في معنى الوطن والإنسان

الجمعة، 23 فبراير 2018 08:13 م
في معنى الوطن والإنسان
مجدى أبو زيد يكتب..

 

( الوطن ) كلمة سحرية .. من أجلها أُريقت دماء، وسالت دموع، وفُتحت زنازين، ورُملت نساء، وتيتّم أطفال، ودُبجت أغان وأناشيد. فلا توجد كلمة مثلها تهز أركان المرء، وتُهيّج الذاكرة بكل تفاصيل الشجن. لكننا نرى أن العلاقة مع الوطن تحتاج لشيء من الواقعية بعيدا عن الانفعال الجماعي المتجسد في الهتافات الرومانسية.

كثيرون يختزلون الوطن ومعناه في حدود جغرافية عامة أو خاصة، مثل مسقط الرأس في شارع أو حارة، أو ذكريات طفولة .. وهذا في رأينا يحتاج إلى شيء من التمحيص والتدقيق لأنه يُلبس الحق رداءً من الخلط والأوهام.

فالوطن حالة ( شخصية جدا) أو فكرة مجردة تعيش حتى النخاع اشتراطات فردية لتنبع الكلمة من أعمق أعماقنا.. والدليل، أنه بإمكاننا العثور في الوطن الواحد على منتمين ولامنتمين ، ساخطين وراضين، كارهين ومحبين على نفس الأرض.. ولا يجمع هؤلاء تحت راية الوطن سوى تعرضه لخطر خارجي .. وخارجي فقط ، ما أن يزول حتى تعود العلاقة بين الطرفين إلى الوضع الطبيعي، حيث يبدأ كل فرد يبحث عن ثماره الشخصية من هذه العلاقة.

فحين كان ( ميرابو ) ، خطيب الثورة الفرنسية، يهتف بنجاح الثورة وسقوط سجن الباستيل، صرخت في وجهه إمرأة : ( لكن ابني لا يزال مفقودا)، لنكتشف أن الوطن الذي تم تحريره من ربقة الإقطاعيين والمفسدين لا يساوي شيئا أمام فجيعة ( قلب أُم ) على ولدها المفقود. والشاعر السوري الراحل محمد الماغوط يقول في إحدى روائعه : وطني الجريح كالنمر.. إني أرفع سبابتي كتلميذ، طالبا الموت أو الرحيل.

المقصود أن علاقة الإنسان مع وطنه يجب أن تنال شيئاً من الحد الأدنى من آدميته.. وأقول الحد الأدنى لأنه لا يمكن أن أحب فلذة كبدي وهو متقاعس عن إعطائي جرعة دواء، أو جرعة احترام.

فالعلاقة بين الوطن وبين أفراده تُعد بمثابة ( عقد ) ، الطرف الأول مثقل بواجبات أهمها على الإطلاق تحقيق الذات الفردية ولو في حدودها الدنيا، والثاني مناط به تقديم الإخلاص لرفعة وطنه وقت الشدة، ولا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر ( هكذا يفترض ) .

فالإحساس بالوطن لا يرتبط ببقعة بعينها قدر ارتباطه بالأرض التي تحقق إنسانية الإنسان ( فرادى ) . وقد كان أحد الكتّاب محقا حين قال: إن المطارات ومراكز الشرطة هي الأماكن الأكثر كشفاً لحقيقة الوطن والقائمين عليه. وقد يرى البعض محدودية هذه النظرة إلا إنها تمتلك زخماً من البساطة العميقة لأنها تدلنا على أمكنة هي الأكثر تعاملاً مع البشر، والأكثر تكريسا لمعنى الإنسان في وطنه وبالتالي ارتباطه به. المسألة بسيطة: أعطني عالماً يـُقدّرني بالقليل، أعطيكَ حباً ليس بالقليل.

 

 

تعليقات (1)
ألوطن
بواسطة: عبدالله العثامنه
بتاريخ: الأحد، 25 فبراير 2018 09:35 ص

سكنَ في الوجدان؛ تهدّمت المنازل.

اضف تعليق