"الضبعة النووية" تغير خريطة الطاقة في مصر
السبت، 18 يوليو 2026 11:50 م
مشروع القرن ينتج 35 مليار كيلووات/ساعة من الكهرباء ويغطي نسبة كبيرة من الاحتياجات المستقبلية من الطاقة الكهربائية
تشغيل المحطة بكامل طاقتها سيوفر للدولة 3 مليارات دولار سنويًا لإنتاج 4800 ميجاوات وتضاهي أكبر المحطات العالمية
تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت.. وتوفير 54 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.. وتنشيط الحركة الاقتصادية بمطروح
ظل امتلاك مصر لمحطة نووية لإنتاج الكهرباء حلمًا يراود الدولة منذ خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا منذ إطلاق البرنامج النووي المصري عام 1955، إلا أن تحديات سياسية واقتصادية متلاحقة حالت دون تحقيقه لعقود طويلة، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية في 2014 عاد المشروع إلى واجهة الأولويات الاستراتيجية للدولة، ليتحول من مجرد فكرة مؤجلة إلى واحد من أكبر المشروعات القومية الجاري تنفيذها في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ففي نوفمبر 2015، وقعت مصر وروسيا الاتفاق الحكومي لإنشاء محطة الضبعة النووية، ثم دخلت العقود التنفيذية حيز النفاذ في ديسمبر 2017، لتنطلق أعمال الإنشاء بوتيرة متسارعة حتى أصبحت المحطة اليوم أحد أبرز رموز الجمهورية الجديدة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج الكهرباء، بل تمتد لتشمل نقل التكنولوجيا النووية، وتوطين الصناعات المتقدمة، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم الاقتصاد الوطني، بما يجعل الضبعة استثمارًا استراتيجيًا يمتد أثره لعشرات السنين المقبلة.
وتمثل محطة الضبعة النووية نقلة نوعية في قطاع الكهرباء المصري، إذ تضم أربعة مفاعلات نووية من طراز VVER-1200 الروسي، تبلغ قدرة كل مفاعل 1200 ميجاوات، بإجمالي قدرة إنتاجية تصل إلى 4800 ميجاوات، ومن المنتظر أن تنتج نحو 35 مليار كيلووات/ساعة من الكهرباء سنويًا، وهو ما يعادل نسبة كبيرة من احتياجات مصر المستقبلية من الطاقة الكهربائية.
وتتميز الطاقة النووية بقدرتها على العمل بصورة مستمرة على مدار 24 ساعة يوميًا، دون التأثر بالعوامل المناخية مثل الرياح أو سطوع الشمس، وهو ما يجعلها مصدرًا أساسيًا لضمان استقرار الشبكة القومية للكهرباء، كما تمثل المحطة ركيزة مهمة في خطة الدولة لتنويع مزيج الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، بما يعزز قدرة مصر على مواجهة الزيادة المستمرة في الطلب على الكهرباء الناتجة عن التوسع العمراني والصناعي، وإنشاء المدن الجديدة والمشروعات القومية العملاقة.
ولا تقتصر المكاسب التي تحققها محطة الضبعة على إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى تحقيق عائد اقتصادي مباشر ينعكس على الاقتصاد القومي، وتشير التقديرات إلى أن تشغيل المحطة بكامل طاقتها سيوفر للدولة ما بين 2 و3 مليارات دولار سنويًا نتيجة تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت في تشغيل محطات الكهرباء التقليدية، كما ستوفر المحطة نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي كل عام، وهي كميات ضخمة يمكن إعادة توجيهها إلى التصدير لتوفير النقد الأجنبي، أو استخدامها في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ويعني ذلك أن الغاز الطبيعي لن يُستهلك كوقود منخفض القيمة الاقتصادية، وإنما سيصبح مادة خامًا تدخل في صناعات تحقق عائدًا أكبر للدولة، بما ينعكس إيجابًا على الميزان التجاري، ويزيد من قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
مشروع أخضر يدعم التزامات مصر المناخية
في وقت تتجه فيه دول العالم إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والبحث عن بدائل نظيفة، تبرز محطة الضبعة باعتبارها أحد أهم مشروعات الطاقة النظيفة في المنطقة، فالمفاعلات النووية لا تعتمد على عمليات الاحتراق، وإنما على الانشطار النووي، وهو ما يعني عدم انبعاث غازات الاحتباس الحراري أثناء تشغيلها، وتشير الدراسات إلى أن المحطة ستمنع انبعاث نحو 14.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل إزالة ملايين السيارات من الطرق أو زراعة مئات الملايين من الأشجار، ويسهم ذلك في تحسين جودة الهواء، وخفض معدلات التلوث، ودعم التزامات مصر باتفاق باريس للمناخ، فضلًا عن تعزيز جهود الدولة لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030 المتعلقة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، وهو ما يجعل المشروع ليس فقط استثمارًا اقتصاديًا، وإنما أيضًا استثمارًا بيئيًا يحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
مفاعلات الجيل الثالث المطور
اعتمدت مصر على أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا النووية عند اختيار مفاعلات محطة الضبعة، حيث تعمل المحطة بمفاعلات VVER-1200 الروسية من الجيل الثالث المطور، وهي من أكثر المفاعلات تطورًا على مستوى العالم، وتعمل بالفعل في عدد من الدول، وتتميز هذه المفاعلات بامتلاكها أنظمة أمان سلبية وإيجابية تعمل بصورة تلقائية دون تدخل بشري، فضلًا عن وجود حواجز هندسية متعددة تمنع أي تسرب إشعاعي حتى في أسوأ السيناريوهات، كما تستطيع تحمل الزلازل والكوارث الطبيعية، ومقاومة اصطدام طائرة يصل وزنها إلى نحو 400 طن، فضلًا عن احتوائها على مصيدة قلب المفاعل التي تمنع أي آثار محتملة في حالات الطوارئ النادرة. وتبلغ مدة التشغيل التصميمية للمفاعل 80 عامًا، مع كفاءة مرتفعة في استهلاك الوقود النووي وتقليل حجم النفايات المشعة، وهو ما يجعلها من أكثر المفاعلات أمانًا وكفاءة على مستوى العالم.
نقل التكنولوجيا يبدأ من الضبعة
لا يقتصر مشروع محطة الضبعة النووية على إنتاج الكهرباء، بل يمثل أحد أكبر مشروعات نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة في تاريخ مصر الحديث، فمنذ توقيع الاتفاق مع الجانب الروسي، وضعت الدولة هدفًا واضحًا يتمثل في زيادة نسبة المكون المحلي تدريجيًا، بما يضمن مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ المشروع واكتساب الخبرات اللازمة لإدارة المشروعات النووية مستقبلاً، ووفقًا للاتفاق المبرم، تصل نسبة المكون المحلي إلى ما بين 20 و25% مع تشغيل المفاعلين الأول والثاني، قبل أن ترتفع إلى 35% في المفاعلين الثالث والرابع، كما تستهدف الخطة أن تبلغ نسبة الإنشاءات المحلية 35%، ونحو 25% من مكونات ومعدات المحطة ستكون من إنتاج محلي، إضافة إلى مساهمة مصرية في التصميمات وتوريد المواد الخام.
ويعد ذلك خطوة غير مسبوقة نحو بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة في مجال الصناعات النووية، وتقليل الاعتماد على الخارج في المشروعات المستقبلية.
وتحول مشروع الضبعة إلى ورشة عمل ضخمة تضم آلاف المهندسين والفنيين والعمال، حيث يشارك في تنفيذه أكثر من 600 شركة تعمل في مجالات الإنشاءات والهندسة والتوريدات والصناعات الثقيلة والخدمات اللوجستية، وتشكل الشركات المصرية نحو 25% من إجمالي الشركات المشاركة، بينما تبلغ نسبة العمالة المصرية داخل المشروع نحو 80%، في انعكاس واضح لسياسة الدولة الرامية إلى تعظيم الاستفادة من المشروع في بناء الكوادر الوطنية، ولا تقتصر الاستفادة على تنفيذ الأعمال الإنشائية فقط، بل تمتد إلى برامج التدريب ونقل الخبرات الفنية والإدارية في مجال التكنولوجيا النووية، بما يؤهل جيلًا جديدًا من المهندسين المصريين للعمل في هذا القطاع المتقدم، ويضع الأساس لإنشاء صناعة نووية مصرية متكاملة خلال السنوات المقبلة.
كما يمثل مشروع محطة الضبعة أحد أكبر المشروعات القومية المولدة لفرص العمل، إذ يوفر ما يقرب من 54 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مختلف التخصصات، وتضم هذه الفرص نحو 3 آلاف وظيفة مباشرة داخل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، إضافة إلى آلاف الوظائف لدى الشركات المنفذة، فضلًا عن عشرات الآلاف من فرص العمل غير المباشرة في قطاعات النقل والتشييد والصناعات المغذية والخدمات.
كما ساهم المشروع في تنشيط الحركة الاقتصادية بمحافظة مطروح، من خلال تنفيذ مشروعات للبنية الأساسية وشبكات الطرق والإسكان والخدمات، الأمر الذي جعل الضبعة مركزًا جديدًا للتنمية الاقتصادية والاستثمارية، وإلى جانب ذلك، يدعم المشروع الجامعات والمعاهد الفنية من خلال تطوير برامج التعليم والتدريب في مجالات الهندسة النووية والفيزياء والميكانيكا والكهرباء، بما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على إدارة وتشغيل المحطات النووية لعقود طويلة.
وتيرة تنفيذ متسارعة.. خطوات ثابتة نحو التشغيل في 2028
يشهد مشروع الضبعة تقدمًا متواصلًا وفق الجدول الزمني المعتمد، حيث نجحت الفرق الفنية خلال الأشهر الماضية في تحقيق عدد من الإنجازات المهمة، كان أبرزها وصول وتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية، أحد أهم المكونات الرئيسية بالمفاعل، بعد أشهر قليلة من إنجاز العملية نفسها في الوحدة الأولى، ويعد وعاء الضغط بمثابة القلب الذي تتم داخله التفاعلات النووية، ويتميز بقدرته على تحمل درجات الحرارة والضغوط المرتفعة مع ضمان أعلى مستويات الإحكام والأمان. كما شهد المشروع وصول مكثف التوربينة البخارية للوحدة الأولى، واستكمال عدد من أعمال الإنشاءات الرئيسية، بما يمهد للانتقال إلى مرحلة تركيب الأنظمة الداخلية.
ووفق الخطة الزمنية، سيتم تحميل الوقود النووي لأول مفاعل خلال النصف الأول من عام 2027، يعقبه التشغيل التجريبي في نهاية العام نفسه، على أن يبدأ إنتاج الكهرباء من الوحدة الأولى خلال النصف الثاني من عام 2028، بينما تدخل الوحدات الثلاث الأخرى الخدمة تباعًا حتى عام 2031.
وحظي مشروع محطة الضبعة النووية بإشادة واسعة من المؤسسات الدولية العاملة في قطاع الطاقة النووية، وهو ما يعكس الثقة في قدرة مصر على تنفيذ مشروع بهذا الحجم وفق أعلى المعايير العالمية، فقد أكد المدير العام لمؤسسة روساتوم الروسية، أليكسي ليخاتشوف، أن المشروع يسير بوتيرة أسرع من المخطط، مشيرًا إلى أن تركيب وعاء ضغط المفاعل الثاني بعد أشهر قليلة من إنجاز الوحدة الأولى يعكس كفاءة فرق العمل المصرية والروسية، كما وصف المشروع بأنه نموذج ناجح للتعاون الاستراتيجي بين البلدين في مجال التكنولوجيا المتقدمة.
ومن جانبه، أشاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، بالتقدم الذي تحققه مصر في تنفيذ برنامجها النووي السلمي، مؤكدًا استمرار دعم الوكالة للقاهرة في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتطبيق أعلى معايير الأمان والأمن النووي، بما يضمن تشغيل المحطة وفق أفضل الممارسات الدولية.
استثمار يمتد لـ80 عامًا
تمثل محطة الضبعة النووية أكثر من مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، فهي استثمار استراتيجي يمتد أثره لأكثر من 80 عامًا، ويعكس رؤية الدولة لبناء اقتصاد يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والطاقة النظيفة، فالمشروع يوفر مصدرًا مستدامًا للكهرباء، ويحقق وفرًا اقتصاديًا يتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا، ويوفر 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويخفض نحو 14.5 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون كل عام، إلى جانب خلق 54 ألف فرصة عمل، وتعزيز مشاركة الصناعة الوطنية، ونقل التكنولوجيا النووية إلى مصر.
ومع اقتراب تشغيل أول وحدة نووية، تدخل الدولة مرحلة جديدة من تاريخها التنموي، تؤكد أن الاستثمار في الطاقة النووية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان أمن الطاقة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما يجعل محطة الضبعة أحد أهم الإنجازات القومية في تاريخ مصر الحديث، ونقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر أمنًا واستدامة للأجيال القادمة.