قصة زواج السياسة بكرة القدم الأفريقية

الجمعة، 21 يونيو 2019 05:00 م
قصة زواج السياسة بكرة القدم الأفريقية
ناصر يفتتح الاستاد
عادل السنهوري

بدأها جمال عبدالناصر فى تأسيس البطولة واستغلها الزعماء التاريخيون لدعم التحرر والاستقلال

كأس الأمم الأفريقية.. درة التاج للعبة الأولى فى القارة السمراء لم تكن بعيدة أيضا عن السياسة ولعبت دورا سياسيا مهما فى توحيد دول القارة وتقارب شعوبها.. بل كانت إحدى الأدوات أو ما يسمى « بالقوة الناعمة» فى تحرر الدول الأفريقية وفى دعم وتكريس مكانة زعماء القارة.
 
استضافة مصر للبطولة فى نسختها رقم 32 خلال الشهر الجارى تعيد للذاكرة المصرية والأفريقية وهج البداية وبريقها السياسى مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.. كما أنها تأتى فى موعدها الحالى مع القدر.. فمصر بقيادة الرئيس السيسى تترأس الاتحاد الأفريقى وتتولى شئون القارة وتستضيف فعاليات أفريقية كثيرة من أسوان للقاهرة إلى شرم الشيخ.
 
فالبطولة لها مذاق خاص فى مصر منذ ضربة البداية الأولى وحتى انطلاقها بالأمس فى استاد القاهرة وهو استاد ناصر الذى افتتحه الزعيم الراحل عام 1960.. فهى ليست مجرد بطولة فى كرة القدم وإنما هى حالة أفريقية خاصة.. حالة حنين وفرح تمتزج فيها الذكريات الجميلة للآباء المؤسسين مع واقع عودة القارة إلى أحضان مصر.. وما أدراك ما مصر يا أفريقيا.
 
السياسة كانت حاضرة وبقوة فى تنظيم البطولة وتأسيس الاتحاد الأفريقى لكرة القدم وقبل تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية - تأسست عام 64 - والتى أصبحت لاحقا الاتحاد الأفريقى.. فالزعيم الراحل جمال عبدالناصر هو أول زعماء القارة السمراء الذين ربطوا الرياضة بالسياسة، حيث كان يرى أن الرياضة فرصة لتقارب الشعوب، خاصة كرة القدم التى تحقق المتعة للجمهور وتقرب بين الشعوب الأفريقية، فكلف مسئولى الرياضة المصرية بالاهتمام بتعميق العلاقات مع شعوب أفريقيا عن طريق اللعبة الشعبية الأولى.. لم يكن ناصر مقتنعا بأن تظل الكرة المصرية بين الأهلى والزمالك، بل كان مقتنعا بأن الكرة ستكون هدية مصر للقارة السمراء، ولذلك كانت بطولة كأس الأمم الأفريقية هى أحد أفكار جمال عبدالناصر، عندما كان يفكر فى أشياء تجمع القارة وشعوبها وزعماءها من حوله.
 
مصر لعبت دورا كبيرا فى إقامة البطولة الأفريقية أول مرة عام 1957 فى السودان والتى فازت بها مصر، ولعب ناصر دورا مهما، وكان الدافع له فى ذلك هو اقتناعه بدور الرياضة السياسى فى خلق علاقات قوية بين مصر والدول الأفريقية. 
 
وصدر التكليف من الزعيم للمسئولين عن الكرة بالاهتمام بأفريقيا لتعميق علاقات مصر الأفريقية عن طريق الكرة، وبالفعل فى 8 يونيو عام 1956 يجتمع عبدالعزيز سالم، أول رئيس للاتحاد الأفريقى، ومحمد لطيف ويوسف محمد، مع الأشقاء السودانيين عبدالرحيم شداد وبدوى محمد وعبدالحليم محمد، والجنوب أفريقى وليم فيل فى فندق بمدينة لشبونة عاصمة البرتغال، لوضع الخطوات الفعلية لتأسيس الاتحاد الأفريقى لكرة القدم.
 
ونجحت السياسة فى توظيف كرة القدم لخدمة الشعوب الأفريقية وخدمة السياسة المصرية وقوتها الناعمة، وتم تنظيم أول بطولة لكأس أمم أفريقيا فى السودان فى شهر فبراير عام ١٩٥٧، ولم تشارك فيها إلا ثلاث دول فقط هى مصر وإثيوبيا والسودان، وحرص عبدالناصر على إقامتها فى السودان لتقوية العلاقة بين البلدين.
 
وفى عام ١٩٥٩، أقيمت البطولة الثانية بمشاركة نفس الدول الثلاث فى القاهرة، وحصلت مصر على اللقب بعد الفوز على السودان بهدفين مقابل هدف وهى آخر بطولة كرة قدم تحرزها مصر فى عهد الرئيس الراحل وأقيمت هذه البطولة على استاد النادى الأهلى.. استاد مختار التتش بالجزيرة.
 
ورأى عبدالناصر أن البطولة وأفريقيا تستحقان أكثر من ذلك فأصدر أوامره بإنشاء استاد القاهرة الرياضى وافتتحه بنفسه عام 1960، فى عيد الثورة الثامن، ليصبح أشهر استاد مصرى وأفريقى قائلا «باسم الله نفتتح جميعا هذا الملعب، ونشعر بالحمد فى عيد الثورة الثامن، الحمد لله الذى أعاننا على أن نسير فى طريقنا لنبنى هذا البلد كما نريد».
 
فى السبعينيات ومع تراجع اهتمام السياسة المصرية بأفريقيا تراجع دور كرة القدم فى أفريقيا حتى أن مصر خسرت البطولة التى أقيمت على أرضها فى عام 74 أمام زائير بثلاثة أهداف مقابل هدفين. 
 
ملاعب كرة القدم فى أفريقيا لم تكن على مدار السنوات الماضية مجرد ميادين رياضية وحسب بل تحولت إلى ميادين لمعارك حقوقية وسياسية، فضلا عن قضايا الهوية الوطنية والأيديولوجية والعرقية، وقد استغل الكثير من الزعماء الأفارقة الشعبية الكبيرة التى تحظى بها كرة القدم فى القارة لتوظيفها فى حال فوز فرقهم لتحقيق مصالحهم أو الترويج لسياساتهم أو لإلهاء الشعوب عن تردى الأوضاع الاقتصادية وقمع الحريات بالانغماس فى تشجيع فرقهم الوطنية.
 
وبالرجوع والتفتيش فى دفاتر التاريخ نجد أن الاستعمار الأوروبى اهتم بكرة القدم فى أفريقيا كمحاولة للتقرب مع شعوبها، وكانت البداية عام 1880 ومع انتشار خطوط السكك الحديدية، أدخل الفرنسيون والبريطانيون والبرتغاليون والإسبان لعبة كرة القدم، التى كان بحارة السفن الأوروبية الراسية فى سواحل أفريقيا أمهر لاعبيها فى ذلك الزمن.
 
كانت اللعبة تمارس إما فى المدارس والماريستانات التابعة للكنائس وبإشراف من الإكليروس، وإما داخل الثكنات العسكرية بإشراف عسكرى مباشر، ولأنه مشبع بذاته، سمح المستعمر بتلقين الأهالى الأفريقية مبادئ اللعبة الرياضية، ومن الطبيعى أن تكون المستعمرات البريطانية أولى المستعمرات التى تنتشر فيها الكرة الجلدية.. ومصر كانت أولى هذه المستعمرات، لكن بدلا من أن تكون الكرة وسيلة إلهاء، دعمت الحركات الوطنية اللعبة وأصبح لكرة القدم بأفريقيا دور ريادى فى المعارك الوطنية من أجل الاستقلال.
 
ومع الحرب العالمية الثانية كان حب كرة القدم المستديرة قد ترسخ فى كل بقاع أفريقيا، وانتشرت ممارسة كرة القدم وبالتالى لم تعد كرة القدم محصورة على فئة السكان البيض بل تحولت إلى السكان الأفارقة، وحتى الزعماء الوطنيون كانوا يجدون داخل الملاعب الآهلة بالجماهير وحشود المتفرجين أماكن مناسبة للاختباء والتعبئة والاستقطاب.
 
اهتمام عبدالناصر بكرة القدم فى الخمسينيات لفت انتباه باقى زعماء القارة للاهتمام بها واستخدامها لتحقيق حلم الوحدة الأفريقية، ففى عام 1959 قرر الزعيم الغانى نكروما تسمية المنتخب الغانى سنة 1959 «النجوم السوداء» تأكيدا لهوية البلاد ومن أجل تطوير الوحدة الأفريقية عبر الرياضة، وبالمثل اتخذ الجنرال موبوتو سيسى سيكو الذى تولى السلطة فى نوفمبر 1965 إجراءات جذرية لتطوير كرة القدم فى زائير سابقا (الكونغو الديمقراطية حاليا) ألزم بموجبها جميع اللاعبين الكونغوليين الذين يلعبون فى بلجيكا باللعب فى الفريق الوطنى، وأعيدت تسمية الأسود الكونغوليين بـ«النمور» وبسبب هذه الإجراءات حصل المنتخب الوطنى على بطولة الأمم الأفريقية سنة 1970.
 
واتبع سيكوتورى، وهو من المؤيدين المخلصين للوحدة الأفريقية، الخطى التى اتبعها نكروما وازدهرت الرياضة خلال عهد أول رئيس لغانا وتأهل المنتخب الوطنى الغانى لكرة القدم لدورة الألعاب الأولمبية سنة 1968 التى أقيمت فى مكسيكو، وخسر بفارق ضئيل نهائى بطولة الأمم الأفريقية التى أقيمت فى إثيوبيا سنة 1976.
 
وكان سيكوتورى أكثر احتفاءً بنادى هيفيا كوناكرى غينيا الذى أنشأه الحزب الديمقراطى الغينى السابق سنة 1967 وأوضح سيكوتورى أن هيفيا «يلعب من أجل الثورة الديمقراطية فى أفريقيا» بين الأندية الكبيرة فى القارة.
 
لذلك فلم يكن من قبيل الصدفة أن يحمل الكأسين الأوليين الأفريقيين للأندية البطلة اسما كوامى نكروما وأحمد سيكوتورى.
 
وفى سنة 1972 أعلن رئيس الكونغو برازافيل، لاعبى المنتخب الوطنى لكرة القدم أبطالا متطوعين عند فوزهم بكأس الأمم الأفريقية التى نظمتها الكاميرون المجاورة.
 
وكان الرئيس الأول لزامبيا بعد الاستقلال كينيث كاوندا لاعب كرة قدم وحكما سابقا، وعادة ما كان يأخذ وزراء حكومته لأداء مباراة كرة قدم ويتولى هو مهمة التحكيم، وقد استثمرت حكومته بشكل كبير فى كرة القدم، حيث أنشأت المدارس الرياضية والأندية المحلية والمنتخب الوطني، وكان كاوندا يحاول استخدام الرياضة فى خلق هوية وطنية واحدة ودعم أيديولوجيته الإنسانية.
 
انتقلت الخلافات السياسية بين الدول إلى ملاعب كرة القدم، فقد غابت نيجيريا عن كأس الأمم الأفريقية عام 1996 والتى نظمتها جنوب أفريقيا، وقالت نيجيريا حينها إنها لم تشارك لأسباب أمنية إلا أن السياسة كانت فى الواقع هى المسيطرة، حيث قام النظام العسكرى النيجيرى فى ظل حكم الجنرال سانى أباتشا، بإعدام النشطاء المطالبين باحترام حقوق الإنسان وعلى رأسهم كين سارا ويوا، وقد أدان نيلسون مانديلا هذا العمل البربرى، وكان رد فعل سانى أباتشا أن قرر انسحاب المنتخب النيجيرى لكرة القدم من منافسات كأس الأمم الأفريقية عام 1996.
 
كما أن الرئيس الأوغندى عيدى أمين شجع كرة القدم، حيث ساند منتخبه الوطنى الذى وصل لنهائيات كأس الأمم الأفريقية، وكان يرى أن هزيمة فريق تنزانيا على يد منتخب بلاده الوطنى تعادل هزيمة تنزانيا فى ساحة القتال، ولعل من غرائب أطوار أمين أنه أمر بسجن لاعب كرة أحرز هدف الفوز على فريق الجيش سيمبا الذى يشجعه عيدى أمين.
 
وكانت كرة القدم أيضا ساحة للتعبير عن المواقف السياسية، ومن أشهر هذه المواقف ما قام به اللاعب محمد أبو تريكة فى كأس الأمم الأفريقية عام 2008، عندما عبّر عن رفضه للانتهاكات الإسرائيلية ضد أهالى غزة، فقام بكتابة عبارة تعاطفا مع غزة أسفل التى شيرت الذى يرتديه وعقب إحرازه هدفا فى مرمى السودان اتجه للكاميرات ورفع التى شيرت لتظهر عبارة «تعاطفا مع غزة».
 
فى المقابل قام اللاعب الغانى جن بنستيل خلال مباراة منتخب بلاده أمام التشيك فى كأس العالم 2006 برفع علم إسرائيل خلال هذه المباراة التى فازت فيها غانا، وقد أثار ذلك السلوك استفزاز العالم العربى والإسلامى والدولى أيضا، حيث إنه رفع علم دولة لا يلعب باسمها مع احتلالها للأراضى الفلسطينية.
 
كما استخدم زعيم المعارضة فى الجابون إقامة بطولة الأمم الأفريقية الأخيرة فى بلاده، ودعا الجماهير لمقاطعة مباريات كأس الأمم التى تنظمها بلاده احتجاجا على تزوير الانتخابات التى فاز بها الرئيس على بونجو.
 
حتى فى قمة القادة الأفارقة رقم 28 فى أديس أبابا فى يناير 2017 لم تقتصر مشاورات ومداخلات القادة على القضايا السياسية فى ظل المتغيرات الدولية والإقليمية.. ولكنها امتدت إلى «كرة القدم»، حيث ندد رؤساء دول وحكومات بلدان الاتحاد الأفريقى بالحقوق غير «المدروسة» للبث التليفزيونى لكأس أفريقيا للأمم لكرة القدم التى جرت بالجابون.
 
وسجل القادة الأفارقة فى لائحة تمت المصادقة عليها خلال القمة «التنديد بشدة وصرامة بالإجحاف والظلم الممارسين فى حق الشباب الأفريقى، فى الوقت الذى تحتفل فيه القارة السمراء بأحد أهم الأحداث الرياضية، والأكثر استقطابا وصيتا، وهى كأس أفريقيا للأمم لكرة القدم».
 
وأعرب زعماء وقادة الدول الأفريقية، عن بالغ الأسف كون «شعوبنا فى أفريقيا جمعاء يجدون أنفسهم محبطين، لأنهم منعوا من متابعة هذه اللحظات الرياضية الأفريقية المليئة بالفرح والغبطة بسبب الموقف الاحتكارى والتجارى المحض الذى تفرضه اللوبيات وقوى المال الدولية على التحكم المباشر فى حقوق البث التليفزيونى».
 
إنها كرة القدم بسحرها وبريقها ووهجها التى أجبرت السياسة على الزواج بها فى العالم وفى أفريقيا أيضا.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا