خناقة الشوارع كشفت المخطط.. الصراع بين وائل غنيم ومحمد علي أعادت خلافات 2011 بين النظامين السابقين

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019 08:31 م
خناقة الشوارع كشفت المخطط.. الصراع بين وائل غنيم ومحمد علي أعادت خلافات 2011 بين النظامين السابقين

 

بات المشهد مُربكا قطاعات ممن يُفترض أنهم يقفون فى دائرة واحدة، أصبحوا يشتبكون علنا ويتبادلون الشتائم والإهانات، وللمرة الأولى يُجاهر عناصر من هذا الفريق بخلافاتهم التى ظلت حبيسة الغرف المظلمة لسنوات، ووسط حالة التلاسن المفتوحة تتوالى التفاصيل التى يُمكن أن تكون مدخلا لقراءة أمور كانت غامضة لسنوات!
 
لا يتعلق الأمر بحرب الفيديوهات التى نشبت مؤخرا بين الناشط السياسى الشهير وائل غنيم، والمقاول محمد على، ولا بامتدادها إلى منصات التواصل الاجتماعى التى انقسمت إلى فرق عديدة، كلها تتبادل الشتائم وتُعبر عن رؤى وخلفيات متصارعة فى العمق، وإنما يتصل الأمر بدرجة أكبر بماكينة التناقضات التى تقف وراء هذا التلاسن، وبالأطراف الناشطة فى تأجيج الصراع، أو المُحركة له منذ البداية.. عمليا يبدو أن ما تكشفه الشتائم المتبادلة حتى الآن أقل كثيرا مما يتشكّل فى الكواليس!
 
خارج سياق المحتوى الكثيف الذى يبثه الوجهان المعبران عن الصراع حاليا، محمد على ووائل غنيم، يكمن مفتاح قراءة المشهد فى خلفياته التاريخية التى يُمكن أن تُغيّر مدلول الرسائل الواردة فى فيديوهات الطرفين تماما، حتى لو ظلت تلك الخلفيات محلّ شكّ، يُقارب أو يفوق الشكّ المحيط بالرسائل نفسها وما تنطوى عليه من أحاديث مرسلة!
 
كان وائل غنيم شابا طموحا فى شركة عالمية «جوجل»، قرر فجأة أن يقتحم المشهد السياسى، أو استُدعى لاقتحامه، قبيل شهور من ثورة 25 يناير، فدشّن صفحة «كلنا خالد سعيد» بالشراكة مع شاب إخوانى، وبدأ نشاطه، وفى الفترة التالية انفتحت قنوات اتصاله على طيف واسع من القوى السياسية، فى القلب منه جماعة الإخوان الإرهابية التى ما يزال متواصلا معها، بحسب ما أكده بنفسه فى آخر فيديوهاته اليوم، من أنه هاتف محمد سلطان، نجل القيادى بالجماعة صلاح سلطان، وانتقد موقفه فى زيارة الكونجرس والتحريض ضد مصر رغم علمه بموقف الإدارة الأمريكية تجاه الدولة المصرية.
 
فى المقابل عمل محمد على فى مجال المقاولات منذ العام 2002 تقريبا، وكان مقربا من تدرّجات السياسة العليا فى نظام مبارك، بل إن ما يجرى تداوله فى دوائر مقربة منه أنه كان صديقا لنجل الرئيس الأسبق، علاء مبارك، وظهر فى بعض مباريات ودوريات الكرة الرمضانية التى كان ينظمها، وشارك فى مشروعات تابعة لمستثمرين بارزين فى النظام، منها منتجع «جولى فيل» المملوك لحسين سالم فى شرم الشيخ والفيلات المملوكة لمبارك ونجليه داخل المنتجع، وربما لا تكون مصادفة أن يستقر مقامه قبل قرابة سنة فى إسبانيا التى حمل حسين سالم جنسيتها ويستقر ابناه فيها، ويملك بها استثمارات عملاقة فى عشرات المجالات، بينها العقارات التى اختار محمد على العمل فيها هناك!
 
حتى الآن تبدو تلك المعلومات مُرجَّحة، لكن على أية حال يُمكن التشكيك فيها بالقدر نفسه الذى تحتمله فيديوهات وائل غنيم ومحمد على من الشكوك، خاصة أن أحدا ممن يُوردون تلك الحكايات لم يوفر وثيقة تؤكد تلك العلاقات، بالضبط كما لم يوفر «وائل» أو «على» أية وثيقة تدعم ما قاله الأول طوال ثمانى سنوات، وما يقوله الثانى عبر قائمة طويلة من الفيديوهات!
 
يُمكن النظر إلى تلك الدائرة المفتوحة من الشكوك باعتبارها امتدادا لحالة السيولة التى نشأت من رحم ثورة يناير، وقتها كان الجميع يشتبكون ويتبادلون الاتهامات، بأدلة حينا وبدون أدلة فى أحايين كثيرة، وتطور الأمر مع اقتحام مجموعة من النشطاء لمقرات جهاز أمن الدولة، وتسريبهم أوراقا قالوا إنها وثائق تدين قطاعات منهم، ثم دخولهم مسارا آخر أكثر تطورا مع تبادل تسريب المحادثات الهاتفية، المشهد الراهن يبدو شبيها، على الأقل فى ضوء المعلومات المتاحة: وائل غنيم الذى ظهر على الصعيد السياسى بشكل مفاجئ وغامض يشتبك مع محمد على الذى كان وثيق الصلة بأبناء مبارك ورموز نظامه، ويتبادلان الشتائم والاتهامات، كما كان يحدث بين الطرفين قبل ثمانى سنوات، فى الوقت الذى ما تزال فيه مُخرجات 30 يونيو قيد التماسك، على مستوى الأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات الدولة، ربما يكون تماسكا ناتجا عن مبادئ التحالف ضد الإخوان قبل ست سنوات، وربما يكون نتاجا مباشرا لتطورات الظرفين السياسى والاقتصادى ورؤية كل الأطراف لتحدياتهما، لكنه فى النهاية يظل مشهدا متماسكا ومحافظا على نظامه، فى مقابل امتداد فوضى يناير وعبورها للمراحل، لكنه لم يعد فى مقدورها التعبير عن نفسها فى بيئة داخلية مُرتبة، لذا كان الصراع من الخارج تأكيدا لحالة الانفصال بين المسارين، ومن الولايات المتحدة التى يُراهن عليها الإخوان كثيرا، حيث يتحدث وائل غنيم، وإسبانيا التى لجأ إليها حسين سالم وبعض رموز نظام مبارك، حيث يقيم محمد على، يبدو أن مشهد التحالفات يُمكن تفكيكه على تلك الأرضية!
 
 
فى القراءة البسيطة يُفترض أن يكون وائل غنيم ومحمد على فى جبهة واحدة باعتبار أنهما يحملان موقفا مضادا للنظام السياسى القائم، لكن أن ينقسم هذا المسار إلى حرب جانبية مشتعلة بينهما، فإن الأمر ينطوى على تأكيد قاطع لانطلاق كل منهما من جبهة مختلفة!
 
يُحسب وائل غنيم على ثورة 25 يناير التى ما تزال كل مكوناتها تقريبا داخل مصر، باستثناء جماعة الإخوان الإرهابية التى اختارت خوض الصراع من مراكز بديلة، فى الدوحة وإسطنبول ولندن والولايات المتحدة، أما أقرب الأرضيات الواضحة للمقاول محمد على فإنها تعود إلى فترة نشاطه وتكوين ثروته قبل يناير 2011، وبالنظر إلى ما يتردد عن صداقته الوثيقة بنجلى مبارك، أو لقاءاته المتكررة بأسرة حسين سالم فى إسبانيا، فإن تلك الأرضية المرتبطة بالنظام الأسبق تصبح أكثر ثبوتا، وهنا يتحول المشهد من صراع «وائل - على»، إلى صيغة أقرب لثنائية «مبارك - الإخوان»، ما يجعل الأمر أقرب إلى صراع بين نظامين سابقين، اختلفت رؤاهما فى آلية مواجهة النظام القائم، فبدلا من توجيه كامل الطاقة لاستهداف هذا النظام ومؤسساته، تفرّعت صراعاتهما بغرض الاستحواذ على صدارة مشهد المواجهة، فلمع فى الأجواء طيف من النيران الصديقة المتبادلة بين حلفاء ما قبل 2011، أعداء ما بعد الثورة!
 
فى عُمق المشهد يبدو الأمر أكثر تركيبا، يرى الإخوان أن رواج محمد على يُحقق لهم فائدة فى المواجهة مع نظام 30 يونيو، لكنهم يستشعرون القلق من إزاحتهم عن واجهة الصورة، لذا فإنهم بينما ينشطون فى ترويج فيديوهات المقاول عبر قنواتهم ومنصاتهم الرسمية، فيما يبدو أنه تأكيد لوحدة الجبهة، يخرج وائل غنيم الذى لم يفارق أرضية التحالف معهم مهاجما محمد على ومروجا اسم محمد مرسى وزوجته وابنه عبد الله، ضمن محاولة يبدو أنه غير عفوية للظهور فى المشهد وانتزاع جانب من الضوء، وهنا يبدو الأمر تعبيرا مضمرا عن حجم الصراع العميق والمكتوم بين الطرفين، يُحاول الإخوان الاستفادة من أوراق نظام مبارك، لكنهم يُخططون فى الوقت نفسهم لإزاحتها من المشهد بعدما تنتهى من أداء دورها!
 
يُراهن محمد على ووائل غنيم فى الفيديوهات المتبادلة على جاذبية الخطاب اللاذع وشعبويته، عبر اللجوء إلى الألفاظ الحادة والشتائم ذات الطبيعة الجنسية والقصص غير الموثقة المحمولة على خطاب التشهير، أو «التشنيع» وفق التعبير الشعبى الدارج، اعتماد تلك الصيغة للخطاب يأتى هروبا من غياب المعلومة والحقيقة والوثيقة الداعمة، لكنه فى العُمق يُعبر عن اختلالات ثقافية وأخلاقية وسياسية ينطوى عليها الخطاب السياسى المناوئ، ويُثير تساؤلات بشأن الذهنية الدافعة لتلك الاشتباكات، والآلية التى جرى تخطيطها من خلالها!
 
يُعرف وائل غنيم فى أوساط شباب الثورة بأنه شخص مهذب، لكنه فى الفيديوهات الثلاثة الأخيرة تخلى عن هذا التهذيب واتجه إلى مستوى سافر من الشتائم والتعبيرات الجنسية، الأمر نفسه سيطر على محمد على طوال فيديوهاته التى تجاوزت العشر، هنا يخرج الأمر عن دائرة الهجاء السياسى إلى حدود التغطية على أزمة حقيقية يعيشها المعسكران اللذان ينتمى إليهما الطرفان، فضلا عن افتقاد الخطاب العميق والموثق الذى يُمكن أن يُمثّل أداة فعالة وحاسمة فى حرب سياسية، القراءة البسيطة للأمر باعتباره تفسخا أخلاقيا فى دوائر معسكرات يناير والإخوان وداعمى نظام مبارك تنطوى على قدر من التبسيط المخلّ، فحتى لو كان فى الأمر تعبير عن سيولة عقلية وتردٍّ قيمى، فإنه يحضر هنا للتغطية على ثغرات عميقة فى الخطاب بالدرجة الأولى، هنا يقترب الأمر من منطق «صوتك العالى دليل على ضعف موقفك»!
 
أصدقاء وائل غنيم دخلوا سريعا على الخط فى محاولة لاحتواء الصراع. كتبت أسماء محفوظ راجية محمد على ألا يلتفت إلى سباب صديقها، الذى فسرته بأنه يمر بأزمة وحالة عدم وعى، ومثلها كثيرون من أصدقاء وائل وحلفائه السابقين أخذوا المسار نفسه، لكن فى المقابل واصل «على» هجومه الحاد على «غنيم»، واعتبره «زومبى»، وكال له السباب بكل الصور، بينما هلّل فريق واسع من متابعوه لتلك الهجمة الشرسة، ليبدو الموقف وكأن الأرضية الجماهيرية المتابعة للتلاسن القائم على مواقع التواصل يجرى فرزها هى الأخرى، وتُعبر عن انتماءاتها الأولية عبر انتقاء ما تروجه، أو تمتدحه، أو تستهجنه من الطرفين!
 
 
ما قاله محمد على فى فيديوهات بحق بعض الجهات يبدو فى عهدة القانون، خاصة أنه انطوى على حديث عن منشآت عسكرية بما يناقض الضوابط القانونية، لذا قد لا يكون ممكنا التعليق عليه تفصيلا، لكن بعيدا عن محتوى عشرة فيديوهات امتدات لقرابة 5 ساعات، ذكر فيها خمس أو ست معلومات بالكاد واستمر فى تكرارها، دون إعلان وثيقة أو تعاقد أو رقم تحويل أو أوراق قرض بنكى، وبعيدا أيضا عمّا أعلنه آخرون، بينهم صحفيون ومهندسون، عن أن محمد على ماطل مقاولين آخرين وسلب مستحقاتهم، أو مارس النصب على مواطنين حجزوا وحدات فى مشروعات سكنية نفذتها شركته، أو اغتصب ميراث شقيقه المقاول إبراهيم على وأجبر والدته على التنازل عن حصتها، كل تلك الأمور تبدو هامشية فى مقابل القضية الأساسية.
 
مسلسل محمد على بدا منذ اللحظة الأولى مخططا بدقة، كثافة فى الظهور، وإلحاح فى ترديد بعض الأمور غير الموثقة، وإشارات عامة يجرى تسويقها كمعلومات يحيط بها ضخ كثيف للسباب والتشهير والخطاب اللاذع، لكن هذا المسار لم يكن يضع فى حسبانه احتمال دخول أطراف أخرى على الخط، لذا كانت الصدمة كبيرة بخروج وائل غنيم وتعليقه على الأمر، ورسالته الواضحة لـ«على» بضرورة الكف عن هذا السلوك، وتلميحه بمواصلة الحديث، عند تلك النقطة يبدو أن الجانب الآخر استشعر قدرا من الخطورة، فمن جانب يحوز وائل غنيم حضورا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ويُمكن أن يُفجّر بالونة محمد على إذا قرر شكّها بدبوس واحد، ومن جانب آخر ربما تتوافر لديه معلومات عن علاقات «على» السابقة أو صداقته برموز نظام مبارك أو حركته فى برشلونة، ومن جانب ثالث فإن بإمكانه اعتماد خط «على» نفسه بقدر من الشائعات عن المقاول وقائمة طويلة من الشتائم والخطاب اللاذع، وهنا يُمكن أن تتغير الصورة تماما، الأمر كان يُمكن أن يكون أكثر هدوءا لو أن «على» ينطلق من أرضية ثابتة فعلا، ولا يُراهن على خطاب مصنوع عماده الأساسى الاستناد إلى أثر الشائعة وآليات التشهير، لذا فإن حالة الارتباك التى استشعرها لا تعكس حجم الصراع بين الجناحين، أو القلق من وائل غنيم نفسه، وإنما تطعن فى كل ما قاله محمد على، وتؤكد أنه ينطلق من فراغ لا تدعمه وثيقة أو مستند!
 
فى فيديوهات وائل غنيم الثلاثة بدا الناشط السابق نادما عما حدث، بل عبّر بوضوح عن شعوره بالندم على ما شارك فيه منذ 2011 حتى الآن، بينما بدا محمد على الذى تحدث أكثر من مرة عن خسائره وأنه لم يربح كثيرا منذ 2014 حتى الآن، ناقما على التطورات التى حرمته من فترة المجد التى عاشها بين 2002 و2011، لكن السؤال الأهم يظل مُعلقا فى فضاء صراع الناشط والمقاول، حول سر اندلاع المعركة الآن تحديدا، فى الوقت الذى يقيم فيه وائل غنيم فى الولايات المتحدة منذ سنوات، ويُقيم محمد على فى إسبانيا منذ قرابة سنة، فضلا عن حالة الشطط واهتزاز الوعى التى يبدو عليها الاثنان. فى آخر فيديو لـ«غنيم» استهلك وقتا طويلا فى الحديث عن قيم أقرب إلى البوذية، وسباب الخصوم والأصدقاء والحلفاء والمتابعين، بينما تبدو على «على» آثار انسحابية لمرحلة علاج من الإدمان، اعترف وائل غنيم بأنه كان باحثا عن الشهرة، وأكد محمد على سعادته برواج فيديوهاته واحتفاء الناس به. يكمن مفتاح المشهد فى نزوع شخصى للرواج، وهى الحالة التى يُمكن أن تقود تداعياتها النفسية للانزلاق إلى الخطابات المارقة وما تنطوى عليه من تشهير واختلاق واختراق للقانون، أو التحول إلى صيغة «المهرج» الذى يتقاضى مكافآته من ضحكات الجمهور!
 
يندم وائل غنيم الآن على ما شارك فيه بدون معلومة، وفى المقابل لا يملك محمد على وثيقة على ما يقول، من المتوقع أن يواصل الطرفان حرب التلاسن وتبادل الشتائم، ويظل الرهان قائما على جاذبية الشائعة والنميمة المنمقة، وعلى رواج الخطاب اللاذع الذى يتجاوز الضوابط الاجتماعية والأخلاقية، ويخترق القانون أيضا، تلك الحالة تضمن ذيوعا على وسائل التواصل الاجتماعى، ووسط الدوائر المؤيدة للمعسكرين من الأساس، لكنها لا تتجاوز حدود هذا الأثر المُشبع على طريقة الهجاء السياسى، فى الوقت الذى تُعرّى فيه تحالفات الطرفين وصراعاتهما، وتضع الخطاب المناوئ والمعارضة السياسية بكاملها فى مأزق، إذ لا يُمكن أن يكون الرهان على خطاب النميمة والتشهير واختلاق الوقائع ركيزة راسخة للعمل السياسى، أو حتى لتوظيف موروث الفوضى المُتبقى من يناير لاختراق نظام يونيو، رغم ما تملكه يناير من جاذبية وحضور فى المُخيلة، إلا أنها تظل بالنسبة لمرحلة ما بعد يونيو ظهيرا أخلاقيا وقيميا، ولا يُمكن أن يكون القفز على صورتها الطوباوية بالنسبة لأغلبية من شاركوا فيها إلا بمثابة انتهاك عميق لها، وتعرية جديدة لأعداء ادّعوا الانتماء إليها، وكانوا يومًا بين صفوفها!
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق