اللافتة لا تصنع مجدًا!

الأحد، 19 يوليه 2020 09:00 ص
اللافتة لا تصنع مجدًا!
أيمن عبد التواب

 
ماذا تفعل لو كان المجموع التراكمي لابنك في الثانوية العامة لا يؤهله للالتحاق بكلية الطب، وكانت القواعد العامة للقبول، والتي حددها مكتب التنسيق، لا تنطبق عليه؟.. هل تصر على التمسك بمجموع السنة النهائية (ثالثة ثانوي)، كما كان في السابق، وإلحاقه بالكلية التي تحلم بها، أم ترضى بشروط التنسيق، وتقدم لابنك في الكلية التي تلائم مجموعه؟.. العقل والمنطق يقولان ذلك.. لكن يبدو أن هناك مَن يعيش بيننا ولا يعترف بعقل، ولا يؤمن بمنطق!
 
لو كانت الأمور بهذه السهولة، ما وجد «الفاشل»- أي فاشل- صعوبة في أن يحقق أحلامه، وأوهامه، وخيالاته، وخزعبلاته، بمجرد كتابته «ورقة مطبوعة»، يعلقها على جدار غرفة الاستقبال، حتى يراها الضيوف، فيعتقدون أنها «شهادة معتمدة»! لكن- يقينًا- هذه الشهادة لا تسحب المركز الأول من الفائز الأصلي المدون في السجلات الرسمية، ولا تساوي الفاشل معه، إلا في خيال وأوهام الفاشلين، والحالمين بالفشل.
 
في تعاملاتنا اليومية نخلع لقب «الدكتور» على «فني الأشعة، وفني التحاليل»، ونلقب السائق بـ«المهندس»، ونخاطب العسكري وأمناء الشرطة بـ«الباشا»، وكلها ألقاب لم يحصل عليها الذين نخاطبهم بها، ولن تمنحهم ميزة واحدة في مجال عملهم أو مهنتهم.. كما ليس تعليق «الإسكافي» لافتة على باب ورشته مكتوبًا عليها: «دكتور أمراض جلدية»، معناها حصوله على الدكتوراه المتخصصة في الأمراض الجلدية! وليس كتابة «السباك» كروتًا شخصية باسم: «دكتور مسالك»، معناه حصوله على بكالوريوس الطب.. وإنما هي حيل يلجأ إليها أصحابها كنوع من أنواع الدعابة والدعاية المبتكرة لترويج لأنفسهم.. إلا أن بعض المشوهين نفسيًا، والمنحرفين سلوكيًا، قد يستخدم هذه الوسائل «الشاذة» لإيهام أتباعه أنه الأحق بكل «لقب»، وأنه «دكر وأسد»! 
 
أعرف أشخاصًا لم يحصلوا على المركز الأول، في الدراسة وغيرها، لكنهم تفوقوا على أصحاب المراكز الأولى، عندما تجاوزوا «الترتيب الرقمي»، الأول، والثاني، والثالث.. وآمنوا بقدراتهم، واشتغلوا على أنفسهم، وطوروا ذواتهم حتى أصبحوا نجومًا يشار إليهم بالبنان!
 
هل تعلم أن أيًا من رؤساء وزعماء العالم، لم يحصل على المركز الأول في الدراسة؟ هل تعلم أن أديب نوبل العالمي الراحل، نجيب محفوظ، لم يكن من أوائل الثانوية العامة؟ وهل تعلم أن الدكتور «الألفة» في مجاله، مجدي يعقوب، لم يكن من أوائل الثانوية، ولا الأول على دفعته في كلية الطب؟ وكذلك لم يكن عالمنا النوبلي الراحل، أحمد زويل؟
 
هؤلاء، وغيرهم كثيرون لم يتوقفوا عند الرقم العددي، ولم يشغلهم الترتيب بين أقرانهم.. وإنما اجتهدوا، وكافحوا، وصبروا، وطوروا أنفسهم، ونجحوا، وأبهروا العالم بنجاحهم.. بل أصبحت هناك جوائز بأسمائهم.. وعلى الرغم من ذلك، لم يعلقوا لافتة على مكاتبهم تقول إنهم الأحق بلقب «طبيب القرن»، أو «عالم القرن»، أو «سياسي القرن»! 
 
ما نعلمه أن الألقاب، والجوائز، تحكمها لوائح وقوانين، واعتبارات نُوقشت قبل إقرارها واعتمادها آلية من آليات الفوز.. لكن، وللأسف، هناك مَن يخرج علينا ويعلن أنه غير معترف بضوابط الجائزة بعد عشرين عامًا من منحها لمنافسه.. وقد ظننا أن الأمر مجرد «مزحة»، أو مشهدٍ من مشاهد «مسرحية كوميدية» ينوي التعاقد عليها.. إلا أننا فوجئنا أنه جادٌ في حديثه، والأكثر مفاجئة أننا وجدنا مَن يصدقه، ويشجعه، ويصفق له، ويطلب منه المزيد، طالما كان مستفيدًا من هذا العبث!
 
قد تخيل هذه «الشهادات المضروبة» على الأهل الذين يتعاطفون مع ابنهم «الفاشل»، وعلى بعض الجهلاء، والمغيبين، والباحثين عن أي انتصار، ولو مزيف.. لكن تظل هذه الشهادات «المزيفة» أسيرة الحوائط، وغير مسموح لها بمغادرة الجدران، خاصة وأن الذهاب بها إلى الجهات الرسمية، ومطالبة المسؤولين بالاعتراف بها، والتعامل على أساسها، تعرض صاحبها للوقوع تحت طائلة القانون، بتهمة «التزوير»، وربما تعرضه للغرامة والحبس، أو كليهما معًا!
في فيلم «شيء من الخوف»، أحس «رشدي»- الفنان أحمد توفيق- بأنه شخص «تافه»، لا قيمة له، ولا يهابه الناس، فأراد أن يكون مهابًا، يزرع الخوف في نفوس الناس مثل سيده «عتريس»- الفنان محمود مرسي- فشرب خمرًا، وأثقل في الشراب حتى ثمل، وركب حصانه، وراح يطالب الناس بدفع الإتاوة.. لكن الناس عرفوا أنه ثمل، «سكران»، فاستخفوا به أكثر، وانهالوا عليه ضربًا.. بينما يقول، وهو تائه بين أيديهم: «أنتم ما بتخافوش مني ليه؟ أنا عتريس.. أنا بلوة سودة».. وانتهى المشهد بجنانه، وفقدانه عقله.. وكأنها رسالة لمن يريد أن يلبس ثوبًا غير ثوبه، ويعطي نفسه حجمًا أكبر من حجمه الحقيقي!
 
وكان الريس حنفي- الفنان عبد الفتاح القصري في فيلم «ابن حميدو»- إذا قال يمينًا، قالت زوجته شمالًا.. فهي- كما نقول- «راجل البيت»، الكلمة كلمتها، والشورة شورتها.. وكل مرة الريس حنفي يتخذ قرارًا، أو يعطي كلمة لأي شخص، ورأت زوجته العكس.. كان يقول: «خلاص، أنا أديت كلمة، وكلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدًا».. فتقول له «زاعقة»: حنفي.. يقول لها بـ«انكسار»: «خلاص.. هتنزل المرادي.. بس اعملي حسابك، المرة الجاية لا يمكن تنزل الأرض أبدًا»! ويستمر الحال هكذا.. الريس حنفي يتخذ قرارًا ويتراجع عنه أمام قوة وجبروت زوجته.. والمرة الوحيدة التي صمم فيها على رأيه كان الفيلم قد وصل إلى مشهد النهاية!

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق