موسم التجارة الطائفية

السبت، 22 يونيو 2019 03:00 م
موسم التجارة الطائفية
يوسف أيوب يكتب:

نشأت فى محافظة المنيا، حيث تتجاور الكنائس والمساجد، وتتعانق المآذن والأجراس، لا فرق بين مسلم ومسيحى، فالجميع نشأ فى بيئة واحدة، وجمعتهم مدرسة واحدة، الفارق الوحيد أن وقت الصلاة يذهب المسلم للمسجد، والمسيحى للكنيسة، وفى المناسبات الاجتماعية، مثل الأفراح وصلاة الجنازة، اعتدنا أن نرى قسيسًا فى محراب المسجد، ولم نسمع قط اسم «الطائفية» أو التفرقة العنصرية أو غيرها من المصطلحات الغريبة.
 
هى كلمة أو مصطلح غريب على مجتمعنا المتشبع بالمواطنة، والذى لا يعترف مطلقًا بمثل هذه الحوادث، لذلك أجد الكثير من المصريين وهم فى حالة استياء خلال متابعتهم لوسائل التواصل الاجتماعى وما يكتب حول بعض الحوادث المصنفة بأنها «طائفية»، رغم أنها فى الأساس جنائية، لكن يجرى التسويق لها إعلاميًا على أنها بوادر لفتنة، ومن خلال تتبع كل ما يكتب عنها أجد أن الكل يسعى لتحقيق مكاسب شخصية دون البحث عن جذور المشكلة أو محاولة حلها، فالتسخين هو اللهجة السائدة، دون تقصى الحقيقة، أو حتى التعامل بمبدأ الحيادية، فالكل يحركه هدف واحد، وهو الانتصار لرأى ولجماعة، حتى ولو كانت على خطأ، المهم أن يكون لكل واحد نصيب فى كعكة الخناقة.
 
أتابع خناقة على فتاة مسيحية أسلمت، أو وضع اسم شهيد مسيحى على مدرسة، وأتعجب لماذا وصلنا إلى هذا الحال، ويزداد تعجبى حينما أرى شخصيات تقول إنها مدنية وتقف فى صف دولة القانون، تسير فى نفق الطائفية من خلال بوستات أو تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعى، تحمل فى طياتها لغة التحريض والتهديد والوعيد، وهى لغة ما كان لتخرج من هذه الشخصيات، لكن يبدو أن لعنة الشهرة والبحث عن المزيد من اللايكات والتعليقات على منشوراتهم، جعلتهم ينزلقون إلى هذا المستنقع.
 
المؤكد أننا بالفعل نواجه حوادث مثل تلك، لكن المؤكد أيضًا أن التعامل وطريقة التعاطى معها هو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام، فمثل هذه الحوادث تتكرر وستتكرر كثيرًا دون أن يكون لها أدنى علاقة بالدين، لأننى وكثيرين غيرى على يقين بأن مَن يعترض على بناء كنيسة أو إطلاق اسم شهيد مسيحى على مدرسة أو غيرها ليس له علاقة بالدين، وكل علاقته بالإسلام مجرد صفة مكتوبة فى بطاقة الرقم القومى، وكذلك المسيحى، لكن ما يحدث أننا مجتمع يعانى من ثقافة الرفض والاعتراض لمجرد الظهور، ويساعدهم فى ذلك وجود مَن يريدون إشعال النيران، وليس إخمادها، من خلال تويتات وبوستات على السوشيال ميديا تزيد التوتر.
 
المتتبع لما يكتب وينشر على وسائل التواصل الاجتماعى وتحديدًا عن الحوادث التى يكون أحد أطرافها مسيحى، سيجد أننا أمام حالة غريبة، حالة تؤكد أن هناك عقولًا تعفنت وقلوبًا تحجرت، لأنها خرجت عن إطار المنطق والمعقول، وسارت فى طريق التضليل والتضخيم.
 
السؤال البديهى هنا: لماذا نهرب من القانون.. لماذا لا يطبق القانون على المخطئ أيًا كان.. لماذا لا نحاسب المحرضين.. وإلى متى سنترك السوشيال ميديا ساحة للتحريض؟.. أقول ذلك لأن المحرضين للأسف الشديد باتوا كثيرين، ويظهرون على وسائل التواصل الاجتماعى بصفات متعددة، مرة بصفة ناشط سياسى وآخر قبطى، وهدفهم فقط الابتزاز السياسى والبحث عن شهرة قاتلة حتى وإن جاءت على جثث الأبرياء.
 
ألا يعلم هؤلاء المحرضون على وسائل التواصل الاجتماعى أنه لا فارق بينهم وبين من اعتدى على مسيحى أو منع بناء كنيسة.. نعم كلكم متطرفون.. كل منكم يريد الانتصار لمنطقه بطريقته، حتى وإن كانت النتيجة هى تغييب القانون، وأن تسود العصبية والفتنة.
 
ألا يعلم هؤلاء أنه لا توجد فتنة، وإنما عقول مريضة يستوى فيها الأمى والمتعلم، فكلاهما تغذى على أفكار فاسدة!
 
ندائى إلى كل هؤلاء النشطاء والسياسيين والباحثين، وغيرهم ممن سيستهويهم مستقبلًا الهوس الطائفى، ندائى لكل هؤلاء أنه إذا كنتم تريدون فعلًا القضاء على كل القضايا الطائفية، فلماذا لا تبحثون عن الحلول، بدلًا من تصدير المشكلة، خاصة أنكم جزء من المشكلة من خلال كتاباتكم التحريضية، أخذًا فى الاعتبار أن مَن يكتبون لهم صفات سياسية، فمنهم نائب برلمانى، وآخر سياسى، وثالث كاتب صحفى، فهؤلاء إذا ما قرروا تخصيص كتاباتهم للم الشمل لما تكررت مثل هذه المشاكل.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق