التحالف المستحيل مع إسرائيل

الإثنين، 27 فبراير 2017 04:53 م
التحالف المستحيل مع إسرائيل
عبد الحليم قنديل

اختلف كما شئت مع حكم الرئيس السيسى، وكاتب السطور يختلف بشدة مع اختيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية داخلية، لكن الاختيارات الوطنية تبدو سليمة فى عمومها، ومن أول تعظيم قوة الجيش إلى اقتحام المحظور فى مشروع «الضبعة النووى»، وإلى تقليص التبعية الموروثة للأمريكيين.

استعادة عناصر جوهرية فى استقلال القرار الوطنى، وتنمية الاعتماد على الذات فى إنجاز المشروعات الكبرى، وتنويع مصادر السلاح وموارد النهوض، وإقامة نسق علاقات دولية جديدة، يعطى وزنا أكبر لعلاقاتنا مع روسيا والصين، ومع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ويسترد بالتدريج دورا قياديا لمصر فى محيطها العربى، بدت أماراته ظاهرة فى النجاح المصرى البارز على صعيد الوضع الليبى، والتخلص من عبودية السياسة المصرية لأهواء ممالك الخليج، وصياغة تصور مختلف فى معالجات الأزمتين السورية واليمنية، وترك الباب مواربا لعلاقات أفضل مع إيران والعراق وحزب الله وحركة حماس.

