حان وقت الاصطفاف الوطني

الأحد، 05 يوليه 2020 10:00 ص
حان وقت الاصطفاف الوطني
أيمن عبد التواب

المعارض لا يتلقى أجرًا أما الخونة فينتظرون من «كفيلهم» مقابل خيانتهم
نابليون رفض مصافحة عقيد نمساوي مكنه من احتلال النمسا وقال له: صحيح أنت قدمت لنا خدمة عظيمة ونشكرك عليها لكنني لا يمكن أن أصافحك لأنك خنت بلدك
 
المواقفُ فرَّازةٌ، والمخاطر كاشفة.. وعند التحديات التي تواجه أمتنا المصرية، على كل الأطياف السياسية الكف عن الثرثرة واللغو السياسي، وأن تنحي خلافاتها مع الحكومة جانبًا، وتصطف- بكل إيمان وجدية- خلف الدولة وقيادتها، وتسخر كل قدراتها وخبراتها، كلٌ في مجاله؛ حتى تنقشع غمة الإرهاب وتهديد حدودنا شرقًا وغربًا، وحتى تتبدد نغمة عدم أحقيتنا في مياه النيل، والتلويح بتعطيشنا.. هكذا يفعل الوطنيون، وإن كانوا على يسار السلطة.
 
في القضايا المصيرية والوجودية، لا مجال للانحراف عن صف القيادة، والحديث عن معارضة قرار الدولة يصبح عبثًا ولغوًا لا طائل من ورائه، ومزايدة رخيصة لحصد مكاسب لا تسمن ولا تغني من جوع.. رأينا ذلك الاصطفاف في إسرائيل عندما احتلت- ولا تزال- أرضًا عربية.. ورأيناه أيضًا في الولايات المتحدة الأمريكية وهي تغزو دولًا في قارات أخرى.. ورأيناه في المجتمع الإثيوبي الذي يقف خلف قيادته في مشروع «سد النهضة» على الرغم من تأثيره السلبي على مصر.
 
هناك هُوَّةٌ سحيقةٌ، وبَوْنٌ شاسعٌ بين المعارض الحق، النزيه، الشريف، نظيف اليد، صاحب المبدأ، المدافع عن وطنه دفاعه عن قضيته بكل السبل وعبر الوسائل المشروعة.. وبين الخائن، العميل، الوضيع، النصاب، الذي لا مبدأ له، ويسلك دروبًا ملتوية، ويستخدم وسائل غير مشروعة للوصول إلى هدفه.. وهو على استعداد دائم لأن يبيع أي شيءٍ بالمال؛ نفسه؛ عرضه؛ أرضه؛ ووطنه.
 
المعارض والخائن.. التاريخ مليء بحكايات وروايات كثيرة تعبر عن هذين النموذجين اللذين يقفان على طرفي النقيض.. لكن للأسف بعضنا يقع في الخلط بينهما، ويستخدمهما بمعنى واحد، لوصف صاحب رأي وجيه، لكنه مخالف لرأي الآخر الذي يرميه بالخيانة.. وعلى الرغم من أن بعض هذه الروايات من وحي خيال مؤلفها، إلا أننا يمكن استخلاص العبرة من تأليف الحكايات عن هاتين الحالتين المتناقضين.
 
إحدى الروايات المنتشرة، ولا أصل لها إلا في خيال مؤلفها، تحكي عن جنرال يدعى «جوبلز هويزنجر»، أحد كبار قادة سلاح المدرعات في الجيش الألماني، وأنه أثناء الحرب العالمية الثانية بين ألمانيا وبريطانيا عارض هتلر، وانشق وهرب إلى لندن عام 1944، وطلب من الاستخبارات البريطانية اللجوء السياسي.
لكن أثناء التحقيق معه في بريطانيا رفض- بحسب الرواية- إعطاء المحققين أي معلومات متعلقة بعمله العسكري، ورفض العمل كجاسوس مزدوج، ودعوة الجنود الألمان للانشقاق.. فقال له أحد المحققين: كيف تطلب لجوءًا، ولم نستفد منك شيئًا، فما الذي يثبت لنا أنك معارض لهتلر؟ فقال جلوبز: أنتم لا تطلبون معارضًا لهتلر، بل تريدون خائنا لوطنه وأنا لن أكون خائنًا. فرد عليه الضابط: بل أنت خنت وطنك منذ أن جئت تقايضنا به بمنزل وحفنة جنيهات.. عندها ندم جلوبز وأراد العودة إلى ألمانيا، ولو كانت حياته هي الثمن، لكنهم رفضوا عودته، وحاولوا انتزاع المعلومات منه بالقوة حتى مات تحت التعذيب!
 
