الهيئة العامة للاستعلامات وهيومان رايتس وخالد حسن.. أخيرا

الإثنين، 15 أكتوبر 2018 11:53 ص
الهيئة العامة للاستعلامات وهيومان رايتس وخالد حسن.. أخيرا
طلال رسلان يكتب:

يقولون إن البدايات دائما تكون مؤشرا صادقا للنهايات، ربما تكون هذه المقولة هي الأصدق للجهد الذي يبذله ضياء رشوان في الهيئة العامة للاستعلامات، شغل منمق ومنظم وواضح والأهم من كل هذا كسر الروتين، أعاد الرجل الحياة للمارد الذي نعول عليه في الزود عن اسم مصر، وتوضيح الحقائق أمام العالم.
 
الحق يُقال إننا لم نكن نرى اسم الهيئة العامة للاستعلامات، قبل ذلك إلا على غلاف ذاك الكتاب السنوي الذي يُرمى في الأدراج، أو في بيان بدباجة نمطية روتينية حكومية مملة يأتي على البريد الخاص بأحدهم ويوزع في جروب "جمعية الصحفيين" الشهير، ويُرمى كما هو على صفحات الجرائد أو مختبئا في وسط زحمة الأخبار على المواقع الإخبارية.
 
القصة تقول إنه في يوم الخميس الماضي أصدرت منظمة هيومان رايتس ووتش كعادتها تقريرا زعمت فيه تعذيب واختفاء قسري لمواطن مصري أمريكي يدعى خالد حسن، مع مزيد من التلفيق والمغالطة عن حالته الصحية وحالة أسرته، هذا ليس بجديد عليهم، ولن تنقطع لهم عادة.
 
الجيد وراء هذه القصة التي لا تستهدف إلا تطبيق أجندة الخواجة كما رسمها للشرق الأوسط ومصر، أن الهيئة العامة للاستعلامات كشفت التلفيق بالحقائق والأرقام والتفنيد كما ينبغي أن يكون، وليس لدينا شيء نخفيه أمام كل العالم، الأكثر من هذا أنها نشرت تقريرا شافٍ وافٍ بالوقائع كاملة وما حدث من مراسلات بين الجانبين بعد ثلاثة أيام من الأزمة.. نعم ثلاثة أيام.
 
أولا بدأت الهيئة بصفعة بسيطة عن تاريخ المبادلات والمراسلات التي جرت بينها وبين هيومان رايتس والتي بالطبع تعمدت الأخيرة تجاهلها بشأن حالة المتهم "خالد حسن"، سواء عن طريق المراسلات عبر البريد الإلكترونى، أو خلال المكالمات الهاتفية التى استغرقت وقتاً طويلاً فى النقاش، بل وادعت المنظمة بأن الهيئة أنكرت إخفاء حسن قسرا أو تعرضه للتعذيب.
 
ثانيا رمت هيئة الاستعلامات كرة النار في ملعب المنظمة المشبوهة بأن سألتها عن الاتصال الهاتفى فى نفس اليوم مع المنظمة، استفسرت الهيئة عن بعض الأشياء التى تم ذكرها فى مضمون الرسالتين، منها ملابسات التحقيق مع المتهم "خالد حسن" من قبل المباحث الفيدرالية الأمريكية، وطالبت المنظمة بالحصول على المعلومات المتوافرة عن "حسن" لديها، ولكن تم تجاهل ذلك تماما، وتم فى هذا الاتصال إبلاغ مسئول المنظمة الرفض المصرى لطريقة "الإنذار" والمدد القصيرة للإجابة على الاستفسارات، ما أدى إلى تحديد أسبوع آخر لاستكمال الإجابات.
 
أخيرا أعطت الهيئة الضربة القاضية لمزاعم المؤسسة وكل شيء بالأرقام، بتفنيدها تاريخ المواطن المذكور، وفي تقرير أرسلته كاملا للمنظمة العالمية التي تدعي المصداقية، جاء في نقاطه ونصه أن  فيما يتعلق بالصور والمواد الفيلمية الخاصة بالتعذيب المزعوم للمتهم خالد حسن التى ذكرت المنظمة أنها راجعتها، تثور عدة تساؤلات من بينها: ما هى مصادر المواد التى جاء بها التقرير؟ وما مدى صحتها؟ وكيف لنا التيقن من مصداقيتها دون عرضها بشكل رسمى على جهات التحقيق المختصة.
 
تجاهل تقرير المنظمة نشر الرد الكامل الذى أرسلته الهيئة العامة للاستعلامات السابق عرضه على رسالتيها المشار إليهما سابقاً بتاريخى 23-25 سبتمبر، واكتفى بنشر مقتطفات منها بما يدعم روايته المزعومة ويتنافى مع المعايير المهنية فى عرض الحقائق كاملة، حيث تضمن رد الهيئة عشر نقاط تناولت رداً مفصلاً على جميع الاستفسارات حول المتهم خالد حسن.
 
يواجه خالد حسن اتهامات بالانتماء إلى تنظيم ولاية سيناء الداعشى الإرهابى، ويشكل الإرهاب تهديداً حقيقياً ليس للسلام والأمن والتنمية، بل للأركان الأساسية لحقوق الإنسان، لأنه ينتهك عدداً من مبادئها، أولها وأبرزها الحق فى الحياة، الذى أكد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى المادة الثالثة أن "لكلِ فرد الحق فى الحياة والحرِية وفى الأمان على شخصه".
 
هناك مفارقة غير منطقية فيما جاء بالتقرير حول التعذيب المزعوم للمتهم خالد، حيث أنه من الطبيعى عند وجود شبهة تعذيب اللجوء للإجراء القانونى المعنى بذلك وهو مصلحة الطب الشرعى المصرى عبر طلب من محاميه للنيابة المختصة، وهو ما لم يحدث مطلقاً، والسبب الوارد فى التقرير غير منطقى ولا مقنع: فكيف لمتهم ومحاموه أن يستمعوا لنصيحة مسجونين آخرين بعدم اتخاذ إجراء قانونى من الممكن لو صح أن يبطل التحقيق مع المتهم المذكور.
 
وبالتالى فإن عدم استخدام المتهم حقه القانونى فى طلب العرض على الطب الشرعى هو مسئوليته وليست مسئولية السلطات المصرية. وهنا نشير إلى أن هذا الحق متاح للجميع، وقد شهدت المحاكم المصرية حالات مماثلة لعل أشهرها ما حدث من القياديين فى جماعة الإخوان: عصام العريان ومحمد البلتاجى اللذان زعما أمام المحكمة بأنهما تعرضا للاعتداء الجنسى، وعندما أحالت المحكمة الأمر للطب الشرعى للتحقق من صحته، تراجع القياديان.
 
تعمد التقرير ذكر بعض المصطلحات التى لم يعد لها استخدام فى مصر، مثل مصطلح "اعتقال" وهو غير صحيح ولم يعد له وجود فى القانون المصرى، وأنهته المحكمة الدستورية العليا منذ عام 2011. وهو ما يحمل معانى متعددة، منها عدم معرفة حقيقة التطورات الدستورية التى تشهدها مصر، وهو ما يتطلب ضرورة الإلمام الكامل بمختلف جوانب الموضوع الذى يتم الحديث عنه، كما يشير إلى القيام بعملية خلط وتضخيم فى إطلاق المصطلحات بهدف محاولة إحداث قدر من التعاطف الجماهيرى مع مثل هذه الحالات، والإدانة عن غير حق للسلطات المصرية.
 
افتقار التقرير إلى الدقة فى عرضه لبعض الأحداث، فهو يدعى أن المسئولين المصريين هم من طالبوا زوجة خالد بمغادرة البلاد، فى حين ورد بالخطاب الأول المرسل إلى الهيئة العامة للاستعلامات المؤرخ 23/9/2018 أن من قاموا باقتحام المنزل هم من طالبوها بالمغادرة. كما أن التقرير لم يحدد هوية المسئولين، فإذا كان متوافراً لدى المنظمة هويتهم لماذا لا تعلن ذلك، أم أن ذكر كلمة المسئولين أصبحت شائعة الاستخدام بهدف التعميم والتضليل.
 
وقد وقعت المنظمة مرة أخرى فى نفس الخطأ المتكرر فى الغالبية الساحقة من تقاريرها حول مصر، وهو الاعتماد على شهادة شفهية من تلك السيدة دون أن توفر دليلاً على صحة اتهاماتها للأمن المصرى. وفى كل الأحوال، فمن حق السلطات المصرية أن ترحل خارج أراضيها من تشاء وفقا للقانون الدولى والقوانين المحلية المنظمة لهذا الأمر، فمصر دولة ذات سيادة وهى تنظم مسألة إقامة الأجانب فى أراضيها وفقا لمقتضيات أمنها القومى فى إطار المساحة التى تتيحها القوانين المنظمة لهذا بها. ووفقاً لهذه القوانين، كان يمكن لهذه السيدة أن توكل وهى خارج البلاد محامياً للتظلم نيابة عنها أمام محاكم القضاء الإدارى فى مصر، وهو ما لم تقم به دون أن يوضح التقرير أسباب هذا.
 
 ورد فى التقرير أن هناك أحداثاً كثيرة موثقة من قبل المنظمة وأقوال المتهم "خالد" منها: تصويره للعملية التى أجريت على جرح فى ساقه وكشفه عن تفاصيل مروعة، وتقديم شكاوى من أهله للسلطات، وإطلاع المنظمة على وثائق الزوجة، هنا نتساءل لماذا لم يعرض التقرير أى شيء من ذلك، لإضفاء المصداقية عليه، وإن لم تكن كل هذه الأشياء موجودة، فإن ذلك يدعم حقيقة أنها محض افتراءات.
 
أيضا هناك ادعاء تقرير المنظمة بامتلاكها أدلة "قوية جداً" تشير إلى اختفاء المتهم خالد حسن قسرياً لمدة أربعة أشهر، بينما اكتفى بنشر صورة لورقة مكتوبة بخط اليد على أنها طلب تم تقديمه من عائلته للسلطات يوم 15 فبراير من العام الجارى. وهو ما يدفع للتساؤل عما إذا كانت هذه الأدلة موجودة بالفعل فلماذا لم يتم تقديمها للجهات المختصة للتحقيق فيها، وهو الحق المكفول للجميع. وما هو مدى قانونية ومصداقية هذه الأدلة؟ ومن الذى يحدد قوتها المزعومة من قبل المنظمة وفعاليتها فى مثل هذه الأمور؟ أم أنها مجرد ادعاءات مماثلة لصورة الطلب المزعوم المشار إليه سابقاً. ولحسم هذاالأمر فى مساراته القانونية، فإننا ندعو منظمة هيومان رايتس ووتش للتقدم ببلاغ رسمى للنائب العام المصرى لاتخاذ الإجراءات القانونية حيال هذا الإدعاء وفق ما سوف يتضمنه هذا البلاغ من أدلة وقرائن، حيث أن النيابة العامة لن تتحرك وفقاً للقانون المصرى من تلقاء نفسها دون تقديم طلب رسمى مرفق بالدلائل اللازمة التى تقول المنظمة أنها تمتلكها. ويجب التأكيد هنا أن النيابة العامة وفق دورها القانونى، تقوم بعمليات تفتيش دورى على مراكز الاحتجاز والسجون. والادعاء بوجود مراكز احتجاز بالأمن الوطنى غير صحيح وفقا لما لدينا من معلومات رسمية لأنه ببساطة مخالف للقانون، وعلى من يزعمون خلاف هذا، أن يتقدموا للنيابة العامة بما لديهم من أدلة للوقوف على حقيقة ادعاءاتهم.
 
أخيراً، لم يتطرق التقرير إلى العلاقة بين المتهم خالد حسن والسائق الذى كان يعرفه فى نيويورك وتم سؤاله عنه من جانب المباحث الفيدرالية الأمريكية فى ديسمبر 2017 قبل سفره إلى مصر. ونطالب المنظمة بالكشف عن هوية هذا الشخص، وما مدى علاقتهما ببعضهما، وإمكانية أن يكون لهذا الشخص صلات بالجماعات الإرهابية فى سوريا، وهل له علاقة بالقضية المتهم فيها خالد حسن فى مصر. وللحصول على هذه المعلومات التى تكمل الصورة الحقيقية للمتهم، يمكن للمنظمة أن تطالب السلطات الأمنية الأمريكية بالكشف عما متوافر لديها منها.
 
يضع رد هيئة الاستعلامات الشافي الوافي على تفخيخ مزاعم هيومان رايتس بين أيدينا حقيقة أننا نمتلك مؤسسات لو عملت في مسارها الطبيعي ببعض من الضمير ستجنبنا ما لا يحمد عقباه، وتنقلنا من مرحلة الدفاع المستكين إلى مرحلة الهجوم لوضع كل في حجمه الطبيعي، فكل الشكر والتقدير لما تبذله الهيئة العامة للاستعلامات وكوادرها فردا فردا وعلى رأسهم ضياء رشوان، وننتظر منهم مزيدا من الإبداع والتحرك في الملفات الحساسة لتوضيح الحقائق أمام العالم وكشف الزيف والافتراء الممنهج.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق