المصريون.. شعب من غير كتالوج

الأحد، 13 أغسطس 2017 09:10 ص
المصريون.. شعب من غير كتالوج
عبدالفتاح على يكتب:

مهرجان التحرش للجميع يأتى كل سنة بعد نهاية شهر الصوم ¿ المصريون ينفقون على التعليم مثل ما ينفقونه على السجائر والخمور
 

نحن مجتمع مفرط فى بعثرة أولوياته، لأنها فى أحيان كثيرة لا تخضع للمنطق أو العقل أو الورقة والقلم، أو حسابات الأرقام التى كنا نعتقد أننا نعرفها، لأننا ببساطة شعب من غير كتالوج. العشوائية لا تحكم فقط تصرفاتنا، أو نمط معيشتنا، بل حتى عبادتنا، ومورثنا الثقافى، فحياتنا مليئة بالمتناقضات، فهناك أمثلة شعبية، تعكس حالة انفصال فى الشخصية المصرية.

 

هناك مثل شعبى دارج يقول «النار ما تحرقش مؤمن»، لكن فى الوقت نفسه «المؤمن دايما منصاب»، وآخر يقول «الضنا غالى» وعلى الفور يقابله «إن جالك الطوفان حط ولدك تحت رجليك».
 
ليس هناك أغلى عند المصريين من الأم، لدرجة أنهم يعتبرون الشتيمة الأشد والأقسى، هى التى ترتبط بالأم، ويتعامل كل مصرى مع أمه على أنها قدس الأقداس، لكن عندما يأتى الدور على الزوجة، فتعامل كالخادمة، والبنت كالفضيحة، وغير المحجبة كفتاة الليل.
 
الشعب المتدين بطبعه، والحريص على زيارة بيت الله الحرام كل سنة لو  فى إمكانه، ويفضل تبرعه للمسجد على تبرعه لمكتبة، ينفق 15 مليار جنيه سنويا على الدجل والمشعوذين، و10 مليارات جنيه على الرشوة.
 
بعد نهاية الشهر الكريم الذى له مذاق خاص عند المصريين، وطقوس شديدة المحافظة فيه، من صلاة وقيام وصيام وتبرع وفعل الخير، ينطلق فى اليوم الأول بعد نهايته، مهرجان التحرش للجميع، وترتفع مبيعات الخمور والمخدرات لقمتها.
 
رغم كل الأخبار المنشورة والمذاعة عن أزمة سد النهضة، والتهديد المائى الذى تتعرض له البلاد، وتناقص حصة الفرد من المياه، إلا أننا شعب يعشق الطراوة، ويفضل الإمساك بخرطوم المياه فى الشارع لطرد الحرارة، أو لغسيل السيارات، أو لكنس الشوارع، ويستمتع بصوت المياه المنسكبة قبل وأثناء وبعد الوضوء.
 
الأسرة المصرية، لديها خلل رهيب فى أولويات الإنفاق، فعلى بند التعليم تنفق مثلما تنفق على السجائر والكحوليات، وهو ما يؤكد أن الإنفاق يعتمد على الرغبة، أكثر مما يعتمد على الضرورة.
 
دليل آخر على خلل أولويات الإنفاق عند المصريين، أن كثافة السيارات فى الطرق المصرية لم تنخفض، حتى بعد أن وصل سعر لتر البنزين 92 خمسة جنيهات.
 
فى كل دول العالم، كلما زاد سعر لتر البنزين، يرتفع عدد السيارات المحولة للطاقة البديلة الرخيصة، لكن فى مصر العكس، فكلما زاد سعر لتر البنزين، انخفضت عدد السيارات المحولة للغاز الطبيعى من 23 ألف إلى 11 ألف سيارة فقط.
 
اهتمام الأسر المصرية بالتعليم متدنٍ للغاية، يصرون عند ولادة أول طفل على تعليمه أحسن تعليم، لكن مع مرور الوقت يتراجع هذا الاهتمام، فعدد الطلبة فى المرحلة الابتدائية 11 مليون طالب، فيهبط العدد لأقل من النصف، فيصبح 5 ملايين فقط فى المرحلة الإعدادية، ثم يهبط العدد إلى 3 ملايين فى المرحلة الثانوية.
 
المصريون قد يدعون أنهم متدينون، لكنهم لم يدعوا يوما أنهم مثقفون، والدليل أن أعلى محافظة من حيث عدد المساجد، كانت الشرقية 16 ألف مسجد، بينما بها دار سينما واحدة فقط، فى المقابل مدينة الألف مأذنة (القاهرة) بها نحو 6000 مسجد، مقابل 29 دار سينما.
 
تقسيم المحافظات لدينا مفرط فى العبث، فأقل محافظة من حيث عدد السكان الوادى الجديد 235 ألف نسمة، منحت أقل من نصف مساحة مصر بقليل، 440 ألف كم مربع، مقابل 10 ملايين نسمة حصلوا على 3 كم مربع فقط، هى مساحة القاهرة.
 
القاهرة حالة مستعصية على المنطق والعقل، فكل 50 مواطنا قاهريا يعيشون فى أقل من متر مربع -بافتراض عدم وجود مبان- علما بأن متوسط سعر متر الأرض فيها 40 ألف جنيه.
 
 لكل أربعة أفراد قاهريين سيارة واحدة، لأن بها 2.5 مليون سيارة، متوسط مساحة السيارة الواحدة 10 أمتار مربعة، يعنى السيارات تحتل 2.5 كم مربع، يتبقى نصف كيلومتر فقط تقريبا، للمبانى والشوارع والمساحات الخضراء وللبشر.
 
الحكومة على لسان وزارة التموين تقول إن هناك 70 مليون مواطن فقير مستحق الدعم، فى حين أن نفس الحكومة على لسان جهاز التعبئة والإحصاء تقول إن عدد الفقراء فى مصر 27 مليون فقط، هذا يعنى أن هناك 43 مليونا يحصلون على 44 مليار جنيه دون وجه حق.
 
الطرق المصرية دائما ما يشهد لها بالرداءة، لا تنافسها سوى السكك الحديدية، لكن فى سنة الثورة (يناير) شهدت الطرق فى مصر أعلى معدلات الوفيات جراء الحوداث، حيث بلغ 7115 قتيلا، فى حين أن حوادث القطارات شهدت أقل معدلاتها على الإطلاق فى نفس العام، حيث بلغت 447 حادثة فقط.
 
وفقا للأرقام الرسمية، هناك ما يقرب من مليونى رجل، زيادة على عدد الإناث، وهذا يعنى، أن العنوسة لدى الرجال أعلى، هذه النسبة بالتأكيد سوف تشهد زيادة، طالما ظل معدل الزواج بأكثر من امرأة مرتفعا.
 
هناك 5 ملايين مصرى، خارج الزمن، أسفل الحياة، تحت مقصلة العدم، يرزخون فى فقر مدقع، فوفقا للأرقام الرسمية، هم لا يملكون ثلاجة ولا بوتاجاز ولا تليفزيون، ولا سخان، يقابلهم 5 ملايين آخرين يملكون كل شىء، من الميكروويف والسيارة والتكييف إلى القصور والشاليهات. 
 
نحن نحتاج لتغيير عنيف طويل الأمد، ولا أعتقد على الإطلاق، أنه سيأتى طواعية، أو بالتصويت، بل عنوة، التاريخ نفسه يعترف، بأن أزهى عصورنا، كان التغيير فيه للأفضل أتى عندما فرض الحاكم التغيير جبرا.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا