لا تجادل ولا تناقش يا أخ على!

الإثنين، 20 يوليه 2020 02:20 م
لا تجادل ولا تناقش يا أخ على!
مختار محمود يكتب :

حتى تعيش هانئ البال مطمئن الجانب، لا تجادل ولا تناقش ولا تُراجع، وعش بلا رأى ولا وجهة نظر، وإن لم تفعل فسوف تجد نفسك فى مرمى الاتهامات والتلفيقات والتصنيفات. "لا تجادل ولا تناقش يا أخ على وإلا وقعت فى المحظور".. العبارة التى قالها أمير الجماعة المتطرفة "أحمد راتب" لعضو التنظيم "عادل إمام" فى فيلم "الإرهابى" لا تشكل جماعات الظلام التى لا تعرف سوى الرأى الواحد فحسب، بل صارت عقيدة لكل جماعة، ومنهجًا لكل صاحب منصب ونفوذ. إذا جادلتَ أو تناقشتَ أو راجعتَ أو انتقدتَ، فسوف يجرى تصنيفك فورًا، ووصمك بما ليس فيك كذبًا وتدليسًا، لا يختلف فى ذلك أكثر الجماعات تطرفًا، ولا أكثر التيارات ادعاءً للحرية وقبولًا للرأى الآخر.
 
لا تكن صاحب رأى، كن منبطحًا خاضعًا مستسلمًا، مسرورًا بالانبطاح والخضوع والاستسلام. تصنَّعْ الودَّ مع الجميع، وخُض مع الخائضين فى أى أمر؛ حتى لا تخسر أحدًا. امتدح القبح، وثمِّن الباطل، وأثنِ على الضلال، حتى يرضى عنك الناس. كلنا متطرفون، كلنا متشددون، لا أستثنى أحدًا. ليس صحيحًا أن جماعات الغلو والتطرف فقط هى مَن تقتل الرأى الآخر فى مهده ولا تسمح له بأن يبصر النور، بل إن كلًا منا متطرف بطريقته الخاصة.
 
رحم الله الإمام الشافعى الذى أرسى قاعدة خالدة: "رأيى صواب، يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب"، ولكن خلف من بعده خلفٌ من رجال الدين والمُشتغلين فيه، مَن يؤمنون بأنَّ رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، ورأى غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، تحت أى ظرف. لم يخجل عمر بن الخطاب يومًا عندما قال وهو أمير المؤمنين: " أصابت امرأة وأخطأ عمر". ومن قبله.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترشد برأى غيره من الصحابة ويأخذ به إذا لمس به رجاحة دون تردد، وهو الذى كان يتنزل عليه وحى السماء.
 
  النسخة الحديثة من رجال الدين الرسميين فى مصر يرون أنفسهم أعلى شأنًا من توجيه النقد لهم. يظنون أنفسهم ملائكة أطهارًا أبرارًا. يجندون الميلشيات الألكترونية المدفوعة لشتم وقذف وتجريس مَن يخالفهم الرأى، أو يقدم لهم النصح والإرشاد. لا أعلم مَن أخبرهم أنهم فوق النقد، أأنفسُهم الأمَّارة بالسوء، أم بطانة المنتفعين، أم حاشية المستفيدين. لا يدرك رجال الدين الرسميون أنهم مجرد موظفين مُعممين، وليسوا علماء حقيقيين، ومن ثمَّ فإنهم أقرب إلى الخطأ دومًا من الصواب، ولا مبرر لهم أن يرتقوا مرتقى صعبًا عليهم.
 
ومن رجال الدين إلى مَن يحسبون ذواتهم على تيارات التنوير والحرية الذين ينتفضون ضد أى رأى مخالف لآرائهم، التى غالبًا لا تكون آراءهم، ولكنهم ورثوها ونقلوها واقتبسوها عن غيرهم. ورغم ذلك إذا كشفت عوار أفكارهم ومعتقداتهم وقناعاتهم فأنت متطرف ابتداءً وانتهاءً. هذا الحكم العشوائى يريحهم ويعفيهم من حرج الجدال والنقاش وإثبات لصوصيتهم الفكرية. من أجل ذلك وغيره.. لا تجادلْ ولا تناقشْ يا أخ على؛ حتى لا تقع فى المحظور!

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا