عام الظل والحسم.. كيف أحكم محمود عزت قبضته على الإخوان وأدار صراع 2010 من خلف الستار؟
الأربعاء، 18 فبراير 2026 09:30 ص
طلال رسلان
في خريف عام 2010، كانت مصر تقف على حافة مرحلة مفصلية، تتصاعد فيها حدة الاحتقان السياسي وتتزايد فيها مؤشرات الانسداد العام. في تلك اللحظة الحرجة، لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية تمر فقط بمرحلة اختبار خارجي مع النظام القائم، بل كانت تعيش صراعًا داخليًا عميقًا حول هويتها ومسارها السياسي. وفي قلب هذا المشهد برز اسم محمود عزت بوصفه الرجل الذي أعاد تشكيل معادلة القوة داخل التنظيم.
لم يكن عزت من القيادات التي تميل إلى الأضواء أو الخطابات الجماهيرية، بل عُرف بإدارته الصامتة وحضوره المؤثر خلف الكواليس. ومع تصاعد الخلافات بين تيار يدعو إلى مزيد من الانفتاح السياسي والمشاركة الواسعة، وآخر محافظ يميل إلى الانغلاق التنظيمي وتشديد المركزية، استطاع عزت أن يميل بالكفة لصالح الرؤية الأكثر تشددًا وانضباطًا.
شهد عام 2010 تراجع نفوذ ما عُرف بتيار الإصلاحيين داخل الجماعة، في مقابل صعود التيار المحافظ الذي ركز على إعادة ضبط الإيقاع التنظيمي وتشديد مفهوم الالتزام الداخلي. وبمرور الوقت، تحولت الجماعة من مساحة سياسية تتفاعل مع المجال العام إلى كيان أكثر انغلاقًا، يعيد ترتيب صفوفه ويعيد تعريف أولوياته بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.
هذا التحول لم يكن مجرد خيار تنظيمي، بل عكس رؤية استراتيجية ترى أن اللحظة السياسية تتطلب تحصين البنية الداخلية أولًا، قبل أي انخراط واسع في المشهد العام. وفي هذا السياق، أعاد عزت توزيع الأدوار، ورفع من مكانة الكوادر الأكثر التزامًا بالخط التنظيمي الصارم، ما أدى إلى إعادة هيكلة غير معلنة في مراكز النفوذ داخل الجماعة.
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2010، دخلت الجماعة السباق وسط أجواء مشحونة. لكن بعد الجولة الأولى، أعلنت انسحابها احتجاجًا على ما وصفته بوجود مخالفات. هذا القرار، الذي بدا في ظاهره موقفًا سياسيًا تقليديًا، حمل في طياته دلالات أعمق تتعلق بإعادة تقييم جدوى الانخراط في العملية السياسية بالشكل القائم آنذاك.
كان واضحًا أن القيادة الجديدة داخل الجماعة تتعامل مع المشهد بمنطق مختلف، يقوم على قراءة موازين القوى بعين حذرة، وعدم الاندفاع في مسارات ترى أنها قد تستنزف التنظيم دون تحقيق مكاسب حقيقية.
في الوقت ذاته، كانت الشوارع المصرية تشهد موجات غضب متصاعدة، أبرزها الاحتجاجات التي أعقبت مقتل خالد سعيد، والتي اعتبرها كثيرون مقدمة لتحولات كبرى. لكن داخل الجماعة، لم يكن التفاعل مع هذه الأحداث يتم بعاطفة اللحظة، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بتوقيت التحرك وحجم المشاركة.
القيادة التنظيمية كانت تراقب المشهد وتزن خياراتها، مدركة أن أي خطوة غير محسوبة قد تجر تداعيات واسعة. وهنا برزت مقاربة تقوم على الاستعداد لسيناريوهات متعددة، دون الانخراط الكامل في معارك لم تتضح معالمها بعد.
عام 2010 مثّل نقطة تحول في بنية الجماعة الداخلية. فقد شهد إعادة ترتيب للأولويات، وتكثيفًا للتركيز على الانضباط التنظيمي، وتحجيمًا للأصوات التي رأت ضرورة الانفتاح الواسع على القوى السياسية الأخرى.
هذه المرحلة أسست لما يمكن وصفه بإعادة هندسة العلاقة بين الجماعة والمجال العام، حيث غلبت الحسابات التنظيمية الصارمة على الرهانات السياسية المباشرة. وبمرور الوقت، بدا أن التنظيم يتجه نحو نموذج أكثر مركزية، تتركز فيه القرارات الكبرى في دوائر ضيقة.
عند النظر إلى عام 2010 من زاوية اليوم، يمكن اعتباره عامًا مفصليًا في مسار الجماعة، ليس فقط بسبب التوتر مع النظام آنذاك، بل بسبب التحولات الداخلية التي أعادت تشكيل بنيتها القيادية واستراتيجيتها السياسية.
لقد كان عامًا شهد إعادة تعريف لمفهوم المشاركة، وإعادة تموضع داخل المشهد العام، وتحولًا من العمل السياسي العلني إلى التركيز على صلابة التنظيم الداخلي. وفي قلب هذه التحولات، لعب محمود عزت دورًا محوريًا في صياغة هذا المسار.
إن فهم تلك المرحلة لا يكتمل دون إدراك أن الصراع لم يكن فقط بين سلطة ومعارضة، بل كان أيضًا صراع رؤى داخل التنظيم نفسه حول المستقبل والوسائل والغايات. وفي هذا السياق، شكّل عام 2010 محطة مفصلية مهدت لتحولات لاحقة ستغير المشهد السياسي بأكمله.