وعلى النقيض تمامًا، تقول رواية أخرى إنه في حرب فرنسا والنمسا، وبعد ستة أشهر من القتال الشرس، لم يتمكن جيش نابليون من احتلال شبر واحد من النمسا.. حتى جاء لنابليون ضابط نمساوي وأعطاه معلومات تفصيلية دقيقة عن كل ما يتعلق بالجيش النمساوي؛ مواضعه؛ توزيعه؛ قطعاته؛ خطوط دفاعه؛ ونقاط قوته وضعفه.. فاجتمع نابليون بهيئة أركانه ورسم خطة هجومية متكاملة.. واحتل النمسا في ليلتين بفضل معلومات العقيد النمساوي الخائن.
 
وبعد أن أتم نابليون احتلال النمسا، جاءه العقيد النمساوي ليكافئه على ما قدمه من معلومات، وكان يتوقع أن ينصبه نابليون حاكمًا على النمسا أو غير ذلك. ولما مد يده ليصافحه، قال له نابليون: يدي لا تصافح أيادي قذرة خانت بلدها.. صحيح أنت قدمت لنا خدمة عظيمة ونشكرك عليها ولكنني لا يمكن أن أصافحك لأنك خنت بلدك.. ورمى إليه بكيس من المال والذهب، كما يرمي الخبز للكلب. 
 
خلاصة القول.. المعارض لا يتلقى أجرًا، ولا ينتظر جزاءً نظير رأيه المخالف لتوجهات وقرارات النظام الذي يعارضه، لأنه قد يغير رأيه ويتبنى وجهة نظر النظام، إذا ما ثبت له أنه كان متسرعًا، وتأكد له أنه كان على خطأ.. وربما يعتذر عن رأيه السابق، ويدعم قرارات النظام، خاصة إذا كانت هناك وقائع وشواهد على تثبت ذلك، ولا ينكرها كل ذي عينين بصيرتين.
 
أما الخونة فإنهم دومًا ما ينتظرون من «كفيلهم» مقابل خيانتهم، وكلما كانت الخيانة أبشع، كانت مكافأة الخيانة أكثر سخاءً.. هؤلاء ليسوا على استعداد لتغيير رأيهم، ووجهة نظرهم إذا ما ثبت لهم أنهم كانت خطأً، بل ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على بصرهم غشاوة، بعدما تبين لهم الحق، لكنهم أنكروه وجحدوه.. وباعوا وطنهم بثمنٍ بخس، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. تراهم يعرضون أنفسهم في سوق النخاسة، رافعين شعار: «أبجني تجدني»، حتى وإن كان هذا المشتري هو عدوه الذي احتل أرضه، واغتصب أهله، ونهب ثروته!
 
بعضًا من هؤلاء الخونة تستطيع أن تراهم بنفسك، فهم منتشرون في الفضائيات التركية والقطرية، وكل المحطات المعادية لمصر التي تحاربنا ليل نهار، و«تستأجر» خونة يبثون سمومهم، للنيل من أم الدنيا، لصالح أعداء ومحتلين لا يتمنون الخير لنا.. يسفهون من أي نجاح نحققه ولو كان عظيمًا.. ويعظمون أي حدث سلبي ولو كان تافهًا.. يريدون أن يرى العالم مصر بعيونهم وقلوبهم التي لا ترى إلا السواد.. يؤلبون العالم علينا.. يفرحون في كل مصيبة تنزل بنا، ويلطمون خدودهم على كل نجاح نحققه.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق