، في خطوة عكست إدراكها المبكر لضرورة تدويل المسار السياسي للأزمة، ومنع فرض حلول قسرية على حساب الحقوق الفلسطينية.
وخلال المؤتمر، حدد الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح الملامح الرئيسية للموقف المصري، وفي مقدمتها الرفض التام لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر أو الأردن، وهو المقترح الذي كان مطروحا داخل دوائر أمريكية منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
قمة شرم الشيخ… اعتراف دولي بثقل القاهرة
وتعزز هذا الدور بعقد "قمة شرم الشيخ للسلام"، التي لعبت دورا محوريا في تهيئة الأجواء السياسية لاتفاق وقف إطلاق النار، ولم يكن اختيار شرم الشيخ مقراً للقمة أمراً عابراً، بل جاء تأكيداً على الثقل الإقليمي الذي تتمتع به مصر، وقدرتها على جمع الأطراف الدولية والإقليمية حول طاولة واحدة، ويعكس انعقاد القمة في هذا المكان اعترافا دوليا بأن القاهرة تعد إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المنطقة، وأنها الطرف الأكثر قدرة على إدارة الملفات المعقدة واحتواء الأزمات.
ويستند هذا الاعتراف إلى سجل مصري حافل في معالجة الأزمات الإقليمية، حيث نجحت القاهرة في وضع حدود للخلافات داخل ملفات شديدة التعقيد، من بينها الملف الليبي، إضافة إلى أدوارها المتعددة في أزمات إقليمية أخرى، ومن ثم، فإن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ شكل رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي بات مقتنعا بالموقف المصري الرافض للتهجير، ويدرك ما يحمله هذا المخطط من ظلم واقع على الشعب الفلسطيني، ومن تهديد مباشر لاستقرار المنطقة.
مصر وسيط لا غنى عنه في غزة
على مستوى الوساطة المباشرة، رسخت مصر مكانتها كوسيط رئيسي لا غنى عنه في ملف غزة، حيث ساهمت، إلى جانب قطر والإدارات الأمريكية المتعاقبة، في التوصل إلى اتفاقات تهدئة، كان أبرزها هدنة نوفمبر 2023 التي استمرت أسبوعاً، ورغم الجهود المصرية المكثفة لتمديد هذه الهدنة، فإن الرفض الإسرائيلي حال دون ذلك، ومع ذلك، واصلت القاهرة مساعيها دون انقطاع، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحل السياسي هو الخيار الوحيد القادر على منع انفجار إقليمي واسع.
وفي بداية 2024، طرحت مصر خطة متكاملة من ثلاث مراحل، شملت صفقة لتبادل الأسرى، ووقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وعودة النازحين، ثم البدء في إعادة الإعمار، وقد اكتسبت هذه الخطة أهمية خاصة بعدما تبنتها الإدارة الأمريكية في مايو 2024، وتبلورت لاحقاً في اتفاق يناير 2025، الذي أسفر عن هدنة استمرت حتى مارس من العام ذاته، ما أكد أن الرؤية المصرية أصبحت مرجعية أساسية لأي تسوية محتملة.
اختلاف مع واشنطن.. وثبات مصري
وبرغم وجود اختلافات واضحة بين الموقفين المصري والأمريكي، خاصة عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي دعا فيها مصر والأردن إلى قبول خطط التهجير، فإن القاهرة تمسكت بثوابتها، ورفضت أي مقاربة تمس سيادتها أو تمهد لتصفية القضية الفلسطينية، ومع مرور الوقت، أدركت واشنطن والدول الكبرى أن تجاهل الموقف المصري غير ممكن، نظراً لأهميته في حفظ الاستقرار الإقليمي، وهو ما دفعها إلى التعاطي مع القاهرة من منطلق الحاجة إلى دورها المحوري، وليس من باب المجاملة السياسية.
ولا يمكن فصل الموقف المصري الحالي عن ثوابته التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، التي لا تعد موقفا ظرفيا مرتبطا بالحرب الأخيرة، بل ركيزة مركزية من ركائز السياسة الخارجية المصرية، ويقوم هذا الموقف على أن الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية هو الشرط الضروري لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وخلال السنوات الماضية، شددت القاهرة على استحالة تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها، مؤكدة أنه لا مجال للحديث عن استقرار حقيقي في الشرق الأوسط دون حل نهائي وعادل لها.
البعد الإنساني… أرقام تؤكد الدور
وفي المجال الإنساني، اضطلعت مصر بدور محوري منذ بداية الأزمة، من خلال تنسيق حملات المساعدات والعمل على إدخال أكبر قدر ممكن من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، شملت مساعدات غذائية وطبية وإغاثية، كما أكدت تقارير وبرقيات رسمية صادرة عن برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من 70% من المساعدات التي دخلت القطاع مرت عبر مصر.
أولويات الحاضر ورؤية المستقبل
يرتكز الجهد المصري حالياً على ثلاث أولويات مباشرة: تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ مراحله المختلفة، الاستمرار في الضغط لإنفاذ المساعدات الإنسانية وتحميل إسرائيل مسؤولياتها كقوة احتلال، وحشد التمويل الدولي اللازم لتنفيذ خطة إعادة إعمار غزة التي حظيت بدعم عربي وإسلامي ودولي واسع.
أما على المدى الاستراتيجي، فتظل ثوابت الموقف المصري قائمة: القضية الفلسطينية هي جذر الصراع في الشرق الأوسط، وحلها عبر صيغة الدولتين هو الطريق الوحيد لاستعادة الاستقرار في المنطقة.
في المحصلة، يؤكد الدور المصري في أزمة غزة أن القاهرة نجحت في الجمع بين حماية أمنها القومي، ومنع تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على جوهر القضية الفلسطينية. كما أثبتت أن أي سلام مستدام أو اتفاق فعّال لوقف الحرب لا يمكن أن يتحقق بعيداً عن مصر، التي تظل الضامن الأهم لمنع وقوع نكبة جديدة، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مسار مفتوح من الفوضى والصراع الممتد.