يوسف أيوب يكتب: هل يكون «الفيروس» بداية الانهيار الاقتصادى للتنين الأصفر؟

السبت، 08 فبراير 2020 10:00 م
يوسف أيوب يكتب: هل يكون «الفيروس» بداية الانهيار الاقتصادى للتنين الأصفر؟
فيروس كورونا

تعيش الصين حاليا إشكالية كبرى، فكل التوقعات كانت تشير إلى أن التنين الصينى فى طريقه ليكون فى صدارة الاقتصاد العالمى، متفوقا على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، واليابان، خاصة بعد توقيع الاتفاق الأخير بين واشنطن وبكين، والذى أنهى حربا تجارية، كادت أن تتطور، لولا جلوس الطرفين إلى مائدة التفاوض للحوار والتوصل إلى صيغ مشتركة، تضمن البقاء للجانبين.
 
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو يعتبر الصين التحدى الأكبر الذى يواجه واشنطن، لذلك سار على سياسة بوجهين، الأول التقرب من بكين لحل بعض القضايا العالقة فى منطقة شرق آسيا، خاصة الملف النووى لكوريا الشمالية، التى ترتبط بعلاقات خاصة مع الصين، وقد حقق ترامب فى هذا الملف اختراقا كبيرا، ساعد على تجنيب المنطقة الخطر الكورى الشمالى، ولو مؤقتا.
 
أما الوجه الثانى، فكان عنوانه، الحرب التجارية بين البلدين، وهى الحرب التى ذهب خلالها ترامب إلى أقصى مدى، من خلال فرض قيود وإجراءات ورسوم جمركية هى الأكبر على المنتجات الصينية، وحاولت الصين الرد على هذه الإجراءات، ولأن الطريق كان مفتوحا فى هذه الحرب لكل الاحتمالات، فلم يكن أمام الجانبين سوى خيار وحيد، وهو التفاوض والتوصل إلى حل، وهو ما حدث قبل أسبوعين.
 
هذا الحل لم يكن ليرضى ترامب ولا كل دوائر صنع القرار فى واشنطن، التى تعتبر الصين هى الخطر الوحيد أمامهم، فقد تجاوزت مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية الخطر النووى الإيرانى، والتهديدات الروسية وغيرها من التهديدات القريبة أو المحتملة، وركزت على الصين، وقد يكون مرجعهم فى ذلك إلى أن الاقتصاد الصينى يقترب من وضعية تهدد مكانة الدولار الأمريكية، وفى الوقت ذاته فإن التواجد الصينى القوى فى كل الملفات الدولية والإقليمية، فضلا عن انتشارها الاقتصادى القوى الذى سيزداد خلال السنوات المقبلة، فى ظل استمرار بكين فى خطة «طريق الحرير» فإن واشنطن راحت تبحث عن حلول لمواجهة التنين الصينى، قبل أن تكون له الغلبة الكاملة.
 
فى الوقت الذى كانت واشنطن تبحث عن آليات المواجهة، كانت الصين أمام كارثة وباء «كورونا»، ومع مرور الأيام تغيرت وضعيتها وأصبحت فى نظر الكثيرين الدولة الموبوءة، وساعد على ذلك أن تعمل الدولة الصينية مع الوباء «إعلاميا» على الأقل لم يكن بالطريقة المناسبة، ما جعل الكثيرين يتحدثون عن افتقاد هذه الدولة الكبرى لآليات التعامل مع الأزمات، وهو ما ستكون له تأثيرات سلبية شديدة الوطأة على الصين واقتصادها خلال الفترة المقبلة، خاصة أن الاتجاه فى الوقت الراهن إلى منع السفر من وإلى الصين، إلى حين السيطرة تماما على هذا الوباء، وأيضا الحساسية التى بدأت تظهر لدى الكثيرين تجاه التعامل مع المنتجات الصينية، بعدما ارتبط كل ما هو صينى بفيروس كورونا.
 
بطبيعة الحال، تابعنا الكثير من التفسيرات التى ربطت ظهور الفيروس فى مدينة ووهان الصينية، بمنطق المؤامرة الأمريكية ضد الصين، وكلن لهؤلاء بعض الأدلة التى يستندون إليها، منها أن سرعة انتشار الوباء ليست بالسرعة التى انتشر خلالها فيروس «إيبولا» قبل عدة سنوات، دون أن نرى هذا الضجيج والقلق العالمى مما يحدث مع كورونا، ولم تخرج منظمة الصحة العالمية حينها وتعلن حالة الطوارئ الدولية، وقد يكون لدى هؤلاء بعض الحق، خاصة إذا ما نظرنا إلى تسارع التعامل الدولى مع ما يحدث فى الصين، لكن لا يجب أن نغفل حقيقة مهمة، وهى أن الحكومة الصينية كانت أكثر من غيرها فى تصدير حالة الرعب للجميع، سواء بعد عزل ووهان رسميا عن العالم كله، وحظر التجوال فى الكثير من المدن الصينية، وهو ما ساعد على انتشار الصورة السلبية عن الصين فى كل دول العالم، وهذا يرجع إلى ما سبق الإشارة إليه، والمرتبط بأن الصين لم تحسن إدارة الأزمة بالكامل، فهى أدارت الأزمة على الأرض بشكل احترافى، من خلال محاصرة الوباء قبل انتشاره فى مدن أخرى، لكنها فى الوقت نفسه لم تستطع أن تفصل فى الخطاب الإعلامى أو السياسى ما بين الصين والوباء، بل زادت اليقين بالعلاقة الطردية ما بين الصين والوباء.
 
ترسيخ هذا الاعتقاد ستكون له تداعيات مستقبلية على وضعية الصين الاقتصادية، فبجانب الأموال الضخمة التى لجأت الحكومة الصينية إلى استخدامها فى خطط مواجهة الوباء، سيكون على بكين دفع ضريبة اقتصادية كبيرة مستقبلا، حتى تستعيد الثقة مرة أخرى فى منتجاتها واقتصادها، وفوق ذلك المواطن الصين نفسه، بعدما حول هذا الوباء كل ما هو صينى إلى فيروس، لحين إثبات العكس، وهذا الإثبات سيحتاج إلى بضع سنوات وفق أكثر التقديرات تفاؤلا، فهل خلال هذه السنوات تستطيع الصين الصمود؟ أم أنها ستواجه انهيارا اقتصاديا كبيرا عنوانه «كورونا بداية السقوط»؟
 
ويكفى هنا أن نشير لما قاله الدكتور محمود محيى الدين، النائب الأول للبنك الدولى، إن أزمة انتشار فيروس الكورونا جاءت فى أوضاع سياسية واقتصادية سيئة، مشيرا إلى أن آخر تقرير أكد أن النمو الاقتصادى ضعيف، وهو شديد الهشاشة، ويجب التعامل معه برفق، كما أن الوضع السياسى العالمى ليس جيدا، وبه نوع من أنواع العجز بالثقة وتبادل الاتهامات، وتأكيده أيضا أن اقتصاد الصين اليوم غير اقتصاد عام 2003 والاقتصاد الصينى منذ الأزمة الاقتصادية العالمية زاد حجمه بمقدار مرتين، موضحا أن 20 % من سكان العالم وفى الوقت ذاته يقتربون من 20 % من الاقتصاد العالمى وهم رقم اثنين بعد الولايات المتحدة الأمريكية، لافتا إلى أن هناك تأثيرا على الاقتصاد الصينى جراء الأزمة سيسمع فى الأسواق والدول المتقدمة تشتكى من قلة التضخم، مشيرا إلى أن الأزمة الصينية ستكون بمدى ما يحدث، ويجب الصبر لأنه سيكون هناك حل، لكن ليس حلا سريعا، مؤكدا أن المواطن الصينى فى الولايات المتحدة متضرر كثيرا.
 
وتنبغى أيضا الإشارة إلى المكانة التى تتمتع بها «ووهان»، فإذا  كانت الصين هى مصنع العالم، فإن مدينة «ووهان» هى عاصمة هذا المصنع، فهى قلعة صناعية ضخمة تقع بداخل مقاطعة «هوباى» جنوب بكين، وتسهم بـ78 % من صادرات الصين، و33 % من الناتج المحلى، وهى أرقام تؤكد مدى التأثير الذى سيلحق باقتصاد الصين.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا

على هامش الجريمة

على هامش الجريمة

الأربعاء، 25 نوفمبر 2020 03:27 ص