إزرع حبا تحصد برا

الجمعة، 02 نوفمبر 2018 05:28 م
إزرع حبا تحصد برا
شيرين سيف الدين تكتب:

كم هو مؤلم سماع خبر وفاة أب أو أم تاركين خلفهم أبناء صغار  ، أغلبنا يشعر بالأسى كلما جمعنا القدر بطفل يتيم وفاقد لأحد والديه ولكن لا يسعنا سوى الامتثال لأمر الله والدعاء لهؤلاء بأن يتولاهم الله برعايته وأن يرزقهم بذوي القلوب الرحيمة والنفوس الحنونة ، أما أن يكون هناك طفل يقاسي بسبب حنينه لأحد والديه وحرمانه منه برغم وجوده على قيد الحياة لمجرد إنتقام طرف من آخر دون وضع مشاعر ونفسية طفل صغير في الحسبان أو بسبب الأنانية فهذا هو الوجع الحقيقي الذي لا يغتفر ويدمر نفسية إنسان ويجعله يعيش في تساؤل دائم وحيرة لا تغيب ومشاعر حنقة وضغينة قد تبقى معه مادام حيا.

منذ أيام كنت أشاهد أحد البرامج التليفزيونية واستمعت لقصة حياة أو مأساة لإحدى الفنانات الشابات حول تجربة قاسية مرت بها بعد أن انفصل والداها وهي طفلة صغيرة وأخذها والدها بعيدا عن والدتها ولم ترها منذ كانت طفلة ولمدة ٢٧ سنة وشعورها بالاشتياق لحضن أمها طوال تلك المدة والمرار الذي تجرعته لسنوات طوال إلى أن وصل بها الحال إلى نسيان ملامحها حيث إنه لم يترك لها ولو صورة لأمها كي تروي بها ظمأها وحنينها لها ، وفي النهاية كانت كلمة الله هي العليا وجمعها القدر بها مرة أخرى بعد طول اشتياق .

مأساة أخرى مشابهة أدمت قلبي حين قرأتها وتأكدت من حقيقتها تعيشها سيدة شابة تعتصر ألما واشتياقا لابنها الوحيد ، حيث طلقها زوجها الذي كانت تعيش معه في إحدى دول الخليج وتزوج من صديقتها ومنع عنها طفلها الذي كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات وقامت برفع قضية حضانة لضم الطفل وحكمت لها المحكمة وحتى يومنا هذا ورغم مرور قرابة العشر سنوات لم ينفذ ذلك الزوج القاسي الحكم وأخفى الابن عن أمه في مكان لا يعلمه إلا الله ، تفاصيل القصة مؤلمة فقد أخبرها البعض أنه يعيش عند أحد أقاربه في مصر وكلما اقتفت أثره أخفوه قبل أن تصل إليه ، وما يزيد من أساها هو علمها بأن الزوج وأهله أخبروا ابنها أنها هي من تزوجت و تركته على غير الحقيقة ، لم يعد لهذه المسكينة حيلة سوى إنشاء صفحة للبحث عن ابنها على الفيس بوك مستخدمة صورته عندما تركته صغيرا وصورة استطاعت الحصول عليها من صديقة للأسرة تزعم أنها لابنها وهو في عمره الحالي ١٣ سنة في محاولة للعثور عليه  ، وبعيدا عن مشاعر الأم المكلومة ياترى كم يعاني هذا المسكين وهو بعيد عن والدته وأيضا والده الذي تركه ليخفيه في بيوت الغرباء نكاية في طليقته ، وما هو احساسه وهو يتنقل بين البيوت فاقدا للاستقرار وللحياة الأسرية السليمة ، أي ذنب اقترفه ذلك الصغير كي يكابد كل هذا العذاب ؟

قصص كثيرة مشابهة تمر علينا جميعا في زمننا الحالي فنسمع أن زوجين انفصلا وبرغم عشق الأب لأبناءه إلا أنه لا يستطيع رؤيتهم سوى مرة في الأسبوع لمدة ساعات وكثيرا ما تحرمه الزوجة وتحرم أبناءه من تلك الساعات القليلة بدافع الانتقام وهي لا تستوعب أنها تنتقم من صغارها أيضا أو أنها تستوعب ولا تكترث .

وهناك زوج يقرر الانفصال وبدء حياة جديدة بسبب أو دون سبب تاركا زوجته السابقة وأطفاله دون معين رافضا القيام بدوره كأب لهؤلاء الأطفال سواء بالإنفاق عليهم أو حتى بالسؤال والرعاية النفسية  وكأنهم لا يخصونه ، وتاركا خلفه تساؤلات لا تنتهي فماذا جنى هؤلاء كي يتخلى عنهم بهذا الشكل فحتى لو أن بينه وبين والدتهم خلافا أو أنه زهدها أو أي سبب مهما كان فما ذنبهم هم كي يحرمهم من وجوده في حياتهم ومساندته لهم في طريق الحياة الطويل ؟ وكذلك هناك حالات مشابهة لأمهات تركن أبنائهن وكأنهم لم يأتوا للحياة ولم يعيشوا في بطونهن لشهور دون أي شعور بالعطف والحنان عليهم .

أي ذنب اقترفه هؤلاء الأطفال كي يمروا بتجربة قاسية كهذه ؟ هل يعلم الآباء والأمهات معدومي الضمير كم الدمار والمعاناة النفسية التي يتعرض لها فلذات أكبادهم ؟ كيف ينام هؤلاء قساة القلوب دون الاطمئنان على حال أبنائهم ودون أن يتأكدوا أنهم فعلوا ما بوسعهم لإسعادهم وتقويتهم على مجابهة الحياة ؟ لا أعلم كيف لإنسان أن يؤذي ابنه ويذيقه مرار الأيام بهذا الشكل بسبب الأنانية أو بدافع الانتقام من الطرف الآخر .

نصيحة ورسالة لكل أب وأم إزرعوا حبا تحصدوا برا وكونوا أنتم الحظ السعيد في حياة أبنائكم ، فإن كنتم أنتم اليوم الأقوياء وبأياديكم زمام الأمور والتحكم في التصرف في حياتهم تذكروا أن الأيام تمر سريعة وسيأتي يوما تحتاجون فيه لعاطفتهم ورعايتهم وبرهم لذا فارحموهم صغارا يرحموكم كبارا ، وراعوا مشاعرهم واتقوا الله فليس للإنسان إلا ما قد سعى ، فلم يطلب منكم الطفل أن تنجبوه لهذه الدنيا ثم تقرروا أن تذيقوه العذاب  ، إن سبب وجود إنسان في هذه الدنيا بعد أمر الله هو قرار اتخذه والداه بمحض إرادتهما وعليهما تحمل مسؤولية هذا القرار وتوفير حياة كريمة وسعيدة لهذا الإنسان الذي لا حول له ولاقوة ، إن من يشعر بسوء اختياره للشريك منذ البداية أو حتى قلقه من احتمالية فشل العلاقة عليه أن يؤجل فكرة الإنجاب إلى أن يتأكد من قدرته على تكملة الحياة مع الشريك حتى لا يظلم إنسانا لاذنب له سوى أن والديه الغير متوافقين قررا تعذيب شخص جديد على هذه الأرض وتكبيده نتائج فشلهما ، أما من تبدلت بهم الأقدار واضطروا للانفصال تحت أي ظرف فعليهم اختيار مصلحة الأبناء والإبقاء على علاقة الأبناء السوية بالطرف الآخر ، والاهتمام بهم وبشؤونهم وبث مشاعر الأمان في نفوسهم حتى وإن بدؤوا حياة جديدة  .

نصيحة لوجه الله لا تموتوا في قلوب وحياة أبنائكم وأنتم على قيد الحياة .

 

 

 

تعليقات (9)
أكثر من رائع
بواسطة: Amina
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 09:01 م

أكثر من رائع ومؤثر

روعة
بواسطة: هديل
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 09:03 م

يسلم قلمك وفكرك وانسانيتك ويارب الناس تحس وتتعظ

الله الله الله
بواسطة: كاريمان
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 09:07 م

أكثر من رائع حقيقي قصص كثيرة مؤلمة فعلا يارب الاهل يشعروا ويتعظوا

مبكي المقال
بواسطة: آلاء
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 09:49 م

المقال أبكى عيوني بجد فقد مررت بتجربة مماثلة وعشت حياة قاسية بسبب اب قاسي سامحه الله . مقال متميز وأكثر من راااائع

جميل جدا
بواسطة: أحمد
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 09:56 م

مقال جميل تطرق لحالات زادت في المجتمع بشكل مخيف ومقال إنساني يذكر أمثال هؤلاء لعلهم يرجعون لرشدهم والله يهدي الجميع

لعلهم يتفكرون
بواسطة: جمال الدين
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 10:00 م

امثال هذا الأب الذي حرم زوجته من ابنها وحرم ابنه من استقراره سيجازيه الله ويعاقبه شر عقاب ولابد للقانون من عقابه واجباره على تسليم الإبن لأمه المسكينة .. لا حول ولا قوة الا بالله

موضوع من اهم الموضوعات
بواسطة: Mirette
بتاريخ: الجمعة، 02 نوفمبر 2018 10:34 م

تحياتى على اختيار الموضوع وأسلوب عرضه..هذا المقال يحتاج للإعادة كل فترة لأهميته الكبرى لعل الله يهدى به الآباء والأمهات ويرحم الأطفال الضعفاء

سلم قلم الكاتبة
بواسطة: Adel
بتاريخ: الأحد، 04 نوفمبر 2018 09:48 ص

مقال اكثر من راىع لقضية إجتماعية وانسانية مهمة .. بجد الله الله الله راااائع

ما اروع الحب
بواسطة: تافناخت ماصر
بتاريخ: الأحد، 04 نوفمبر 2018 11:36 م

احب الله و احب محمد صلى الله عليه و سلم منا احب عائلتي و الناس جميعا و لكن لن اتنازل عن القدس لليهود .

اضف تعليق