ما بعد "كورونا"..

الجمعة، 20 مارس 2020 03:20 م
ما بعد "كورونا"..
مختار محمود

 
رغم ضبابية المشهد محلياً وعالمياً، فإن الأمل فى زوال "الغُمَّة" لا يزال قائماً، فالله لطيفٌ بعباده. المعامل البحثية بالدول الكبرى تسارع الزمن لإنتاج عقار طبى قادر على كسر أنف "فيروس كورونا" القاتل. الإنسانية ترتقب هذا الخبر بفارغ الصبر. ما يحدث الآن فاق كل تصور وتجاوز كل خيال. لا تخلو نفسٌ بشرية من إحدى درجات الهلع والفزع والخوف. أهى القيامة تقترب، أم ابتلاء جديد يزول آجلاً أو عاجلاً؟ لا أحد يعلم. الإجابة فى علم الغيب. الذين كانوا يعلنون تحدى السماء كل صباح ومساء، صاروا الآن يناجونها بلطف، يسألونها السلامة، وعبور الأزمة. تصريحات ملوك وقادة ورؤساء العالم الذين ملأوا الدنيا حروباً وصراعات وفتناً ودماءً لا تخلو من "نبرة دينية" غير مسبوقة، تصل إلى حد "الدروشة"! هل تستجيب السماء هذه المرة أم تُعرض؟ لا أحد يعلم. البلاء عظيم.
 
دور العبادة تكاد تكون خاوية على عروشها. القرآن الكريم الذى يصفه البعض بأنه "نص بدوى" جاء به "رجل بدوى" قبل 14 قرناً من الزمان يحاكى الواقع الأليم الذى نعيشه الآن. آيات كثيرة تشبه هذه المأساة، تُشعرك أنها نزلت فى التوِّ واللحظة. " حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا"..هذا نصٌّ قرآنىٌّ مُعجزٌ  ومعبر وكاشفٌ ودالٌّ.  إنها الحقيقة التى يتعامى عنها أكثر الناس من كل الأديان والملل والنحل. مَن كان يصدق يوماً أن يُصاب العالم بكل هذا الهلع وكل هذا الشلل. دولٌ تغلق حدودها. الأنشطة التجارية والاقتصادية الأغلى تخشى من الإفلاس. المسابقات الرياضية مُهددة بالتجميد لأجل غير مسمى. مليارديرات الرياضة والفن والبزنس  يجلسون كرهاً فى بيوتهم. أوكار الشيطان التى  لا تجعل لشهر رمضان وقاراً أغلقت أبوابها. لا أحد يعلم ماذا سوف يحدث بعد دقيقة واحدة من الآن. نعم.. قد ينقشع البلاء، وتزول الغمة، وتنتصر البشرية على الفيروس القاتل وتعود الحياة إلى سيرتها الأولى، فماذا نحن يومئذ فاعلون؟ هل نكون قد تعلمنا واعتبرنا وأعدنا ترتيب حياتنا، وتأكدنا أن هذا الكون ليس فوضوياً، وأن هناك إرادة إلهية قادرة على كل شئ وفى أى وقت، وأن الإنسان مهما تقدم يبقى ضعيفاً ذليلاً مكسوراً بلا حول ولا قوة أمام إرادة الله؟ هل ندرك مثلاً أهمية النظافة الشخصية فى حياتنا.
 
الدين والعلم يتكاملان ويُلحَّان ويضغطان فى هذا الأمر، غير أن كثيراً منا كان ولا يزال يتعامل مع النظافة باستخفاف واستهتار، بعضنا عقد بروتوكولات تعاون طويلة الأجل مع مظاهر القبح. الإسلام الذى يزال متنطعون يصفونه بـ "الدين البدوى" يُحرِّض أتباعه عبر "نصوص قرآنية" و "أحاديث نبوية" على الاهتمام بالنظافة فى المطعم والمشرب والملبس وكل شئ، ولكننا لا نفعل، ونصر على ألا نفعل، والشواهد كثيرة ومُخجلة، فلنجعل النظافة الشخصية عنوان وأسلوب حياتنا فى البيت والعمل ودور العبادة والشارع.. وفى كل مكان.
 
 "النظافة الشخصية" ينبغى أن تواكبها "نظافة نفسية". يجب أن يكون هذا الظرف الاستثنائى من عمر الإنسانية دافعاً لكل منا إلى أن يطهر نفسه من أدران وأمراض لو مُزجتْ بأبحار وأنهار الدنيا  لعكرت ماءها وأفسدتها. طهروا نفوسكم، لا شئ يستحق صراعاً وأحقاداً؛ فالكون قد يسدل أستاره فى لحظة. الغشاشون والمحتكرون والمزورون وذوو الألف وجه.. عليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا ترتيب أوراقهم وأولوياتهم. الذين شيدوا أمجادهم بالكذب والزيف والتضليل والمكر والخديعة.. ألم يأن لكم أن تكفُّوا وتتوقفوا وتتوبوا إلى الله وترجعوا، فمن أجلكم ينزل البلاء ويستشرى ويتوحش ويستعظم؟
 
 التجربة أثبتت أن أهل العلم  أولى من غيرهم  بالتقدير المادى والمعنوى، وعلى العالم أن ينحنى لهم إعزازاً وإكباراً وتعظيماً. فالسياسيون والمفكرون والمثقفون والفنانون والرياضيون لا يصنعون مجداً مذكوراً للإنسانية، هم ومعهم رجال الدين قد يصنعون أمجاداً شخصية لأنفسهم فقط، بل إن كثيراً منهم يزكون الحروب والصراعات ويتحولون إلى عبء تقيل على الحياة. المستقبل يجب أن ينحاز لمن يخدمون البشرية ويشكل الدرع الواقى لها فى زمن الأوبئة والفيروسات القاتلة، أما العوالم من الرجال والنساء فعليهم أن يختفوا من المشهد فوراً.
 
 الإنسانية تواجه تحدياً نادر التكرار والحدوث، سوف تنتصر عليه إن شاء الله وتقهره، ولكن الأهم من ذلك أنه قد آن الأوان لأن تنتصر على نفسها، وشططها، وجنونها، ونزواتها، وغرورها، وكبرها، وأنها مهما علت واستعلت، فإن هناك من بيده وحده مقاليد الأمور، من يقول للشئ: كن فيكون.. لمن المُلكُ اليوم وغداً ويوم يقوم الناس لرب العالمين، المُلك دوماً وأبداً لله الواحد القهار

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق