الجنازة التي فضحت الكيان
الأحد، 16 أغسطس 2026 09:00 ص
يقيم بعضهم حفلات زفاف جماعي، فيكون الأمر مبهجًا لأنه ينشر فوق الرؤوس فرحة عامة تدعو للتفاؤل، وتضخ في العروق المتيبسة بفعل أحداث الزمان دفقة أمل طازجة، ولكن غزة الحبيبة المقاومة الصابرة المحتسبة، هي بلد المفارقات، بل هي منشأ المفارقة، فهي تقاتل أعتى جيوش المنطقة بصدرها العاري وتربح جولات مدوية، وستربح الجولة الأخيرة، وهذا وعد الله، وتقيم حفلات الزفاف الجماعية في زمن الموت الجماعي، وتقيم مراسم العزاء لجنازة جماعية لشهداء مجزرة لم يسمع بمثلها التاريخ من قبل، فقد ودعت غزة في ساعة واحدة مئة واثنا عشر شهيدًا.
تقول القصة: إنه في يوم الثاني والعشرين من نوفمبر من العام 2023 أي بعد مرور أقل من شهرين على انطلاق الطوفان المبارك، قام العدو المحتل بجولة قصف جنونية لحي الصبرة الواقع في جنوب مدينة غزة، تركز القصف على بيوت عائلتين فقط من عائلات الحي، عائلة أبو شريعة وعائلة الحساينة، هدأ جنون العدو فظهر حي الصبرة على هيئة مقبرة جماعية فقد ارتقى من العائلتين ثلاثمئة وثمانية من الأبرياء ، ومن يوم تلك المجزرة حاول رجال غزة انتشال جثامين الشهداء، ولكن هيهات، فالأمر يحتاج إلى معدات ثقيلة وإلى آلات متقدمة تخلو منها غزة ولا يسمح العدو بدخولها إلى القطاع كله، كان الحفر والبحث يجري بالأظافر وبأبسط الآلات المتاحة وتواصل لعامين ونصف العام، وأخيرًا تمكن المنقذون من انتشال جثامين أو بالأحرى بقايا جثامين مئة واثني عشر شهيدًا، وبقي تحت الأنقاض مئة وسبعة وخمسون شهيدًا، قد يأتي يوم انتشال بقاياهم وقد لا يأتي!
صباح الثلاثاء الرابع من أغسطس من عامنا هذا 2026 خرجت غزة، كل غزة في مشهد يقشعر له جلد كل حر لتوديع الشهداء الذين جرى تكفينهم بأعلام فلسطين.
كنت أنتظر تغطية إعلامية كبرى تفضح جرائم الاحتلال، ولكن خاب أملي، وكنت أنتظر تغطية إعلامية تمسك بحرارة الموقف وبألمه ولكن هيهات، هو مجرد خبر عابر بين عشرات الأخبار بدأ بث الخبر في ضحى الثلاثاء ثم تلاشى من فوق الشريط الدوار بعد ظهر الثلاثاء، وكأن شيئًا لم يكن، ضاعت فرصة ذهبية لفضح العدو على مستوى العالم ولكي يعرف من لم يعرف بعد أصل إجرامه ومنبع خسته، فقد قتل نساء العائلتين وأطفالها ورجالها وشيوخها ولم يفلت منه أصحاب الظروف الخاصة.
هل ضاعت الفرصة أم نحن الذين أضعناها، ونحن هذه تعود على العرب أولًا، فهم يمتلكون وسائل إعلامية ذات تأثير عالمي ولكن تلك الوسائل تتعطل بفعل فاعل إذا كان الأمر يخص فلسطين وغزة على وجه التحديد.
نحن أضعنا الفرصة وقدمنا تغطية عابرة باهتة لم تحمل شيئًا من حرارة المأساة، أما العدو فقد استغل الجنازة الجماعية أحسن استغلال وقد أهرقت نفسي في البحث عن تلخيص لتغطية الكيان من خلال الترجمات التي تقدمها المواقع المتخصصة فوجدت ما يلي:
أولًا: الكيان يستغل الفرصة ليعمم صيغة واحدة يعتمدها، فليس هناك ضحايا أو شهداء أو حتى قتلى، الجنازة في نظر كيان الاحتلال هي عملية دفن مجموعة من المخربين الذين تم تصفيتهم لأن أيديهم ملوثة بدماء جنود جيش الدفاع الأخلاقي العظيم!
ثانيًا: الجنازة ما هي إلا عمل استعراضي من أعمال الفصائل المخربة، تريد منها وبها صنع حالة من الضغط الدولي على حكومة نتانياهو للحصول على المزيد من المكاسب!
ثالثًا: التشكيك في الأمر كله، فكل هذه الجثامين هي في حقيقتها لدروع بشرية كانت الفصائل تختفي خلفها للنيل من جيش الدفاع، وهؤلاء القتلى هم الذين اختاروا بمحض إراداتهم الاختباء في قبو سكني ليكونوا دروعاً بشرية للفصائل الإرهابية!
رابعًا: حملة سخرية وشماتة واسعة النطاق فقد انتشرت تعليقات تحمل هذه الكلمات "نرجو أن يلحق بهم بقية المخربين في غزة" أو "تنظيف قطاع غزة مستمر".
خامسًا: التركيز على استدعاء السابع من أكتوبر بوصفه المسئول الأول والأخير عن دمار غزة، مع تبرير كل تدمير حدث تحت شعار "من بدأ الحرب بالأمس لا يحق له البكاء على قتلاه اليوم".
سادسًا وأخيرًا: عدم ذكر أسماء العائلات المنكوبة "أبو شريعة" أو "الحساينة" كمواطنين، بل تُذكر المنطقة كبؤرة جغرافية للقتال. وبذلك، يتحول استخراج رفات 112 إنساناً بعد قرابة 3 سنوات تحت الأنقاض، في عين المشاهد الإسرائيلي، إلى مجرد "تطهير لجيوب تخريبية قديمة".
خالص العزاء لغزة ولأهلها، ولا عزاء لديمقراطية الغرب التي ماتت وفاحت رائحتها.