وفى صلب القضية الوطنية المصرية، بدا التقدم ظاهرا على جبهة سيناء بالذات، وفى تفكيك القيود الثقيلة لمعاهدة العار المعروفة باسم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فبرغم تواتر لقاءات هنا أو هناك، وصور تطبيع فجة مما نرفضه ابتداء وانتهاء، وارتباكات مهينة فى التصرفات الدبلوماسية، وإطلاق ما يسمى مبادرات سلام، فلا تبدو هذه التحركات سوى فقاعات متناثرة على السطح، لا تخفى جوهر الحركة موضوعيا على الأرض، فالجيش المصرى هو القوة الصلبة للحكم الراهن، وعقيدة الجيش المصرى ثابتة لا تتبدل، وهى أن الخطر الأعظم يأتى دائما من الشرق، ومن إسرائيل بالذات، وسواء دارت عجلة الحروب أو توقفت، فالوجود الإسرائيلى فى ذاته خطر على الوجود المصرى فى ذاته، وقد تقدم الجيش المصرى بكامل هيئته إلى حافة الحدود التاريخية مع فلسطين المحتلة، وهو ما يحدث لأول مرة منذ ما قبل هزيمة ١٩٦٧، ويدهس مناطق نزع السلاح المنصوص عليها فى الملاحق الأمنية للمعاهدة المشئومة، التى حظرت إنشاء مطارات أو موانى حربية بحرية فى سيناء كلها، وكانت تقيد وجود الجيش المصرى فى منطقة محصورة غرب سيناء، أى فى المنطقة «أ» بعمق ٥٩ كيلومترا شرق قناة السويس، وبفرقة مشاة ميكانيكية واحدة، مكونة من ٢٢ ألف جندى، ثم بأربع كتائب حرس حدود لا غير فى المنطقة «ب»، وبعرض ١٠٩ كيلومترات فى وسط سيناء، ثم بحظر وجود الجيش المصرى تماما فى المنطقة «ج»، الممتدة بعرض ٣٣ كيلومترا شرق سيناء، وقد صار ذلك كله شيئا من الماضى، الذى لن يعود بإذن الله، وبإرادة الشعب المصرى وجيشه العظيم، الذى يخوض الآن حرب التحرير الحقيقية لسيناء، ويستأنف حرب أكتوبر ١٩٧٣ من حيث انتهت، ويفرض واقعا جديدا لا رجعة فيه، ويستعيد السيطرة الوطنية والعسكرية كاملة فى سيناء، ويحطم القيود التى فرضت طويلا على طلاقة الحركة المصرية، ويسد الطريق على مؤامرات وضيعة، تصورت أن بوسعها اقتطاع أجزاء من سيناء الخالية من السلاح، وضمها لخطط إسرائيلية ساذجة، تجعل سيناء مجالا لتفريغ الكثافة السكانية الفلسطينية فى غزة أو فى غيرها، وهو ما يرفضه الشعب الفلسطينى الثابت على أرضه، ويرفضه الشعب والجيش المصرى، وقد قدم من التضحيات فى سيرة الحروب مع كيان الاغتصاب الإسرائيلى، ما يفوق تضحيات الشعب الفلسطينى نفسه، وبالذات على تراب سيناء المقدسة، التى تساوى مساحتها ثلاثة أمثال ونصف المثل قدر مساحة فلسطين المحتلة بكاملها، ولا تخفى نوايا إسرائيل بشأنها، وقد تجددت مؤخرا على لسان وزير إسرائيلى مهووس، أوحى بإمكانية اقتطاع جزء من سيناء، وهو ما بدا مثيرا للسخرية، فقد عادت سيناء كاملة الآن لشعبها وجيشها، ونجحت السياسة المصرية فى خداع إسرائيل استراتيجيا، وجرى استخدام قنوات التواصل الأمنى للعبور فوق قيود المعاهدة، والدفع التدريجى المدروس بقوات مصرية إلى المناطق منزوعة السلاح، وإلى أن تمت العملية بكفاءة، وصارت نصوص الملاحق الأمنية للمعاهدة حبرا يجف فوق الورق، ولم يعد لإسرائيل من خيار سوى التسليم بما جرى، فلن يعود جندى مصرى واحد إلى المواقع الخلفية القديمة، ولن تعود قواتنا إلى خط الحدود العسكرى غرب مضايق سيناء، وصارت حدودنا العسكرية متطابقة تماما مع حدودنا السياسية والتاريخية، وهو نصر لو تعلمون عظيم، جرى فى صمت، ولا يلتفت إليه أحد كثيرا حتى فى الداخل المصرى، ويفسر واحدا من أهم تعهدات السيسى فى خطاب التنصيب الرئاسى، فقد تعهد بما سماه «تعديل معاهدة السلام»، وها هو قد فعل، وحطم قيدا ثقيلا على طلاقة حركة الجيش المصرى، وعلى السيادة المصرية بمعناها الفعلى لا الصورى، فلم تعد سيناء كاملة إلى مصر وقت عقد المعاهدة وبعدها، اللهم إلا فى أغنية الفنانة شادية «سينا رجعت كاملة لينا/ ومصر اليوم فى عيد»، بينما كانت سيناء وقتها قد عادت صوريا، وبمناطق منزوعة السلاح فى غالب أرضها، وبوضع شائه لم يتغير إلا فى السنوات الأخيرة، وبمصاحبة التحرر من قيود المعونة الأمريكية التى أدت لإضعافه عقودا، فقد كانت أمريكا هى الضامن لبقاء مناطق نزع سلاح سيناء، وأبرمت مذكرة تفاهم مع إسرائيل يوم توقيع المعاهدة فى ٢٦ مارس ١٩٧٩، تتعهد فيها بالتدخل دبلوماسيا وسياسيا وعسكريا إذا جرى إخلال مصرى بالتزاماتها وقيودها، وقد التزم حكم المخلوع مبارك حرفيا بالنصوص، وبدعوى الخوف من تحرك عسكرى أمريكى أو إسرائيلى، وصار ذلك كله شيئا من الماضى التعيس، الذى توقفت بسببه كل مشاريع تنمية سيناء وإعمارها سكانيا، اللهم إلا فى إقامة منتجع شرم الشيخ السياحى، وذهاب المخلوع إليه فى طائرة كانت تحصل على إذن من إسرائيل(!).

هذه هى الوقائع الصلبة على الأرض، التى تغير الموازين فعليا، وتفرض واقعا جديدا، لا يقاس إليه كلام عابر فى زمن مختلط، ومن نوع المبالغة فى تصور معنى أو قيمة لقمة «العقبة» السرية قبل عام، والتى قيل إن السيسى شارك فيها، وبمعية ملك الأردن عبدالله وجون كيرى وزير الخارجية الأمريكى السابق وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلى، والتى لم تنته إلى أى اتفاق يخص القضية الفلسطينية، ولن تنتهى إلى أى شىء، حتى لو عقدت قمم مثلها مئات المرات، وكلها تصرفات مناورة محدودة المدى، نرفضها بالطبع، كما نرفض أى تطبيع مع كيان الاغتصاب الإسرائيلى، فليس من شىء يجبر إسرائيل على التسليم بحقوق الفلسطينيين كلا أو جزءًا، اللهم إلا بنهوض حركة وطنية فلسطينية جديدة، ترد لخط المقاومة المسلحة والشعبية اعتباره الأول، وتنفض عنها أوهام التفاوض العبثى، خصوصا مع توحش الاستيطان اليهودى فى القدس والضفة الغربية، وزيادة عدد المستوطنين إلى ٧٥٠ ألفا، وقضم الاستيطان لنحو ستين بالمائة من أراضى الضفة الغربية، وتصاعد الدعم الأمريكى لإسرائيل، فقد أعطاها أوباما ٣٨ مليار دولار صفقات سلاح قبل خروجه من البيت الأبيض، ويقدم الرئيس الجديد دونالد ترامب نفسه، باعتباره المدافع الأول عن إرادة إسرائيل، وكلها تطورات قد تقود المنطقة إلى انتفاضات وحروب جديدة، لا إلى سلام مما يزعمون، لا بحلول «الدولتين» ولا «الدولة الواحدة»، ولا إلى فتح خطوط اتصال عربية مجدية مع إدارة ترامب، سواء عبر عبدالله ملك الأردن، أو عبر الرئيس السيسى فى زيارته المنتظرة للبيت الأبيض، فقد صار الكلام كله على المكشوف، وهدف إسرائيل المتفق عليه مع واشنطن ظاهر تماما، وخلاصته، أن لا شىء سوف يقدم للفلسطينيين فى المدى المنظور، وأن المطلوب إقامة تحالف إسرائيلى عربى ضد إيران، قد تتحمس له بعض ممالك الخليج، ولقاء تريليونات الدولارات تدفعها لإدارة ترامب الجائعة للمال، وهو ما لن يكون أبدا موضع رضا أو اتفاق عند مصر، فنظرتها إلى الخطر الإيرانى مختلفة، وحروب السنة والشيعة ليست من شيمها، وقد حرصت الرئاسة المصرية فى بيانها الأخير على تأكيد ما سمته «الثوابت القومية» العربية، وأن القضية الفلسطينية هى الأكثر محورية فى المنطقة كلها، صحيح أن للقاهرة علاقات رسمية مع إسرائيل، لكنها لا ترقى أبدا إلى تحالف ولا إلى شبه تحالف، بل تنطوى على تناقضات يصعب تجاهلها، وقد تكون الكلمات دافئة على السطح الدبلوماسى المناور، لكن الأزمات الباطنة، تضيف إلى برودة العلاقات جليدا دائما، فقد تقلص حجم التبادل التجارى المحدود أصلا، وسحبت إسرائيل سفيرها قبل أسابيع طويلة، وسحبت طاقم السفارة كله حتى الفراشين، بدعوى المخاوف الأمنية على حياتهم، بينما الحقيقة أن هواء القاهرة صار أنظف، ولم تعد من سفارة لإسرائيل بالمعنى المفهوم فى مصر، ومنذ أن أحرق الشعب المصرى سفارة العدو على نيل الجيزة، وانتقل السفير الإسرائيلى للعمل من منزل مهجور فى ضاحية «المعادى»، ويعانى من حالة عزلة وسجن انفرادى، لا يختلط به أحد من الدوائر الشعبية المصرية، ولو فعلها أحد، فإنه يلقى مصيرا أليما، كالذى انتهى إليه نائب برلمانى جرى إسقاط عضويته فورا، كما يعانى السفير حتى من إهمال وتجاهل الدوائر الدبلوماسية الرسمية، ويحس أنه موضع مراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية المصرية، وكلها ظروف تجعل السفير الإسرائيلى بلا عمل حقيقى حتى مع عودته، وبغير مبنى للسفارة ولا مهامها الدبلوماسية، فالصلات مع إسرائيل فى مكان آخر، وأغراضها وظيفية محددة جدا، وما من علاقات قابلة لازدهار بالمعنى المفهوم، فعقيدة الجيش المصرى تمنع، وعقيدة الشعب المصرى مانع جامع، ولا يوجد فى الدنيا طرف أكثر كراهية لإسرائيل من الشعب المصرى، ومجرد التطبيع مع إسرائيل جريمة سالبة للشرف فى مصر، فما بالك بأوهام التحالف المصرى مع العدو الإسرائيلى، الذى يسعى إليه نتنياهو وترامب وأمثالهما، وبعض الدوائر التطبيعية ذات الهوى «الأمريكانى» فى مصر، وهو التحالف المستحيل الذى لن يتحقق أبدا، مهما كانت الضغوط، وصنوف خداع الذين يريدون توريط النظام فى الخطيئة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق