مصر نظيفة رغم الفيس بوك والمتحرشين

السبت، 11 يناير 2020 01:32 م
مصر نظيفة رغم الفيس بوك والمتحرشين
حمدى عبد الرحيم يكتب:

من الحيل الشهيرة الخطيرة التى يلجأ إليها منظرو التحرش الجنسى، أن الواحد منهم يبدأ كلامه من «ثانيًا» لكى يضمن التفاف جمهور حول كلامه.
 
البدء من «ثانيًا» يبدو واضحًا جدًا فى كلام الذين يلفتون النظر إلى خلاعة لبس الضحية، هو هكذا سيجبرك على العودة إلى المربع «صفر»، حيث مناقشة بديهيات فرغ المجتمع من فحصها وتدقيقها، سترد عليه بجملة طويلة عريضة من بيان شهير كان الأزهر الشريف قد أصدره قبل عام وجاء فيه «إن التحرش - إشارة أو لفظًا أو فعلًا-  هو تصرف محرم وسلوك منحرف، يأثم فاعله شرعًا، كما أنه فعلٌ تأنف منه النفوس السويّة وتترفع عنه، وتنبذ فاعله، وتجرمه كل القوانين والشرائع»، مضيفا أن «تجريم التحرش والمتحرِش يجب أن يكون مطلقًا ومجردًا من أى شرط أو سياق، فتبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة، يعبر عن فهم مغلوط؛ لما فى التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها، فضلًا عما تؤدى إليه انتشار هذه الظاهرة المنكرة من فقدان الإحساس بالأمن، والاعتداء على الأعراض والحرمات».
 
إذا شعر بأنك ربحت هذه النقطة، راح يبكى غياب دور الدولة، فترد أنت عليه قائلًا: «تنص المادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات على: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير فى مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأى وسيلة بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية».
 
 وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجانى من خلال الملاحقة والتتبع للمجنى عليه.
 
وفى حالة العودة تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة فى حديهما الأدنى والأقصى.
 
ما سبق يعنى أن المؤسسة الدينية ممثلة فى الأزهر لم تغب، أبطلت حجج الملابس والعرى والخلاعة، والدولة ذاتها مشرعة القوانين لم تغب ووضعت قانونًا به عقوبات تردع الذى يعتبر.
 
ولكن سيادة المنظر لن يسكت، ويحاول البحث عن مخرج لأزمة اجتماعية يجب الخروج منها إن عز القضاء عليها والتخلص منها نهائيًا، ساعتها سيلجأ للتهويل، وكأن مصر تشهد فى كل دقيقة عشرات الحالات من التحرش.
 
هذا التهويل خطير جدًا لأنه يرسل رسالة باستحالة التصدى لمشكلة تعانى منها كل التجمعات البشرية، فما من تجمع بشرى فى أى مكان أو زمان إلا وقد ذاق مرارة تلك المشكلة، ولكن صاحبنا المنظر يريد قلب الطاولة على الجميع، فإن لم تسلم له بأن التحرش فى مصر أصبح وباءً مثل وباء الكوليرا، سيضعك فورًا فى خانة النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال!
 
لا أنا ولا غيرى نستطيع نفى وقوع حوادث التحرش، ولكن الإنصاف يقتضى مد الخيط إلى منتهاه، والبدء من أولًا وليس من ثانيًا، نحن شعب تجاوز تعداده المئة مليون نسمة، ويعيش على أقل من ثلاثة بالمئة من أرضه، فوقوع حادثة أو حتى عشر حوادث سنويًا لا يستحق كل هذا الترويج المغرض، وكأن البلد أصبح مستباحا وكأن كل فتاة أو سيدة مهددة بالتحرش إن هى نزلت إلى الشارع، هذا التخويف للمصريات أشم فيه رائحة خبيثة، فبعضهم يريد إشاعة الفاحشة، وآخرون يريدون بث الهلع والرعب فى نفوس المصريات اللاتى يقمن بدورهن على أكمل وجه فى رعاية بل وإعالة أسرهن، هل المطلوب سجن المصريات داخل أربعة جدران؟

هل المطلوب حرمانهن من العمل والدراسة؟

هل المطلوب تعجيز الدولة ورافضى التحرش والمقاومين له؟
 
إن واحدًا مثلى يقطع يوميًا نصف العاصمة ذاهبًا إلى عمله وعائدًا منه يشهد بضمير مطمئن أن مصر نظيفة، وأن جذرها طاهر عصى على التلوث، وأن ما يطفو فوق سطحها من الحوادث الخبيثة هو أمر تعانيه كل أمة ومقاومته واجبة وفى المتناول، فلن ينتصر المتحرشون ويفرضون قانونهم، ولن ينتصر مروجو الهلع، وستبقى فتيات وسيدات مصر درة تاج الكرامة.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق