رجاء الجداوي.. أخر هوانم مصر ترحل وحدها

الجمعة، 10 يوليه 2020 10:33 ص
رجاء الجداوي.. أخر هوانم مصر ترحل وحدها
رجاء الجداوي
السعيد حامد

34  يوماً ظلت فيها الجميلة الرقيقة رجاء الجداوي، حبيسة فيروس كورونا اللعين، تصارعه وجها لوجه، تهزمه شوطا ويهزمها أشواطا أخرى، حتى خارت قواها واستسلمت لرياح الموت رايتها، مودعة المصريين من على سريرها، فثمة رحلة أخيرة عليها عبورها وحدها، دون أحد، سوى قلبها.
 
في مدينة الإسماعيلية، ووسط أسرة عربية ميسورة الحال تعود أصولها إلى ينبع في غربي الجزيرة العربية، ولدت الطفلة «نجاة علي حسن الجداوي»، من أب من أصل حجازي وأم من أصل نجدي، لتصبح فيما بعد رجاء الجداوي، ملكة الجمال وعارضة الأزياء، صاحبة المقام الرفيع.
 
في عمر الثلاثة سنوات انتقلت الطفلة رجاء الجداوي إلى القاهرة رفقة شقيقها الأصغر فاروق، للإقامة مع خالتها الفنانة تحية كاريوكا التي تولت رعايتهما بعد طلاق والدتها. كانت رجاء تمتلك 5 أشقاء، لكن شاءت الأقدار أن تتولى تحية كاريوكا رعاية الطفلة وشقيقها، وتنقلهما إلى من الإسماعيلية إلى القاهرة، عاصمة الفن في الوطن العربي.
 
تحكي الجميلة رجاء الجداوي عن دور خالتها في تربيتها: «والدتي اتطلقت وكنا 5 أشقاء، فقررت خالتي تحية إنها تاخدني أنا وكان عمرى 3 سنوات وشقيقي الأصغر فاروق، لتتولى رعايتنا وانتقلنا من الإسماعيلية للقاهرة ودخلتنا مدارس فرنسية داخلية، وكانت أكثر من أم وأدين لها بكل حياتي وبقيت معها حتى سن 14 سنة».
 
تعلمت رجاء الجداوي الفرنسية والإيطالية والإنجليزية في سن مبكر، عبر مدارس الفرانسيسكان، قبل أن تلتحق بقسم الترجمة في إحدى الشركات الإعلانية، حيث عرفت من هي؟ وماذا تريد أن تكون؟ تزوجت في الأخير، من حارس مرمى النادي الإسماعيلي ومنتخب مصر الأسبق حسن مختار، عام 1970، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة «أميرة».
 
في عام 1958.. فازت رجاء الجداوي بجائزة ملكة جمال القطن المصري، لتكتشف سحرها لأول مرة وتقرر العمل عارضة أزياء، وفتح الطريق إلى عالم الفن، الذي قدمت من خلاله أفلاما ومسرحيات كثيرة، مثل فيلم دعاء الكروان، ومسرحية الزعيم، وأيضا جعلت المواقف والتصريحات المتزنة رجاء الجداوي نجمة متوجة على عرش السوشيال ميديا.
 
حين هاجم فيروس كورنا الجميلة الراحلة في 24 مايو الماضي، وأعلن عن إصابتها رسميا، هب محبوها إلى الدعوة للسماء لإنقاذها، بينما اختار البعض الأخر أن ينتقد مجرد نقلها إلى مستشفى أبو خليفة، وهو إحدى مستشفيات العزل بالإسماعيلية، ليس لشيء سوى أنها كانت جميلة تعشق الفن والمرح.
 
«ربما يكون قضاء ربنا أن أموت هنا».. كانت تلك الجملة هي أول ما نطقت به رجاء الجداوي، حين وصلت إلى مستشفى أبو خليفة في الإسماعيلية، ربما قالتها يأسا، أو لعلها نطقت بها راضية مرضية.
 
بقيت الجميلة الراحلة تحت العلاج في المستشفى لمدة 43 يوما، تتلقى بصدر رحب ضربات الفيروس اللعين، لكن تأتي الرياح بما لا يحب ويرضى عشاق الفنانة، وتعلن ابنتها الوحيدة «أميرة مختار» الخبر الحزين: رجاء الجداوي في ذمة الله.
 
 وتشكل أيام الفنانة الأخيرة في مستشفى أبو خليفة رغم مراراتها وقسوتها، لحظات وذكريات لن تمحى من ذاكرة كل العاملين في المستشفى، خاصة طبيبها الذي نعاها على طريقته الخاصة، وكشف كيف ظلت الجميلة، جميلة حتى آخر لحظات حياتها، توزع طاقة حبها للناس، محتفظة بإنسانيتها وإحساسها بالآخرين.
 
يحكي محمد خالد، وهو طبيب أشرف على حالتها في المستشفى، إنها كانت تناديه باسمه دون لقب، بعد أن تقاربا نفسيا وبعد فترة طويلة قضاها الأول في محاولة إنقاذ الفنانة الراحلة من براثن الفيروس اللعين. يقول خالد: «كانت تحكي لي بكل ود وألفة معي عن حياتها وأقرب الناس لقلبها».
 
لحظات الراحلة رجاء الجداوي مع طبيب المستشفى، لم تقف عند حدود علاقة الطبيب بمريضته فقط، بل أصبح خالد طريح الفراش في نفس المستشفى أيضا، إذ تأكد إصابته بفيروس كورونا، بعد استمراره العمل أكثر من 100 يوم متصلين داخل مستشفيات العزل الصحي في الإسماعيلية، لكن كانت رجاء الجداوي، تخوض وحدها معركتها في العناية المركزة.
 
يروي خالد، إن الفنانة الراحلة حين علمت بإصابته من ابنتها أميرة، كانت دائمة السؤال عنه تدعو له على لسان ابنتها، بالشفاء والعودة إلى أسرته، قبل أن يكشف أن الفنانة الراحلة كانت دائما ما تحكي له عن حفيدتها روضة، وعن أقرب الصديقات لقلبها.
 
لم تنس أيضا الفنانة الراحلة زملائها في الوسط الفني، إذ ورغم مرضها الشديد، بعثت رسالة صوتية مؤثرة إلى الفنانة «شهيرة»، كشف عن تفاصيلها عمرو محمود ياسين، الفنان والسيناريست، ونجل الفنان محمود ياسين، عبر موقع انستجرام.
 
تقول رجاء في الرسالة : «شهيرة ربنا يباركلك في عمرو ويفرح قلبك بيه ويشفي الأستاذ، بدعيلكم من قلبي، وأنا في شدتي، قولي لعمرو الف مبروك. لا إله إلا الله».  وفي 5 يوليو 2020 وعن عمر ناهز الـ 86 عاما، ترحل الجميلة صاحبة المقام الرفيع في هدوء.
 
رسائل الوسط الفني التي نعت الفنانة الراحلة، جاءت هي الأخرى مؤثرة ومؤلمة، إذ لم تكن مجرد كلمات رثاء في وداع صديقتهما الجميلة من خلف شاشات الكمبيوتر وحسب، بل حرص كبير على التواجد داخل مقابر البساتين، لتشييع الجثمان، وتوديع أخر الهوانم إلى مثواها الأخير.
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق