تعرف إيه عن «السبلايز» يا واد يا مزيكا؟

الجمعة، 06 سبتمبر 2019 01:22 م
تعرف إيه عن «السبلايز» يا واد يا مزيكا؟
أيمن عبد التواب

ويسألونك عن السبلايز، قُلْ: فيه تصفية لجيوب أولياء الأمور، وحرق دمائهم، ومنافع لمافيا المدارس الخاصة، وأصحاب المحلات والمكتبات!
 
مع بداية العام الدراسي الجديد، تواجه الأسر المصرية أعباءً كبيرة.. فإضافة إلى المصروفات الدراسية التي أصبحت في متناول الثري الخليجي، ومصاريف الزي المدرسي، التي أضحت في متناول تجار المخدرات، ابتكر أصحاب المدارس الخاصة شيئًا جديدًا يرهقون به أولياء الأمور.. هذا الشيء يسمى «السبلايز»، أي طلبات ومستلزمات الدراسة، ولكن بلغة الفرنجة!
 
مسكين جيلنا، جيل السبعينات، والأجيال السابقة له، وبعض الأجيال اللاحقة.. ففي زماننا، زمن التعليم المجاني الذي كان كالماء والهواء، كما كان يحلم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، كنا نذهب إلى المدرسة بقلم رصاص أو قلم جاف فقط، وكانت الوزارة تتكفل بإعطائنا الكراريس والكشاكيل ذات الجلد الورقي الأحمر، المكتوب عليه بعض المعلومات العامة، أو مجموعة من الحِكم والأقوال المأثورة.
 
لم نكن نعرف شيئًا عن «اللانش بوكس»، أو «اللانش باج».. وكنا نعتبر هذه الأشياء من أعمال السحر السفلي، أو رجس من عمل الشيطان.. وكانت «الباج» الرسمية لنا «مِخلة»، وهي عبارة عن حقيبة مصنوعة من القماش الدبلان أو الدمور الأبيض، لكن بفضل ساندوتش الطعمية، الذي كان يتحرك بمنتهى الأريحية في الشنطة، دون أن يحتويه كيس بلاستيكي، أو تضمه لفافة ورقية؛ كانت الحقيبة تتحول- من كثرة البقع- إلى لوحة سريالية تسوء الناظرين، وتنافس لوحات الفنان الفذ فاروق حسني!
 
بل أتذكر أنني عندما خرجت عن «العرف المجتمعي» السائد- حينذاك- ودخلت الصف الأول الابتدائي بحقيبة مصنوعة من «الجلد»، لم أعد بها سليمة إلى البيت، إذ تكفل بعض الزملاء بها، وانهالوا عليها تقطيعًا بأمواس الحلاقة، كما لو كانوا يقطعون جسد جندي إسرائيلي، أو أحد أولياء الشيطان الفاسدين!
 
الآن، وفي زمن التعليم الذي أضحى كالمياه «المعدنية»، والهواء «المفلتر»، أصبحنا نسمع ونرى قائمة بالطلبات والمتطلبات التي تشترطها كل مدرسة على التلاميذ، مع بداية العام الدراسي، وكثير من هذه الطلبات تتجاوز أسعارها ألف وخمسمائة جنيه، غير شاملة «الباج» يعني شنطة المدرسة، التي تجاوز سعرها 800 جنيه، ولا «اللانش باج» الذي تجاوز 350 جنيهًا، ولا «اللانش بوكس» الذي تجاوز 150 جنيهًا، ولا الزمزمية السحرية التي تجعل العجوزة صبية! 
 
بالأصالة عن نفسي، وعن أسرتي، فقد نجانا الله- عز وجل- من جحيم «السبلايز»، ليس لأن أولادي أنهوا تعليمهم، بل لأنهم لا علاقة لهم بالمدارس الإنترناشيونال، ولا اللغات، ولا الخاصة.. فأبنائي- حفظهم الله- يرتبطون بكل ما هو حكومي، ليس عن حب، بل عن فقرٍ نتمنى الفكاك من أسره.. لكن ليس معنى سقوطي في دوامة السبلايز أن لا أشارك هموم أولياء الأمور بالكتابة عن مآسيهم، ورحلة عذابهم للحصول على «سبلايز» أولادهم.. فالكتابة دورنا، وعلى المسؤولين الاستجابة، أو «الطناش» كالعادة! 
 
ما تعجبت له، وسمعته من بعض أولياء الأمور، أن بعض المدارس تفرض عليهم «ماركات» بعينها، باهظة الثمن، وتباع في مكتبات معينة، وهذه المكتبات تعلن عن توافر «سبلايز» كل مدرسة، ومن يقرأ قائمة الطلبات قد يظن أنها ليس لطالب علم، بل جزء من قائمة منقولات زوجية.. وكأن هناك اتفاق ضمني بينها وبين هذه المدارس، ومن خلال وسطاء أو مافيا تمتص دماء أولياء الأمور!
 
من الطلبات الغريبة التي زخرت بها قائمة السبلايز، أدوات نظافة، ومعطرات جو، ومنظفات، و3 ليترات مطهرات، وغسول لليد، وعلب مناديل يدوية كبيرة الحجم، وأروال ورق نشاف مطبخ كبير.. فهل من المنطقي أن تدفع الأسر آلاف الجنيهات، وتجبر على شراء ديتول ومناديل ومعطر جو للمدرسة؟ ثم إن الطالب سيتلقى تعليمه في مدرسة أم في مطبخ الست غالية؟!
 
أعلم أن وزارة التربية والتعليم اتخذت قرارات تحد من الطلبات للمدارس الخاصة، والتى تمثل عبئًا على أولياء الأمور؛ كالحد من تغيير الزي المدرسي سنويًا، ومصاريف الأتوبيس المدرسي، والحد من جمع أموال من أولياء الأمور، لا علاقة لها بالعملية التعليمية.. لكن ما أعلمه أيضًا، بل على يقين منه، أن المدارس الخاصة تخرج لسانها لوزير التعليم، وتضرب بقرارات الوزارة عرض الحائط، وتفعل ما تريده.. ووصل الحال ببعض أصحاب المدارس لتهديد أولياء الأمور بقولهم «إللي مش عاجبه يسحب ورقه ويشوف له مدرسة تانية»! 
 
إننا نأمل من وزارة التربية والتعليم بأن تضطلغ بمسؤوليتها، وتتصدى بكل حزم وعدل للاستغلاليبن، والمبتزين من أصحاب المدارس الذين لا يلتزمون بقرارات الوزارة، ويبالغون في إذلال الأهالي، وتحميلهم بأعباء تقصم ظهورهم.. كما نأمل أن يتكاتف أولياء الأمور، ويقفوا وقفة رجل واحد ضد أي مدرسة تفرض عليهم وعلى أبنائهم أعباءً إضافية، بجانب المصروفات التي يدفعونها للحصول على تعليم جيد، من وجهة نظرهم.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق