دعوات إمام الدعاة الممنوعة فى عرفات

الأربعاء، 29 يوليه 2020 02:38 م
دعوات إمام الدعاة الممنوعة فى عرفات
مختار محمود يكتب :

عندما كان في مصرَ خطباءُ مُفوهونَ وعلماءُ دين أكابرُ يملأون الكونَ كله علمًا ونورًا، ولم يتم احتكارُ وتأميمُ المنابر والخُطب والبرامج الدينية بعدُ، ولم يتصدر الجهلاءُ والمدعون المشهدَ، وقبلَ أن يحلَّ بالإنسانية وباءُ كورونا الذى تسبب فى إرباكِ فريضة الحجِّ هذا العام، وقبل 44 عامًا ميلاديًا، و45 عامًا هجرياً، وعندما كان عمرُه 65 عامًا..ألقى إمامُ الدعاة إلى الله الشيخ "محمد متولى الشعراوى" خطبة عرفات، ليكونَ المصرىَّ الوحيدَ من خارج المملكة العربية السعودية الذى نال هذا الشرفَ الرفيعَ.
 
الخطبة- التي زادتْ قليلًا على خمسينَ دقيقة، وتضمنتْ أربعة آلاف ومائة وعشرين كلمة، اشتملتْ على فضائلَ عدة، وشمائلَ شتَّى، وهذه سِمة لا تفارقُ خُطبَ وعظاتِ ودروسَ وكلماتِ الإمام، رحمه اللهُ، والتي تتعاظمُ قيمتُها، بتعاقبِ السنينَ، ولو كره الكارهون، وأبى الذين فى نفوسهم وقلوبهم وصدورهم مرضٌ، وتوهموا أنهم قادرون على خلافته أو إهالة الثرى على سيرته الناصعة ومسيرته المظفرة.
 
استهلًّ خطيبُ عرفات خطبته النادرة مُبسملًا وحامدًا ومُلبيًا وشاكرًا للهِ على أنعمه، ومُصليًا على النبى محمد صلى اللهُ عليه وسلم، ثم أردفَ سريعًا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمة لك والملكَ لا شريكَ لك "، مُضيفًا: "شعارُ هذا اليوم، ونشيدُ هذه الساحة وتِردادُ هذا الركن: لبيك اللهم لبيك، ومَن أولى بالتلبية منك يا ربَّ العالمين، وقد خلقتَ الخلقَ بقدرتك، وأمددتهم بقيوميتك، وأنعمتَ عليهم بدينك؟ فلا لبيك إلا لك". واستطردَ رحمه اللهُ: "سبحانك يا رب، خصصتَ هذا الركنَ العظيمَ من حجِّ بيتك، والوقوفِ في ساحة رحمتك، بما لم تُميزْ به ركنًا من الأركان.
 
خصصته بشيء حكمتَ فيه بما يكونُ إلى أن تقومَ الساعة، كلفتَ بالصلاة، وكلفتَ بالزكاة، وكلفتَ بالصيام، وتركتَ العبيدَ أخيارًا فيما يختارونَ من طاعة تقُربهم إليك أو ابتعاد يُبعدُهم عنك، ولكنك سبحانك حكمتَ في هذا الركن، أنه لا يكونُ حين يُؤذًّن بالحجِّ، إلا أنْ يأتي القومُ رجالًا ورُكبانًا من كلِّ فجٍّ عميقٍ"، مُتابعًا: "اللهم إنك قد قلتَ: "وأذِّنْ"، فأذَّنَ، وقلتَ: "يأتوكَ"، فأتى القومُ "من كلِّ فجٍّ عميقٍ". ثمَّ يتضرعُ إلى الله مُرددًا: "يا رحمة اللهِ، يا رضوانَ الله، يا تجلياتِ اللهِ، هؤلاء خلقُ اللهِ، فاهبطى عليهم بالإشراق، وتنزَّلي عليهم بالصفاء، وأرجعيهم مأجورينَ مغفورًا لهم مجبورين مُجابين الدعاء، لهم ولآلِهم ولأزواجهم ولذرياتهم ولأحبابهم ولجميع المؤمنين والمؤمنات".
 
ثم يُناجى اللهَ بصوتٍ لا يغيبُ عنه الخشوعُ والتبتلُ مُرددًا: "اللهم إنك قد أمرتنا أن نحجَّ بيتك، فامتثلنا، وقلنا: لبيك، وأمرتنا أن نقفَ في ساحةِ رحمتك، فقلنا: لبيك، فكما لبيَّنا دعوتك يا ربي، لبِّ ضراعاتنا، واغفرْ زلاتنا وارحمنا، وارضَ عنا. اللهم ما مضى من ذنوبنا فاغفره، وما نستقبلُ من حياةٍ، فاسترْ عنا ذنوبها". وفى موضعٍ ثانٍ.. يبتهلُ خطيبُ "عرفات" إلى اللهِ قائلًا: "جئنا يا ربِّ كما وعدتَ؛ لنشهدَ منافعَ، وقد شهدنا. والحمدُ للهِ، شهدنا كيف يُطبَّقُ الإيمانُ.. وكيف يُطبقُ الإسلامُ، وكيف يعيشُ المؤمنُ في منهج ربه شهرًا من الزمن أو أكثرَ أو أقلَّ، فيجدُ في نفسه صفاءً، وفي روحه إشراقًا، وفي بدنه خِفَّة للعبادة". مُضيفًا: "سبحانك يا ربي، شهدنا أنك الرحمنُ الرحيمُ، وشهدنا أنك حين تبتلى بشرٍّ في أعراف الناس، لا شرَّ منك أبدًا. إنه الخيرُ المُطلقُ، ولكنه شرٌّ بمقاييس خلقك، حين تبتلى الإنسانَ بما يشقُّ عليه ويصعبُ على نفسه.
 
لا تريدُ من عبدك إلا أنْ يرضى بقضائك، وأن يستسلمَ لحُكمك. وحين يرضى مُخلصًا بيقينٍ بما قضيتَ، فترفع قضاءك عنه وتلطفَ به".  ثم يُوجِّهُ خطيبُ "عرفات" حديثه إلى الحجيج ناصحًا:" نريدُ يا قوم ألا يكونَ ذاكَ شعارَ الحج فقط، قاصدًا التلبية، ولكننا نريد أن تكون "لبيك" شعارَ كلِّ حياتنا، كلِّ حركاتنا في الحياة شعارها: لبيك". مُختتمًا خطبته الفريدة والمُتفردة بحزمة من الأدعية التى لم تتحققْ بعدُ بسبب المسلمين أنفسهم: "وإلى اللقاء في موسمٍ آخرَ، إن شاء الله، والمسلمونَ في نصر، والمؤمنون في تجمُّع، والحاكمون مُقبلون على منهج الله، واللهُ يرعاكم.. والسلامُ عليكم ورحمة الله"!!

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق