حكايات من التنمر على الأموات

الأحد، 19 أبريل 2020 09:00 ص
حكايات من التنمر على الأموات
أيمن عبد التواب

 
الموقف المخزي للمواطنين الذين تزعموا رفض دفن بعض المتوفين نتيجة إصابتهم بفيروس كورونا المستجد «كوفيد- 19»، ذكرني بمواقف مماثلة حدثت في قريتنا «ميت أبو الكوم»، وظني أنها حدثت، وتحدث في كل مكان وزمان.. لكن باختلاف التفاصيل، والأشخاص، والأموات.
 
سطور الحكاية الأولى تعود إلى نحو أربعين عامًا.. فعلى الرغم من أنني كنت طفلًا- وقتذاك- إلا أن الواقعة محفورة في الذاكرة؛ إذ كان الشخص المتوفى «أ. ال» رجلًا رقيق الحال، رث الثياب، يقتات على ما يجود به عباد الله عليه.. وكنا- كمعظم الأطفال في القرى- نجري وراءه مرددين: «يا راجل يا عجوز مناخيرك أد الكوز»..
 
كان «أ. ال» يقيم في بيته «الطيني» المتواضع، قبل أن ينتقل إلى منزله «الحجري المسلح» الجديد، المكون من طابقين، الذي منحه إياه الرئيس الراحل أنور السادات.. وكان يقيم فيه بمفرده، لا زوجة، ولا أبناء.. بل كان بعضنا يعتقد أنه بلا أهل، و«مقطوع من شجرة».. وعزز هذا الاعتقاد أن «أ. ال»، حين موته ووقت دفنه، أنكره أهله.. وأقسموا بأغلظ الأيمان أنه ليس منهم، ولا يمت لهم بصلة قرابة، لا من قريب ولا من بعيد؛ رافضين دفنه في مقابر العائلة..
 
لكن الذين تبرأوا منه بالأمس، أسرعوا ليثبتوا قرابتهم من «المرحوم»؛ لـ«يرثوا» المنزل الذي تركه، و«الثروة» التي كان يخفيها- كما كان أهل القرية يقولون في أحاديثهم- في «الزلع، والأحذية القديمة»! 
 
بعد هذه الواقعة ببضع سنوات، توفي شخص طيب آخر يدعى «ج. ص».. ولم أعهد له عملًا سوى «سلخ الحمير» وبيع جلدها.. وربما كان هذا العمل سبب رفض ذويه «الأشد بساطة وفقرًا» أن يدفنوه في مقبرتهم، لا لشيء مشين في شخصه أو سلوكه، ولكن لفرط بساطته، وفقره.. إذ لم يترك «جنيهًا واحدًا»، ولم يترك زوجة ولا ولدًا.. وفشلت محاولات عقلاء القرية بعدول الأهل عن موقفهم والسماح بدفنه في مقبرتهم.
 
أزمة كبيرة كادت أن تحدث، لولا تدخل المرحوم «محمد ماضي»، ابن العائلة التي كانت تتولى «العمودية» في ميت أبو الكوم، وتزوج منها الرئيس السادات زوجته الأولى الراحلة «إقبال ماضي»، وأنجب منها بناته «كاميليا، ونادية، وروقية».. فهذا الرجل «الشهم» عندما علم برفض أهل المتوفى، اقسم أن يدفن هذا المسكين بجوار والده وجده المرحوم «محمد بك سالم ماضي»!
 
لم تنته حكايات التنمر في قريتنا.. فمنذ سنوات ليست بعيدة، توفي رجل يدعى «م. خ»، وكان من عائلة «مستورة»، لكنه كان رقيق الحال هو وزوجته وأولاده.. وكان يعمل في قطاع البناء، «الفاعل»، قبل أن يجبره المرض على بتر إحدى قدميه، ويجلس قعيدًا، ويتحرك بعكاز.. ولما مات كادت عائلته أن تتبرأ منه.. فلم يشارك في جنازته كثيرون من عائلته ولا من أهالي القرية، ولم ينصبوا له صوانًا للعزاء، ولم يستقدموا له مشاهير قراء القرآن الكريم، ولا أي شيء مما كانت تفعله العائلات المستورة مع مَنْ يتوفى من أفراد العائلة.
 
والغريب، أنه بعد أعوام من وفاة «م. خ»، ماتت زوجته «ن» هي الأخرى.. لكن يوم وفاتها كان يومًا مشهودًا في القرية؛ إذ ظهر لها ألف قريب وقريب، وتسابقوا فيما بينهم أيهم يكتب اسمه أولًا في النعي الذي سيعلنه الناعي، عبر مكبرات الصوت في مساجد القرية، ومَنْ سيسير في الصفوف الأمامية في جنازتها.. ومَنْ سيقف على «الجبانة» ليأخذ «الخاطر».. ومَنْ سوف يتفق مع صاحب «الفراشة» لينصبوا لها «صوانًا» فخيمًا، ويعملوا لها عزاءً «محترمًا» يليق بأفراد العائلة..
 
وما كان سيحدث ذلك لولا أن كل واحد من هؤلاء يخطب ود ابن السيدة المتوفاة، الذي أشيع أنه نصب على بعض المواطنين، بين عامي 2004 و2005، وأخذ منهم أموالًا بزعم قدرته على «تسفير» أبنائهم إلى أوروبا.. لكنه أخذ أموالهم وهرب إلى الخارج.. لكنه صار- الآن- يمتلك الملايين، ويمتلك شركة في دولة الإمارات، على الرغم من جهله، وأميته؛ لينطبق عليه وعلى عائلته قول الشاعر:
الناس قد مالوا إلى مَنْ عنده مال
ومَنْ لا عنده مال عنه الناس قد مالوا
 
الحكايات السابقة تقودنا إلى التساؤل عن الأسباب التي تدفع «المتنمّر» للتنمر على الآخرين، وهي على الرغم من كثرتها إلا أنني أرى أن أهمها هو «الجهل» بمعناه الأعم والأشمل.. ثم عدم تقدير الشخص لذاته؛ لذا يلجأ إلى الحط من الآخرين، وإهانتهم، وضربهم في بعض الأحيان؛ ليشعر أنه أفضل من المتنمّر عليه، حتى ولو كان متوفيًا.. وربما كان المتنمّر متكبرًا، متعجرفًا، يظن أن أفضل شخص في العالم، وأن أحدًا لا يملأ عينه.. وهذا يتطلب من الجميع تكثيف الجهود في معركة الوعي الثقافي والاجتماعي؛ حتى نجبر هؤلاء المتنمرين على الاختفاء من المشهد.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق