عيدٌ لـ "جبر الخواطر"

السبت، 14 مارس 2020 02:14 م
عيدٌ لـ "جبر الخواطر"
مختار محمود يكتب:

فى الأزماتِ والمِحن، يبرزُ المعدنُ الأصيلُ للمصريين. وفى الشدائد وبها.. يُعرفُ الرجالُ، وفى أزمة الطقس السيىء  الأخيرة التى ضربت عمومَ المحافظات تناقلتْ منصاتُ التواصل الاجتماعى عددًا من المواقف والسلوكيات النبيلة لبعض المواطنين، ربما كان من أطرفها وأشهرها: السيارة "الباجيرو" الفخمة التى كانت تدفع، فى عطفٍ شديدٍ، سيارة صغيرة لم تقوَ على مُجابهة الأجواء الممطرة.
 
صرنا نحتفى بمثل هذه المواقف البسيطة، ونعتبرها "إنجازًا إنسانيًا فريدًا"، هذا رائعٌ، ولكنه يكشفُ جانبًا آخر من أزمة أخلاقية كبيرة اجتاحت قطاعاتٍ كبيرة من المصريين، قد لا يمكن التأريخ لها على وجه التحديد، ولكنها صارتْ أكثرَ وضوحًا بعد أحداث 25 يناير 2011. "فيروس" ما انتشر وتفشى وتوغلَ فى الشخصية المصرية، مستغلًا "ضعف المناعة الإنسانية والأخلاقية والدينية" بشكلٍ لافتٍ، فنجح فى تصحيرها وتدميرها، وطفتْ على السطح تصرفات بغيضة، مثل: التحرش والتنمر والسعادة بإيذاء الآخرين معنويًا وماديًا، وتعاقبتْ الدراساتُ المتخصصة والمتنوعة فى تحليل الشخصية المصرية، ولكنها اكتفت بالرصد والتشخيص لما أصابها من علل وأدران، ولم تنجحْ فى تقديم العلاج الناجع القادر على تصويب المسار.
 
"جبر الخواطر".. لو فكر كلٌّ منا فى التعامل مع غيره بهذا المبدأ الإنسانى النبيل، وهو "جبر الخواطر"، والتفكير الجدى فى إسعاده وإدخال البهجة على نفسه، ولو بالنذر القليل، من خلال تقديم مساعدة يستحقها، أو بتصرفٍ نبيلٍ، أوبكلمةٍ طيبةٍ، أصلُها ثابتٌ وفرعُها فى السماء، فإنَّ كثيرًاً من "التراكمات السرطانية" التى تسللتْ إلى الشخصية المصرية وانتشرت فيها، سوف تزول تدريجياً، ومن ثمَّ.. يعود المصريون إلى سيرتهم الأولى، وتعود إليهم القيم الغائبة، مثل: الوفاء والشهامة والنبل والكرم وإغاثة الملهوف.. ودعْ القوسَ مفتوحًا.
 
يسعدُ المصريون بـ "إنسانية" طبيب القلوب الدكتور "مجدى يعقوب"، وتفانيه غير المحدود فى "جبر خواطر" مرضاه ومَن يقصدونه أملًا فى التعافى من مرض عُضال يغتالُ حياتهم بقسوة، كما يفرحون بـ "إنسانية" الدكتور "حسام موافى" الذى يتخذ من "جبر الخواطر"شرعة ومنهاجًا يحكمان تعاملاته مع مرضاه، فيتنازل عن "الفيزيتا الجنونية" التى يحصل عليها نظراؤه، بل ومن يصغرونه علمًا وسنًا. كما يندهشون من "إنسانية" طبيب الجلدية المعروف الدكتور "هانى الناظر" الذى خصَّص حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى لتقديم التشخيص لمئات الحالات بصفة يومية، تخفيفًا عنهم، بل قد يستقبل فى أحايين كثيرة، فى عيادته حالات مرضية متأخرة، ويتكفل بتوفير العلاج اللازم لها.. ولكن هل هذا يكفى؟!
 
نحن فى احتياج شديد لتعميم مثل هذه السلوكيات الإنسانية النبيلة، فتكون هى النموذج الأصيل، والقاعدة الأساسية، فى المستشفى والمدرسة والبيت والعمل والشارع، وما عداها استثناء، ولكنَّ الواقعَ يؤكد أن العكس هو الصحيح بكلِّ أسى وأسف، ولو أنكر المنكرون،  نحتاج "جبرًا للخواطر" من معظم الأطباء، ومن معظم المدرسين، ومن معظم المسؤولين، كبارًا كانوا أو صغارًا، كلٌّ فى موقعه، بل ومن معظم المجتمع!
 
من الجنون والشطط.. أن يكون السلوك العام الذى يحكمُ تصرفاتنا هو: التفننُ فى "كسر الخواطر"، فيتطاول من يظن نفسه "كبيرًا" على من يراهم "أدنى" منه جاهاً أو مالاً أو منصباً، ويتخذه سخريًا، أو يتعمد تجريحه وإشعاره بـ"الدونية"، هذا يحدثُ على مدار الساعة، لا يجبُ أن ندفن رؤوسنا فى الرمال، أو نكذب لنتجملَ، أو ندَّعى أننا مجتمع من الملائكة الأطهار.
 
تعالوَا نَقلبْ صفحاتِ الماضى بكل سوءاته، مزِّقوها، اعتبروها كأن لم تكن، ولنهذِّبْ أنفسنا ونضبطْ مساراتها ونُعدْها إلى طريق الرشاد، ونحذفْ من قواميسنا اليومية عبارات السخرية والازدراء والاحتقار والإهانة، فكونك ثريًا أو نافذًا لا يمنحك الحقَّ فى إهانة مَن هم دونك، فلكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ، فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ، هي الأيامُ كما شاهدتها دُولُ، مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ، وهذه الدار لا تُبقي على أحد، ولا يدوم على حالٍ لها شانُ، اجعلوا الرفق شعارًا لكم فى الحياة، و"جبر الخواطر" منهاجاً، اجبروا خواطر كل من حولكم: فى البيت وفى العمل، وفى الشارع. إياك أن تتوهم إن إذلال خادمك أو حارس عقارك، أو بائع متجول، أو اى إنسان لم تنصفه الأيام،  بطولة أو نصراً مبيناً، بل هى الخسَّة والنذالة فى أقبح صورها!
 
ولأن التعويل على المناهج المدرسية أو خطب وعظات دور العبادة لم يعد عمليًا أو مُجديًا فى السنوات الأخيرة، فإننى أقترح على معالى وزيرة التضامن الاجتماعى الدكتورة "نيفين القباج"، أن تتبنى تحديد  يوم لـ"جبر الخواطر"، يكون عيدًا للمصريين من كل عام، يتسابقون فيه إلى جبر خواطر الفقراء والمرضى والمشردين ومَن تقطعتْ بهم الأسباب والسبل، وفى مثل ذلك فليتنافس المتنافسون، وأتمنى أن يشهد هذا العيد فى كل عام، تكريم شخصية بارزة فى العمل الإنسانى النبيل، ممن لا يبحثون عن شهرة ولا يراؤون الناس، فضلاً عن تكريم شخصيات أخرى، من عوام الناس، تكون قد أنجزتْ خيرًا فى هذا المضمار.
 
ربما لو تم تحديد عيد لـ "جبر الخواطر" نكونُ قد أنجزنا شوطًا كبيرًا فى إعادة الشخصية المصرية إلى عهدها القديم، ونجحنا فى إصلاح ما أفسدته الأيام.. فهل أنتم فاعلون؟

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق