شيزوفرينيا فنية!

السبت، 04 يوليه 2020 01:46 م
شيزوفرينيا فنية!
مختار محمود

فى تقريره الدورى عن الدراما الرمضانية.. شدد المجلس القومى للمرأة على أن معظم المسلسلات التى عُرضتْ خلال شهر رمضان الماضى، حفل بتجاوزات تتناقض مع قيم المصريين الدينية والاجتماعية، أبرزها: استخدام الإيحاءات الجنسية والألفاظ البذيئة وغير اللائقة من السيدات، والتركيز على المرأة اللعوب التى تتلاعب بالرجل للحصول عليه، حتى لو كان متزوجًا أو خاطبًا، والفحش فى إظهار الخيانة الزوجية، والتركيزعلى تقديم صورة المرأة المتسلطة سليطة اللسان فاقدة الحياء. هذا غيضٌ من فيض، فالتقرير الصادر عن جهة حكومية مدنية "لا علاقة لها بالدين" يحفل بما يشيب له الولدان، ويؤكد أن الفن المصرى خرج عن مساره الرشيد، وأن صُنَّاعه يتعاملون معه بمنطق تجارى بحت!
 
بالتزامن مع صدور هذا التقرير الصادم والكاشف، حلَّ الممثل يوسف الشريف ضيفًا على إحدى القنوات الفضائية، وتحدث عن تجربته الشخصية، كاشفًا عن أنه قطع عهدًا على نفسه منذ عشر سنوات ألا يقدم مشاهد ساخنة ضمن أعماله الفنية. "الشريف" لم ينتقد غيره، ولم يزايد على زملائه، ولكن تحدث عن نفسه فقط، وهذا حقه، ولا يجب أن ينازعه عليه أحد، وهو ما لم يحدث، حيث تدافع عدد كبير من الفنانين والمخرجين والمنتجين المتقاعدين وممثلى الصفين الثانى والثالث، وتناوبوا على زميلهم سُخرية واستهزاءً وغمزًا ولمزًا وتجريجًا. وكالعادة لم يفوت الغلام خالد منتصر الفرصة دون أن يتقيأ بعضًا من بذاءاته التى لا تنفد أبدًا ضد الممثل الملتزم فنيًا وأخلاقيًا.
 
يوسف الشريف ليس فنانًا مغمورًا أو صغيرًا يتحسس طريقه للشهرة، ولكنه استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يجعل من نفسه رقمًا فى معادلة الدراما الرمضانية، وتحتل مسلسلاته قائمة الأكثر مشاهدة، كما إنها لا تحفل بمثل الملاحظات الصارخة التى رصدها المجلس القومى للمرأة أو الجهات ذات الصلة، ويبدو أن نجاحاته الأخيرة أثارت غيرة زملائه من الذين تجاوزهم الزمن، ما دفع عددًا منهم إلى المزايدة عليه، وفرض الوصاية على رأيه، حتى لو كان رأيه خاصًا به ولا علاقة له بغيره، ما يؤكد صحة المثل الشائع: "عدوك ابن كارك"!
 
الحديث عن تقديم "فن راقٍ ونظيف" لا يروق لـ "غربان وبوم الوسط الفنى"، ممن يتعاملون مع الفن بمنطق سافل ورخيص، وكأن الفن لا يكون فنًا إلا إذا جرت تفاصيله داخل غرف النوم وعلى الأسرَّة، واندمج أبطاله فى مشاهد جنسية فجَّة لا مبرر لها ولا علاقة لها بالقصة من قريب أو بعيد.
 
ولأنَّ الشئ بالشئ يُذكر، فإننى أُذكِّر هؤلاء الغاضبين من يوسف الشريف والمزايدين عليه بملاحظات مُحددة؛ لعلهم يعقلون:
 
أولاها:- أن معظم من هاجموا بطل مسلسل "النهاية"، الذى حقق نجاحًا كبيرًا فى رمضان الماضى، صرحوا أكثر من مرة بأنهم يرفضون أن تعمل زوجاتهم وبناتهم فى المجال الفنى تحت أى ظرف، بل إن بعضهم انفصلوا عن زوجاتهم الفنانات بسبب تقديمهن مشاهد ساخنة، أو العكس! أضفْ إلى ذلك أن معظم الفنانات اللاتى تخصص فى تقديم المشاهد الجنسية فى السينما المصرية، إما اعتذرن عنها وصرَّحنَّ بندمهن الشديد، أو اعتزلن الفن بشكل نهائى، واختفين عن الأضواء، وانقطعت أخبارهن.
 
ثانيًا:- يوسف الشريف ليس الأول الذى يتحدث عن "الفن النظيف والراقى"، فلا يخفى على أحد أن الممثل الكوميدى إسماعيل ياسين، أحد أبرز نجوم السينما المصرية على مدار تاريخها على الإطلاق، كان يرفض ما يرفضه يوسف الشريف ويُطبقه عمليًا. ورغم أن جميلات السينما المصرية فى هذا الوقت مثل: "كاميليا" و "هند رستم" وغيرهما قدمن أدوار الزوجة والحبيبة لـ "سُمعة" فى جميع أفلامه، وكان كثير من المشاهد تتطلب "تلامسًا" أو "تقبيلًا" إلا أنه لم يفعلها مرة واحدة، فهل كان نجم الكوميديا مغاليًا أو متطرفًا، أو لا يجيد فهم قواعد اللعبة، أو دخيلاً على الفن؟
 
وبالتزامن مع هذه الفترة وتحديدًا فى العام 1950، أنتج الموسيقار الكبير  محمد عبد الوهاب فيلم "بلدى المحبوب" من بطولة سعد عبد الوهاب، وفور طرح الفيلم فى دور العرض، قال موسيقار الأجيال فى تصريحات صحفية لـ"أخبار اليوم": "أردتُ بإنتاج هذا الفيلم  أن أسهم في بناء هذا الصرح الضخم الذي نسعى لتشييده بتقديم أفلام نظيفة تعالج شئوننا الاجتماعية وتعاون على خلق روح المرح التي يحتاج إليها الناس"..فهل تعرض "عبد الوهاب" حينئذ عندما تكلم عن "أفلام نظيفة" لهجوم وتطاول وسخرية عواطلية الفن والمخرجين والمنتجين المتقاعدين؟
 
ثالثًا:- بعيدًا عن النماذج المحلية والتاريخية، فإنَّ كثيرًا من نجمات الأفلام الساخنة فى هوليود، لا يقدمن بأنفسهن المشاهد الفاضحة من الأساس، وإنما يلجأن لدوبليرات او ما يُسمى "الممثلة البديلة"!
قبل تصوير فيلمها الشهير Pretty Woman""، اتفقت النجمة العالمية " جوليا روبرتس" مع الشركة المنتجة ومخرج الفيلم على أنها لن تصور المشاهد التى تظهر خلالها شبه عارية، وطلبت الاستعانة بدوبليرة، ولبَّى المنتج والمخرج طلبها بهدوء، ولم يقل أىٌّ منهما لها: " متشغتليش الشغلانة دى تانى"، كما قيل لـيوسف الشريف قبل عشر سنوات، كما أن الأمر ذاته تكرر عند تصوير الأفيش الذى تقوم فكرته على ظهور بطلة الفيلم عارية، وعندما سألت مجلة "Us" الأمريكية "جوليا" عن السر وراء موقفها، ابتسمت نصف ابتسامة، قبل أن تُعقب: "لأن هذا ليس مناسباً لي"، فهل قامت الدنيا ولم تقعد فى هوليود، أو اتفق المنتجون والمخرجون على عدم الاستعانة بها فى أعمال قادمة؟
 
رابعًا:- ما رأى أولئك الغاضبين والمزايدين والخائفين على صرح الفن المصرى من التهاوى بسبب تصريح فردى ورأى شخصى، من حالة الانفلات الأخلاقى التى تضرب أعماق المجتمع المصرى بشكل غير مسبوق، جراء أعمال فنية لا علاقة لها بالفن من قريب أو من بعيد، كالتى تحدث عنها المجلس القومى للمرأة؟ هل هدف الفن – من وجهة نظركم- هو الهدم وليس البناء، التخريب وليس الترميم؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب.. فلماذا ترفضون تجسيد زوجاتكم وبناتكم  أدوار الإغواء والإغراء، وتتركون يوسف الشريف وشأنه، أو ليست الحرية التى تنادون بها أن يقول كل شخص ما يريد ولا يتعرض للإقصاء والوصاية من أحد، ما هذه الشيزوفرينيا البغيضة؟!
 
 
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق