النموذج الينايرجي الدولجي

السبت، 25 يناير 2020 12:42 م
النموذج الينايرجي الدولجي
مصطفى الجمل

 

من يطالع العنوان للوهلة الأولى قد يظن أننا بصدد نموذجين متوازيين كقضبان السكة الحديد يستحيل أن يلتقيا، وهناك من سيذهب إلى أننا بصدد نموذج واحد حدث له تحول في الموقف بدوران الأيام وركوب حدث على حدث، بما يقتضي الانقلاب على الأقدم لتمكن الأحدث وامتلاكه خيوط اللعبة الجديدة.

الشخص الذي أبهرته أضواء ثورة يناير بانتفاضتها السلمية في 25 يناير، ثم استفاق على كابوس تسلم الإخوان للبلد، وجد نفسه بين مطرقة الكفر بالثورة التي راقت له واعتبرها فتاة أحلامه التي طال انتظارها، وسندان الاستسلام لأمر تواجد اللحى الإرهابية على رأس الدولة.

كان لزاماً عليه أن يعيد سريعاً تفكيره فيما مضى وفيما هو آت والبحث عن حلول للخروج من الأزمة، ولحسن الحظ أنه أثناء مرحلة التفكير، ارتكبت الجماعة الإرهابية وأعمدتها في كل مفاصل الدولة من الحماقات ما كان كافياً لبغض الشعب لهم بعد شهر واحد من تسلمهم مقاليد الحكم.

بدأ حلمهم ينهار شيئاً فشيئاً حتى أزيحوا بقوة الثورة في 30 يونيو، التي كان الرهان فيها على ولاء مؤسسات الدولة للشعب، وفعلاً لم تخالف الشرطة والقوات المسلحة والنقابات المهنية والمؤسسات الدينية  والأحزاب السياسية ظن أحد، وخلال ساعات سقطت الفاشية الدينية وعادت الدولة إلى ما قبل 25 يناير.

ما قبل 25 يناير هنا أقصد بها دولة المؤسسات، فجاحد من ينكر حقيقة أن الدولة عاشت في فراغ مؤسسي بين يناير 2011 ويونيو 2013.

 مهما كانت مساوئ النظام قبل 25 يناير وأخطاؤه التي يعلمها القاصي والداني، فلن تكون مساوية لما ارتكب من كوارث خلال فترة الفراغ المؤسسي، وتحكم مجموعة من الخارجين عن القانون والعاطلين عن العمل في مقاليد الأمور.

بعد 30 يونيو، تغير شكل علاقة كثيرين من أبناء يناير، الذين كانوا في طليعة موجاتها الثورية بالدولة الممثلة في مؤسسة وكيانات قائمة وقادرة على إدارة الملفات الحياتية التي تعطلت كثيراً في فترة الفراغ المؤسسي سالفة الذكر. 

كثيرون وأنا منهم فهمنا أن الأمر ليس مجرد صيحات في مظاهرة نفرغ من خلالها طاقتنا السلبية ثم نعود إلى منازلنا هانئين بما فعلنا، موقنين أننا قمنا بما أملاه علينا ضميرنا، الأمر جدٌ له أبعاد وحسابات معقدة أكبر من إدراك كثيرين، فلك أن تتخيل أن أموراً وقعت قبل هذه اللحظة بتسع سنوات، لم نجد لها تفسيراً منطقياً أو تحليلاً يرضي العقل حتى الآن.

كثيرون وأنا منهم سنظل نعتز بفعلنا النقي وهدفنا النبيل الذي خرجنا من أجله في 25 يناير، ولكننا لن نجادل كثيراً في أن للثورة آثار سلبية كبيرة، نسأل عنها ونلام عليها، وقد يكون من العدل أن يحاكم بعضنا على إسائته لمؤسسات الدولة ومطالبته بإسقاطها في مليونيات ما بعد يناير.

لا يمكن للدولة أن تبقى وتحافظ على ثقلها الدولي والإقليمي بدون صلابة مؤسساتها، وتشابكهم وتعاونهم فيما بينهم من أجل الصالح العالم، وهذا اليقين لا يتعارض أبداً مع الاعتزاز بثورة 25 يناير، كثورة شعبية خرج فيها أطياف جماهيرية كبيرة بدافع التغيير والحلم بحياة كريمة.

«الينايرجي الدولجي» ليست سبة على الجبين، فالينايريجي الدولجي، بات يفكر الآن في سبل أخرى للاعتراض والإشارة على الأخطاء بهدف التصحيح وطرق غير تقليدية للتغيير، بات يؤمن بأنه بدون الحوار والنقاش لن يكسب أحد، من يفكر في سبل أخرى غير الجلوس على طاولة واحدة مع المسئولين لن يقود إلا لهدم المعبد على رأس الجميع، وهذا سيناريو لا يطيقه ولن يقبله أحد.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق