لماذا تُحاصرون طارق شوقي؟!

الخميس، 29 نوفمبر 2018 05:15 م
لماذا تُحاصرون طارق شوقي؟!
حازم حسين

 

لسنوات طوال ظلّ السؤال الحاضر دائمًا: نملك نظامًا تعليميًّا رديئًا ومُتخَمًا بالمشكلات، فلماذا لا نعمل على تطويره؟! والمفارقة أنه حينما بدأ العمل على التطوير، كان أصحاب السؤال أول المُعترضين!

المُتابع لملفّ التعليم يعلم بالضرورة أن الوزارة تُعاني مشكلات موروثة لا حصر لها، ولعقود مُتتابعة ظلّ ملف التعليم حقلاً للتجارب، بين وزارة فتحي سرور أو وزارة حسين كامل بهاء الدين، وما تلاهما من وزراء وصولاً للدكتور الهلالي الشربيني، وبين إلغاء الصف السادس الابتدائي فإعادته ثم إلغاؤه ثم إعادته، أو تطبيق نظام السنة الواحدة في الثانوية العامة ثم تحوُّلها لنظام السنتين، وتطبيق آلية التحسين ثم إلغاؤها، وغير ذلك من التفاصيل العديدة التي تبدّلت كثيرًا حتى أتعبت التلاميذ وأولياء الأمور والمُعلِّمين، وأثّرت على العملية التعليمية برُمَّتها، وخصمت من جودتها، وحاصرت المستقبل وما يُفترض أن تُوفِّره ماكينة التعليم من مُخرجات تربوية ومعرفية ومهارية، تُعظّم إمكانات الطاقة البشرية، وتُعزّز اكتفاء سوق العمل باحتياجاته من العناصر الجاهزة والمُعدَّة بشكل جيد.

وسط هذا المناخ المُرتبك والمشحون بعشرات التفاصيل المُتناقضة والمُتضاربة والمُتبدّلة بين وقت وآخر، ومع مناهج تحتفي بالحفظ والتلقين على حساب المعرفة وتنمية المهارات، تحوّلت العملية التعلمية إلى سباق لاقتناص الدرجات، وبورصة مفتوحة لتحصيل مقعد في كلية أو جامعة بعينها، بعيدًا عمّا يُمثّله هذا المقعد من انعكاس على قُدرات المُتعلّم وكفاءته. تعمّقت مدرسة الحفظ والتلقين، وازدهرت الدروس الخصوصية، ونشأت على تخوم هذه الحالة ظواهر سلبية عديدة، في مقدّمتها الاستغناء عن دور المدرسة كمؤسَّسة تعليمية وتربوية، وشيوع ظاهرة الغش وتسريب الامتحانات، وتراجع دور المعلم التعليمي والتربوي، ونتيجة كل هذا تراجع موقع مصر على مؤشِّرات جودة التعليم العالمية، واهتزّت مُخرجات العملية التعليمية، وسادت حالة من الاستهتار وانعدام الكفاءة وسط المُعلِّمين والطلاب على حدّ السواء، وأصبح الأمر كارثة حقيقية تستوجب البحث عن وقفة جادة مع الواقع الراهن، ورؤية عميقة ومُتماسكة لصياغة المستقبل القريب وبعيد المدى.

في خضمّ هذه المشكلات وحالة الفوضى العارمة، جاء الدكتور طارق شوقي برؤية جديدة ومُتماسكة لتطوير التعليم، بدأت الوزارة العمل عليها قبل سنتين من الآن، وتسارعت وتيرة العمل مع اختيار "شوقي" وزيرًا للتعليم في التعديل الأخير الذي شهدته حكومة المهندس شريف إسماعيل في فبراير 2018. وخلال الشهور الأخيرة أعلن وزير التعليم وفريقه عن رؤية شاملة ومُتكاملة لتطوير التعليم المصري، تستند إلى جناحين كبيرين للتحليق بهذا الجسد الضخم - وزارة التربية والتعليم بمنشآتها ومُعلِّميها وطُلابها - انطلاقا من خُطّة الدولة "رؤية مصر 2030". لكن كانت المشكلة الحقيقية في شبكات المصالح، وفي الحسابات الشخصية لدى بعض الأطراف، والتي كانت سببًا في أن ينقلب أصحاب سؤال "لماذا لا نُطوّر التعليم؟" على تساؤلهم ومطلبهم، عندما لم يستوعب بعضهم الرؤية الجديدة، أو شعر بعض آخر بأن مصالحه قد تكون مُهدّدة.

تقوم فلسفة النظام الجديد على مسارين: الأول هو إصلاح وترميم النظام القائم لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه بالنسبة للطلاب الذين قطعوا شوطًا في التعليم مع النظام القديم، وذلك عبر تطوير المناهج وآليات التدريس والامتحان بدءًا من الصف الأول الثانوي، والثاني صياغة نظام تعليمي جديد ومغاير لما اعتادته الأجيال المتلاحقة من المُتعلّمين، ينتصر للمعرفة والتأسيس العقلي المنطقي والرهان على الأنشطة والمهارات العملية الفعالة، بديلاً عن الحفظ والتلقين وفلسفة اصطياد الدرجات واللحاق بمقاعد جامعية لا تُلبّي تطلعات الطلاب ولا تتوافق مع مواهبهم وقدراتهم.

بدأ النظام الجديد في العام الجاري بثلاث سنوات (رياض أطفال 1 - رياض أطفال 2 - الصف الأول الابتدائي) على أن تتلاحق مراحل النظام مع تلاميذ هذه الصفوف وصولاً للعام 2027، الذي يصلون فيه للمرحلة الثانوية بنظامهم التعليمي الجديد. وفي إطار هذه الرؤية أعدَّت التعليم مقرّرات دراسية جديدة من خلال مركز المناهج بالوزارة، بالتعاون مع عدد من المؤسَّسات العلمية والبحثية العالمية، ووفَّرت مكتبة ضخمة من المراجع والكتب والدروس والتطبيقات والمواد المُصوَّرة، من خلال موقع بنك المعرفة، مع تعزيز هذا النظام بآليات تقنية تتمثَّل في ربط المدارس بشبكة اتصالات حديثة تُمكّن الطلاب من الولوج إلى هذه المكتبة الضخمة بأجهزة الحواسب اللوحية "تابلت" الخاصة بهم، وأداء الامتحان من خلالها دون تدخُّل للعنصر البشري، وبما يضمن القضاء على ظاهرة الغشّ بشكل كامل، ومُتابعة الفصول من خلال شبكة كاميرات تُغطِّي كل المدارس، وتوفير شاشات ضخمة في كل الفصول لعرض المُقرَّرات الدراسية والمواد المُصوَّرة، وممارسة الأنشطة والمهارات المختلفة داخل الفصول وتحت إشراف المعلمين.

بجانب الخطوط العريضة السابقة، عرض الدكتور طارق شوقي عشرات التفاصيل الفنية والعملية الخاصة بالنظام الجديد، خلال زيارة مجلسي تحرير صوت الأمة واليوم السابع للوزارة بعد ظهر أمس الأربعاء، وهو اللقاء الذي امتدّ لأكثر من ثلاث ساعات (ننشر نصّه الكامل لاحقًا) كانت مليئة بالرؤى والأفكار الطموح، وبالخطط الفنية والتنفيذية المُصمَّمة وفق آليات تربوية وعلمية حديثة، وهو الأمر الذي يدعو في مجمله إلى التفاؤل والرهان على هذه الرؤية، ليس فقط لأنها المرة الأولى التي تبدو فيها الوزارة مُمسكةً بملفّ التعليم بشكل شامل ووافٍ ومُقتدر، دون ارتجال أو تحرُّكات عشوائية، وأيضًا ليس لأن نظامنا التعليمي الحالي وصل إلى حالة من السوء والتردّي تكفي لأن تكون أيّة خطوة جديدة هي بالضرورة خطوة إيجابية واتجاهًا للإصلاح والتحديث، ولكن لأن ما تستند إليه فلسفة النظام الجديد فكريًّا، وما قطعته الوزارة من خطوات جادة عمليًّا، يؤكّدان بما لا يدع مجالاً للشكّ أن التجربة جادة هذه المرة، وأن الأمر ليس من قبيل الوجاهة والنشاط الدعائي و"الشو". وبالفعل يُمكننا الجزم الآن بأن لدينا رؤية حقيقية لإصلاح التعليم، لو خلصت النوايا، وتخلّي أصحاب المصالح عن الانتصار لمصالحهم، ومحاولاتهم المتواصلة للتضحية بالمستقبل بكامله انتصارًا للإبقاء على مكاسبهم الشخصية.

العقبة الأكبر في مسار النظام الجديد ربما تكون في بعض فئات المُعلِّمين، وهم قلّة بالتأكيد، ممن يستشعرون الآن أن مراكزهم المعنوية والمادية، المُتوفِّرة بفضل ثغرات النظام القديم ومشكلاتهم العميقة، أصبحت مُهدّدة بقوّة، مع التحوّل من فلسفة الحفظ والتلقين إلى فلسفة المعرفة والنشاط والمهارات الفردية والجماعية، ما يُعني أن "سبوبة الدروس الخصوصية" لن تجد لها موطئ قدم في هذه البنية الجديدة، ولن يكون الطالب في حاجة لمن يُلقّنه الدروس أو يضع يديه على أسئلة الامتحان المُتوقَّعة، إذ سيصبح الأمر برُمّته موكولاً لما سيُحصّله الطالب من معرفة ومهارة، وسيرتبط تقديره ومساره الجامعي بأدائه العقلي وحصيلته المعرفية وما يملكه من مهارات. ووفق هذا التحوّل الجذري فمن المنطقي أن يرفض أصحاب المصلحة من مُعلِّمي الدروس الخصوصية النظام الجديد، وأن يعملوا على شحن أولياء الأمور وإشاعة حالة من البلبلة والريبة بشأن رؤية الوزارة وخُطط عملها.

ربما يكون لدى الوزارة قدرٌ من القصور في الترويج لنظام التعليم الجديد، وشرحه للمُعلِّمين وأولياء الأمور ووسائل الإعلام، وخلال اللقاء أقرت إحدى قيادات مركز تطوير المناهج بأن جهودهم لشرح وترويج النظام الجديد تحتاج مزيدًا من التكثيف والانتشار والفاعلية، لكن الحقيقة أن هذا القصور ليس السبب الوحيد وراء حالة الشحن التي تُغذّيها مراكز من داخل الوزارة وخارجها ضد النظام الجديد، والوزير طارق شوقي. يرتبط الأمر في جانب منه بقلق طبيعي لدى أولياء الأمور، وعدم استيعاب للآثار الإيجابية لهذا النظام على معارف أبنائهم، فضلاً عن ارتياحهم لما اعتادوا عليه من سباق على الدرجات واقتناص للمقاعد الجامعية بالدروس والحفظ، وربما بالغشّ أحيانًا، وفي جوانب أخرى يرتبط بشبكات مصالح واسعة من المُعلِّمين وأصحاب مراكز الدروس الخصوصية ودور النشر الخاصة التي تُصدّر المُلخَّصات والكتب الخارجية، وهي أيضًا لن يكون لها مكان في النظام الجديد.

مُلخّص الحالة الراهنة، أنَّنا نقف إزاء وزارة تُجاهد للخروج من ميراث التردّي والترهُّل القديم، وتتسلّح لهذه المهمة برؤية جديدة ومُتماسكة، وخُطّة عمل مُعدّة بعناية، وفق مقاييس علمية وفنية وتربوية حديثة، ونظام تعليم جديد جرى بناؤه بآليات خاصّة تُراعي طبيعة المدارس والمُعلّمين والطلاب في مصر، وليس نظامًا مُستوردًا من الخارج في صورة نهائية جاهزة. لكن على الجانب المقابل لهذه الخُطط والجهود والأفكار، هناك أطراف ما زالت قابضة على ميراثها القديم، ومُصرّة على العناد ومحاولة قطع الطريق على المستقبل، بعضها يدفعه سوء الفهم أو قصور الاستيعاب، وكثير منها تُحرّكه الأهواء والمصالح الشخصية، وفي سبيل هذا يستميتون في حصار الوزارة والوزير، وهم الذين ظلّوا سنوات طويلة يشكون ويتأفّفون وينتقدون النظام التعليمي القديم، الذي تجاوزه العصر وتقنياته، وما زال فريق منهم حتى الآن يتحدّثون عن تراجع حالة التعليم، وعن ضرورة تطوير الفلسفة التربوية والتعليمية في مصر، ولو أخلصوا في أحاديثهم ورؤاهم، وكانوا ساعين حقًّا للتطوير، والبحث عن المستقبل، وبناء جيل جديد بأُطر معرفية ومهارية مُتطوِّرة وعصرية، لبادروا بالحوار والنقاش والاستماع للوزير والاشتباك مع رؤاه، وإفادتها والاستفادة منها، والاجتهاد لفهم النظام الجديد واستيعابه وتسويقه للطلاب وأولياء الأمور، ومساندة الوزارة في التخلُّص من سلبيات الماضي، والخروج إلى المستقبل بعقل مُنفتح وجسد خفيف وقادر على الحركة، لو أخلصوا وكانوا صادقين فعلاً ما حاصروا وزير التعليم!

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق