عندما أصبح الحق مُزعجاً

الأحد، 08 مارس 2020 01:56 م
عندما أصبح الحق مُزعجاً
مختار محمود يكتب :

لم يُعاصرْ "يوسف السباعى" الذى عاش بين عامى 1917 – 1978 الجيلَ الجديدَ من الكتبة ومُدعى الثقافة ومرتزقة العلمانية ، ورغمَ ذلك فإنه تركَ عبارة خالدة ودالة وكاشفة ومُعبرة عنهم أيَّما تعبير وهى: "الحقُّ مُزعجٌ للذين اعتادوا ترويجَ الباطل حتى صدقوه". لقد صدَّق هذا التيارُ نفسه وافتتن بها وتوهم أنه مُحتكرُ الحقيقة الأوحد، وليس من حق أحد أن يخالفه رأياً أو يناهضه فكراً أو يفند أكاذيبه، أويدحض افتراءاته، أويكشف متناقضاته، رغم أنَّ هذه العقيدة الشائهة تتصادمُ مع ما يُلحِّونَ عليه من حرية الرأى والتعبير وعدم المصادرة على أحد. وتلك أولُ نقيصةٍ تعتريهم وتجتاحُهم وتسيطرُ عليهم. حرية الرأى والتعبير يريدونها حصرياً وملكية خاصة لأنفسهم فقط، ويحجبونها عن غيرهم. "إذ لم تكن معنا فأنت ضدنا"..هذا هو منهجهم الأعرج وقانونهم الأعمى.
 
إذا لم تدر فى أفلاكنا، وتؤمِّن على كلامنا، فأنت شيطان رجيم، يجب إسكاتك فوراً، ومصادرة رأيك، وتجريدك من أبسط حقوقهم فى الحياة.. معادلة غريبة ومريضة تمكنوا عبر علاقات متشتعبة نافذة ومشبوهة من فرضها وتفعيلها، حتى صار الباطلُ وحشاً كاسراً يبرز أنيابه ضد كل من يتجرأ على قول كلمة الحق. هذا النبتُ الشيطانىُّ توغَّل وتغوَّل فى السنوات الأخيرة فى المشهدين الثقافى والإعلامى، حتى صارت له جذورٌ وأصبح له حضورٌ، فى الوقت الذى يتم فيه شيطنة من يتصدى لهم ويفضح ألاعيبهم، ويرصد تخاريفهم، ويتم التعامل معه بنظرية قوم لوط: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون".
 
التطهر فى زمن الرجس جريمة، والصدق فى زمن الكذب كبيرة، والفضيلة فى زمن الرذيلة جناية. إلى وقتٍ غير معلوم، قد لا يكونُ قريباً.. سوف تستمر هذه الفوضى الفكرية والثقافية التى لا تنتج إلا حصاداً مُراً، وأشجاراً من زقوم، طلعها كرؤوس الشياطين، ولا تقدم إلا مقالات وكتباً وحوارات مع شخصيات هلامية لا تقدم خيراً للإنسانية، وإنما تنهى عن المعروف وتأمر بالمنكر، لا يتناهون عن منكر فعلوه، يُجملون القبيح، ويُقبحون الجميل، ويطاردون الحق، ويُحصنون الباطل. اندثرَ "المثقف الإيجابى المُصلح" فى مصر إلى غير رجعة؛ لأسبابٍ متنوعةٍ ومتعددةٍ، تجمعُ بين "السياسى" و"الاقتصادى" و"الأخلاقى". ولا شكَّ أنَّ غيابَ هذه النوعية من المثقفين، أو تغييبها قسراً، مهَّد الأرض لظهور فئة مُتطفلة على الثقافة، لا دينَ لها سوى المصالح الشخصية وجنى المنافع الخاصة، كما هيأ الظروف لتمكين جيل يجسد عبئاً ثقيلاً وسخيفاً على المجتمع.
 
لو أنَّ جهة مُحايدة أجرتْ تحليلَ مُحتوى لكتابات ومقالات وآراء عصابة المثقفين المفروضين علينا فرضاً وقسراً، سواء فى الصحافة أو التليفزيون، لانتهتْ إلى نتيجةٍ قاطعةٍ وحاسمةٍ، وهى أنهم يتبنَون خطاباً استعلائياً وإقصائياً ومنفراً وعدائياً للدين والأخلاق والأعراف، وأنَّ كتاباتهم وأفكارهم وآراءهم التى يتم تأمين وصولها من أوسع الأبواب، هى السببُ الرئيسُ فيما آلتْ إليه أخلاقُ المصريين من تراجُع وتدنٍ على جميع المستويات. الإساءةُ إلى "الذاتِ الإلهيةِ"، فى عُرفِ " كهنةِ الإعلامِ وحُراسُه الجُددِ"، مُباحةٌ، والتطاولُ على المقدسات تنويراً،ففى أمثالهِم يقولُ القرآنُ الكريمُ: "يحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ".
 
سوف تكتشفُ جهة تقييم وتحليل المحتوى، إذا ما اتَّسمتْ بالموضوعية والحياد والنزاهة، أنَّ كتاباتِ وآراءَ  عدد كبير من المثقفين الأشاوس لا تدافع عن خُلق كريم أو سلوكٍ قويم أو فضيلةٍ أو مكرُمةٍ، فى الوقت الذى تتصدى فيه، بكل ما تملكه من أسلحة وأدوات، وبأسلوب متطرف وإقصائى للتحريض ضد الأديان، ودعم الأفكار الشاذة والعمل على التمكين لها، والوقوف فى خندق الباطل والزيف، وسوف تجدُ كتاباتٍ مُحرِّضة على الإباحية و الإلحاد و الشطط و مُخاصمة الحقِّ بجميع صوره، وتسمية ذلك: " علمانية وتحرُّراً وتنويراً وعقلانية وانفتاحاً".
 
سوف تكتشفُ هذه الجهة أيضاً أنه لا رابطَ فكرياً يربطُ بين كتابات وآراء مَن يطفو على السطح من هؤلاء المثقفين سوى إعلان النفير العام ضد أبسط مظاهر الالتزام الأخلاقى، ودق طبول الحرب على المؤسسات الدينية والعمل على تقزيمها وتهميشها، فى مقابل التمكين لمؤسسات وكيانات أخرى تسعى إلى تفكيك المنظومة الأخلاقية للمجتمع وتدميرها واستبدالها بمنظومة مغايرة قائمة على الانحلال والشذوذ والإباحية والتجرؤ على الرموز الدينية والعلمية والمعرفية والثوابت الدينية والأعراف الأخلاقية والاستهزاء بها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة