قراصنة المعلومات يلتفتون ناحية الشرق.. هل يسقط شرر موسكو وواشنطن في براميل النفط؟

الثلاثاء، 31 يوليو 2018 08:00 م
قراصنة المعلومات يلتفتون ناحية الشرق.. هل يسقط شرر موسكو وواشنطن في براميل النفط؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين
حازم حسين - وكالات

عشرون شهرا مرت على الانتخابات الرئاسية الأمريكية وما زال الجدل دائرا، واشنطن تواصل التحقيق في مزاعم القرصنة الروسية على الانتخابات، وموسكو من جانبها تنفي الأمر بشكل كامل.

الانتخابات الرئاسية الأمريكية copy

جهات التحقيق الأمريكية قدّمت معلومات قالت إنها تؤكد التدخلات الروسية والقراصنة التابعين لموسكو في الانتخابات، بينما أشارت تقارير أمنية وإعلامية إلى أن روسيا استغلت موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لتمرير رسائل دعائية لتوجيه الناخبين الأمريكيين، ونجحت بالفعل في الوصول لثلاثة ملايين أمريكي في الفترة السابقة للانتخابات.

خلال القمة التي جمعت الرئيسين، الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، بالعاصمة الفنلندية هلسنكي في وقت سابق من الشهر الجاري، انتقد بوتين موقف المحقق الأمريكي في قضية التدخلات الروسية في الانتخابات، روبرت مولر، متهما إيّاه بتوظيف القضية سياسيا، وهو ما وافقه فيه ترامب مؤكدا أنه يستبعد بشكل شخصي أن تكون روسيا قد تدخلت في الانتخابات، قبل أن يضطر لاحقا للتراجع عن تصريحاته عقب تعرضه لهجوم حاد من الإعلام وأعضاء الكونجرس من الديمقراطيين والجمهوريين على حد السواء.


سخونة خادعة واتجاه للتصفية

بين وقت وآخر تتواتر معلومات ومؤشرات عن قضية التدخلات الروسية في الانتخابات، والتحقيقات الأمريكية الجارية بشأنها، بشكل يُرجّح سخونة الموقف واتجاهه للتصعيد، لكن في الوقت نفسه تبزغ مؤشرات سياسية ودبلوماسية تدفع في اتجاه التهدئة، وتظل الأمور على حالها دون تطور مؤثر.

في الفترة الأخيرة وجه روبرت مولر، المُدّعي الخاص بوزارة العدل الأمريكية في قضية التدخلات الروسية بالانتخابات، اتهاما لـ13 مواطنا روسيًّا وثلاث جهات روسية أخرى، بالتدخل الواسع والمعقد في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في نوفمبر قبل الماضي (نوفمبر 2016)، وبينما تُعني الاتهامات أن روسيا متورطة بشكل رسمي في التلاعب بالانتخابات لدعم ترامب، لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدّة لتصعيد الموقف أو السير إلى آخر مدى في المواجهة مع موسكو.

المحقق الأمريكي روبرت مولر copy

"الصين أو حتى الشخص الجالس على سريره بوزن 400 باوند قد يكون وراء التدخل في الانتخابات".. هذا التصريح الذي يبدو صادرا عن الكرملين أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنفسه، ليس إلا واحدا من تصريحات عديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفي التدخلات الروسية في الانتخابات. ومؤخرا بات كثيرون من الأمريكيين يتعاملون مع موقف "ترامب" باعتباره دفاعا شخصيا عن النفس، إذ إن إثبات التدخل الروسي يُعني أن فوزه في الانتخابات لم يكن عادلا أو مُستَحَقًّا، ومن ثمّ سيناضل لإثبات العكس، أو إفشال التحقيقات، أو على الأقل توسيع مدى الاشتباه.


بين تسييس مولر والتفاف بوتين وترامب

اتهام التسييس الذي وجهه الرئيس الروسي للمدّعي الأمريكي روبرت مولر لا يبدو مُستبعَدًا بشكل كامل. ربما يرتبط الأمر بمساعٍ خفيّة لحصار إدارة ترامب وبعض وجوهها البارزة، ربما في ضوء هذا وجه "مولر"، بحسب ما نقلت صحيفة نيوبورك تايمز الأمريكية، أوامر استدعاء لبعض الأفراد للشهادة وتوفير مستندات، بغرض "الحصول على وثائق متعلقة بالتعاملات التجارية لمستشار الأمن القومي السابق المقرب من ترامب، مايكل فيلين".

في المسار نفسه قالت "سي إن إن" في تقرير لها، إن "مولر" وهيئة المحلفين الكبرى التي يعتمد عليها وجهوا أوامر استدعاء أخرى لعدد من الشخصيات سعيا للحصول على "شهادات ووثائق من أشخاص شاركوا في اجتماع بين ترامب الابن ومحامية روسية في العام 2016".. وفي ظل طبيعة عامل ترامب الابن، وكون الطرف الثاني محاميا، فإن اللقاء لا يبدو استثنائيا أو مخالفا للعادة، وهنا قد يكون التتبّع استهدافا مباشرا للرئيس الأمريكي وأسرته والمقربين منه، أكثر من كونه بحثا عن حقيقة التدخل الروسي في الانتخابات.
 
بوتين copy
 
على الجانب المقابل لا يتوقف ترامب عن الطعن في المسألة برمتها، سواء بتصريحات وتغريدات أو بممارسات عملية، ففي وقت سابق قال أمام تجمع جماهيري في ولاية ويست فيرجينيا إن "اتهامات التدخل الروسي في الانتخابات مُختلقة بشكل كامل. القصة الروسية مختلقة، هذه مجرد ذريعة لتبرير أكبر خسارة في تاريخ السياسة الأمريكية، إنها فقط تجعلهم يشعرون أنهم أفضل عندما لا يكون لديهم شيء آخر يتحدثون عنه. ومعظم الناس يعرفون أنه لم يكن هناك روس في حملتنا".. بجانب هذا الموقف المعلن، تظل في استطاعة ترامب ممارسة ضغوط قوية وتوظيف صلاحياته الواسعة للوصول إلى تسوية مع الكونجرس أو جهات التحقيق، لإغلاق القضية، أو توسيع مدى الشبهة بشكل يجعل من المستحيل إغلاقها في المدى القريب، أو الوصول لنتائج مقنعة لأي طرف.
 
إذا نظرنا في مقابل هذه التطورات المعقدة إلى الأحاديث المتواصلة عن الاختراقات الإلكترونية لمؤسسات سياسية واقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا نفسها، فإن الحديث عن قدرة استثنائية لدى أحد هذه الأطراف للتدخل وتغيير مسارات الأمور لدى الآخر.. وبجانب هذه الاختراقات يمكن الحديث بين وقت وآخر عن قرصنة صينية أو تدخل إلكتروني من جانب بكين في أوروبا والأمريكتين، وهذا ما حدث بالفعل في أوقات سابقة، وهكذا يمكن على المديين المتوسط والبعيد توجيه أصابع الاتهام في مسار آخر.


هل يدخل الشرق الأوسط دائرة الإلهاء؟

إذا افترضنا أن هناك مُخطّطًا لصرف الأنظار عن الارتباك المحيط بالمشهد الروسي الأمريكي وقضية التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية خريف العام 2016، فعلى الأرجح لن يكتفي أصحاب المصلحة بصرف الأنظار بالتصريحات والإشارات فقط، وغالبا ما قد يشهد الأمر تكتيكًا عمليا لتحويل دفة الاهتمام، والاتهام أيضا.

 

ترامب copy

ربما من قبيل هذا التصوّر ما رصدته مجموعة "بالو ألتو نت ووركس" المتخصصة في تطوير الحلول الأمنية من حزمة هجمات جديدة ومتعددة لمجموعة "أويلريج OilRig" المتخصصة في الجرائم الإلكترونية، بين مايو ويونيو الماضيين، وهي الهجمات التي بدت كأنها صادرة عن هيئة حكومية في الشرق الأوسط. وفي ضوء تكتيكات "أويلريج" المرصودة في وقت سابق توقعت المجموعة أن أن تكون حزمة التهديدات الجديدة قد استفادت من بيانات الاعتماد والحسابات المُخترَقة، بغرض توظيف الهيئة الحكومية المُستهدَفة كمنصّة جانبة لانطلاق الهجمات الحقيقية.

بحسب التقرير الصادر عن المجموعة في هذا الشأن، فقد استهدفت حزمة للهجمات إحدى الهيئات الحكومية في منطقة الشرق الأوسط، بجانب شركة متخصصة في توفير خدمات التقنية في البلد نفسه، وأشار التقرير إلى أن "أويلريج" تعمّدت إظهار حزمة الهجمات على هذه الأهداف باعتبارها منطلقة من هيئات أخرى في البلد نفسه، في وقت كان المهاجمون الحقيقيون خارجه، لكنهم استفادوا من بيانات اعتماد مسروقة من المؤسّسة الحكومية التي جعلوها منصّة انطلاق وحلقة وسيطة لتنفيذ الهجمات.

لا تتوفر معلومات حول هوية هذه المجموعة ولا نقطة انطلاق هذه الهجمات، لكن "أويلريج" التي تُعرف أيضا باسم APT34 أو Helix Kitten، عبارة عن مجموعة قرصنة وتهديد إلكتروني تتخصص في عمليات التجسس وسرقة البيانات، ويتركز نشاطها على منطقة الشرق الأوسط، وجرى اكتشافها من جانب "بالو ألتو نت ووركس" للمرة الأولى منتصف العام 2016.

هذا الغموض المحيط بالمجموعة، وتقنية الاستهداف التي تتشابه كثيرا مع ما جرى تداوله حول تفاصيل التدخلات التي شهدتها الانتخابات الرئاسية الأمريكية، واستهداف عدد من شبكات الكهرباء المحلية في الولايات المتحدة، يُرجحان أن تكون الجهة التي تقف خلف المجموعة هي نفسها الجهة المتورطة في التلاعب بالانتخابات الأمريكية، أو على صلة وثيقة بها، أو تستخدم تقنياتها وأساليبها في ضوء وحدة البرامج أو محطات التدريب لعناصر كل منهما.

إذا صحّت هذه الفرضية، فربما يكون الاستهداف الأخير لمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط، والذي توقعت مجموعة "بالو ألتو نت ووركس" أن يستمر ويتوسّع في الفترة المقبلة، في محاولة للإلهاء والتعمية في قضية الانتخابات الرئاسية، أو على الأقل فتح قوس الشبهة وتوسيع مدى الاتهام، بشكل يُسهّل إغلاق التحقيقات الجارية في واشنطن، أو تجاوز حالة الاحتقان القائمة مع موسكو.

براميل بترول copy

التسامح في الكرامة تحت ضغط السياسة

رغم حقيقة أن مسألة التدخل في الانتخابات الرئاسية تشكّل اهتماما استثنائيا للولايات المتحدة، أو بمعنى أدق تمثّل أزمة كرامة مباشرة تستشعرها المؤسسات الأمريكية، والأمنية منها بشكل خاص، فإن التركيبة السياسية الراهنة قد تدفع واشنطن للتسامح نسبيًّا في قضية الكرامة، سعيا إلى تجاوز عقبات حادّة في العلاقات مع موسكو، أو في الملفات المشتركة بين البلدين.

في المستوى العملي لا تبدو العلاقات الأمريكية الروسية جيدة، رغم حالة الهدوء النسبية التي تُخيّم على الأجواء بين البلدين، لكنها في الوقت نفسه ليست متوترة بالدرجة المزعجة. لقاء ترامب وبوتين في هلسنكي قبل فترة غير بعيدة يؤكد أن قنوات الاتصال مفتوحة، ومساحات التفاهم واسعة، ويمكن قفز أية عقبات او مصاعب.. هذه الأجواء يبدو أن حجم التشابك في ملفات عديدة ساخنة كان السبب المباشر والدفاع الأبرز للوصول إليها، وبهذا المنطق فإن البلدين يعلمان أنه يتعين على كل منهما التنازل وتحرّك خطوة باتجاه التقارب.

قراصنة إلكترونيون copy

في الساحة السورية يبدو الميزان مائلا لصالح روسيا، الجيش السوري يستعيد زمام المبادرة في كثير من المناطق، وحلفاء واشنطن من التيارات الدينية والميليشيات المسلحة والمعارضة الإسلامية و"الخوذ البيضاء" يخرجون من المشهد تباعًا أو يتعرضون للحصار في زاوية ضيقة من الصورة. في ملف الصراع مع إيران ما زالت روسيا ضمن الاتفاق النووي، وتعلن عدم التزامها بالعقوبات الأمريكية، ومن المرجح أن تكون وسيلة مباشرة لتخفيف الضغط عن طهران مع بدء سريان القرار الأمريكي بحظر صادراتها من النفط، وفي العراق يُمكن أن تُشكّل موسكو فارقا عبر حليفيها القريبين نسبيًّا، تركيا وإيران، حال أرادت تغيير معادلة الصراع، والأمر نفسه في أفغانستان التي تشهد توسّعًا للنشاط الإيراني مؤخرا، بجانب الحضور الروسي المباشر سياسيا واستخباراتيا وأمنيا.

هذه المعادلة المُركّبة تؤكد أن احتمالات التصعيد لن تكون مُجدية للولايات المتحدة وروسيا على حدّ السواء، خاصة أن الأخيرة لا يمكنها الانفراد بالملفات الساخنة أو فرض وجهة نظرها، وتحتاج لقدر من التوافق مع واشنطن، التي ما زال بإمكانها إطالة أمد الصراعات الجارية مع الميليشيات أو كبح جماحها.. ووفق هذا التصور قد يتجه البيت الأبيض والكرملين لتسوية قضية التدخل في الانتخابات الرئاسية، ولكن هذه التسوية لا بدّ من عبورها بوابة مقنعة للأمريكيين ومؤسسات الدولة وجهات التحقيق.. ربما تكون هذه البوابة توسيع مدى المخاطر التكنولوجية والهجمات الإلكترونية، ما يُعني أن العالم بكامله سيكون مهدّدًا حتى تكتمل التسوية، وفي ضوء الأوزان النسبية والقدرات التقنية ومُعاملات الأمان، فقد يكون الشرق الأوسط (بحزمة الدول التي تشكل قرابة 30% من سوق النفط العالمية) أبرز المتضررين، وأول ما يتطاير شرر موسكو وواشنطن حول العالم سيتطاير باتجاه الشرق، وقد يسقط في براميل البترول.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق