من عثمان الأول إلى عبد المجيد الثاني.. لماذا لم يحج السلاطين العثمانيون؟

السبت، 01 أغسطس 2020 09:30 م
من عثمان الأول إلى عبد المجيد الثاني.. لماذا لم يحج السلاطين العثمانيون؟
السلطان العثماني سليم
أيمن عبد التواب

 
هل الديار المقدسة محرمة على سلاطين آل عثمان؟.. هل الغزو وتوسع الإمبراطورية مبرر لعدم أداء الركن الخامس من أركان الإسلام؟

حكاية بعض السلاطين مع الحج بـ«الوكالة» و«الإنابة» و«التنكر».. وقصة "علماء السلطة" الذين أفتوا بأن الحج ليس فرضاً على السلاطين خشية ظهور الفتنة

 
"وأذّن في الناس بالحجِّ يأتوك رجالًا وعلى كلّ ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير".. فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا». 
 
وحج بيت الله الحرام فرض على كل من استطاع السبيل إليه، من الرجال والنساء، البالغين، العاقلين.. ومَن يملك الزاد والراحلة، ويملك القدرة على أداء الحج ثم يتخلف قد أتى كبيرة عظيمة، ومنكراً عظيماً، وبحسب العلماء والفقهاء الثقات، عليه التوبة، والبدار للحج في أول فرصة تمكنه، وليس له التخلف أو التساهل في ذلك، مادام يستطيع الحج ببدنه وماله.. وقد روي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ، فَلَا يَضُرُّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
 
ولقب «حاج» من أحب الألقاب إلى قلب كل مسلم.. وفي أشهر الحج، تهفو قلوب المسلمين إلى بيت الله الحرام، كل منهم يأمل أن يؤدي الركن الخامس من أركان الإسلام «إن استطاع إليه سبيلا».. إلا أن هناك مَن يملك الاستطاعة؛ المالية والصحية، والأمنية، لكنه لا يذهب إلى الأراضي المقدسة لأداء الفريضة.. وعلى رأس هؤلاء «السلاطين العثمانيون» الـ«38»، ابتداءً من أول سلاطين الدولة العثمانية «عثمان الأول غازي» عام 1299م، وانتهاءً بآخر السلاطين «عبد المجيد الثاني» عام 1924م، على الرغم من أن هؤلاء السلاطين كانوا يمثلون «الخلافة الإسلامية»، بحسب بعض المؤرخين.
 
فلماذا لم يؤدِ السلاطين العثمانيون أو ألياء عهودهم فريضة الحج، وفقًا للوثائق التاريخية؟.. وهل الخوف من حدوث اضطرابات وقلاقل قد تطيح بسلطتهم إن هم تركوا أماكن حكمهم، ولبوا نداء الله بأداء المناسك المقدسة، مبررًا لتخلفهم عن أداء الركن الخامس من أركان الإسلام؟.. وكيف كان هؤلاء السلاطين قدوة للمسلمين على الرغم من أن أحدًا منهم ذهب إلى بيت الله الحرام، أو زار مسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم؟

الحج بـ«الوكالة»
أحاط سلاطين آل عثمان أنفسهم بما يمكن أن نسميه «علماء وفقهاء السلطان»، الذين كانوا يفصلون لهم الفتاوى التي يتكئون عليها لتبرير تخلفهم عن الذهاب إلى الديار المقدسة، لأداء مناسك الحج! من هذه الفتاوى «عدم الحج؛ تفاديا للأخطار التي تترتب على غياب السلطان، واستهداف الدولة من الشرق والغرب»، كما أن بعضهم  أفتى بأن «الحج ليس فرضاً على السلاطين، وأن الأولى بقاء السلطان وقيامه بالحكم بالعدل، لأن من المحتمل ظهور الفتنة».. وهذه الفتاوى وغيرها اتكأ عليها معظم السلاطين العثمانيين البالغ عددهم 38 سلطانا، فلم يثبت أن حج منهم سوى واحد أو اثنين فقط.. والباقي أناب مَن يحج عنه، وفقًا لقول فقهي مخالف لإجماع عدد كبير من الفقهاء وأصحاب المذاهب المعتبرة.
 
وجاء في بعض الروايات أن السلطان محمد وحيد الدين (محمد السادس)، قد نوى أداء الحج، فذهب إلى الأراضي المقدسة بناء على دعوة من شريف مكة، فأدى العمرة وأراد المقام حتى موعد الحج لأداء الفريضة، إلا أن المرض حال بينه وبين ذلك.
 
وفي كتابه «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» ذكر قطب الدين الحنفي أن السلطان مراد ابن السلطان سليم الثاني «أناب مائة يحجون عنه ويدعون له مقابل عشرة دنانير ذهبية لكل منهم».. أما السلطان محمود الأول، فقد أناب الشيخ محمد بن مراد المرادي.. وكلف السلطان عبد الحميد ابني الشيخ أحمد بن محمد زاهد المدني، إمام المسجد النبوي، بالحج عنه سنويا بالتناوب.

«شعر السلاطين» في الديار المقدسة
المؤرخ التركي «مراد باردكجي» كتب مقالًا في صحيفة «خبر ترك»، أوضح فيه تخوف سلاطين آل عثمان من ترك مقر حكمهم في عاصمة دولتهم «إسطنبول»، وعدم تمكن أي منهم من الذهاب إلى الديار المقدسة، لكنه أكد حرصهم على إرسال وكلاء لهم، وكانوا يقصون شعرهم ويرسلونه مع الوكلاء، مبررًا ذلك الفعل إلى «رغبة السلاطين العثمانيين في التعبير عن الاحترام، وتلهفهم الشديد لزيارة قبر النبي»، مشيرًا إلى أن «شعر السلاطين كان يُدفن إلى جانب قبر النبي ليكون ذخرًا لهم في الديار المقدسة».
 
وذكر «باردكجي» أن السلاطين العثمانيين كانوا يحرصون على غسل شعرهم بشكل جيد في وعاء كبير، وبعد أن يتم تجفيفه كان يُبخر بأطيب البخور وأثمنها، ومن ثم يتم تسليمها إلى قائد القافلة المتجهة نحو الحاج، وبعد الوصول لمكة يتم الطواف بها من قبل الوكيل حول الكعبة، وبعد ذلك تُنقل إلى المدينة وهناك تُدفن إلى جانب قبر النبي.
 
كما ذكر مراد باردكجي أن السلطان عبد العزيز كان يتوضأ قبل قراءة الرسائل التي تأتيه من الديار المقدسة، وأنه لم يرسل شعره إلى الديار المقدسة، بل أرسل «مكتوبًا» عام 1861، افتتحه بالسلام على الروح الشريفة للنبي، صلى الله عليه وسلم، وضمنه بالتعبير عن رغبته الشديدة لزيارة الديار المقدسة، وختمه بالدعاء لنفسه ولأمته، وقد دفن مكتوب عبد العزيز أيضًا إلى جانب الشعر الذي كان يرسله السلاطين العثمانيون.

الحج «متنكرًا»
على الرغم من تأكيد الوثائق التاريخية على أن سلاطين آل عثمان لم يحجوا، إلا أن مصادر تاريخية «شحيحة جدًا» تذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني «حج عن نفسه متنكرًا»، وهو ما جاء في كتاب «السلطان عبد الحميد الثاني المفترى عليه.. دراسة من خلال الوثائق» تأليف عمر فاروق يلماز، ترجمة طارق عبد الجليل السيد.
 
كما أن هناك بعض الوثائق التاريخية، تذكر أن السلطان «جم» ابن السلطان «محمد الفاتح» هو السلطان الوحيد الذي تمكن من الذهاب إلى الحج، لأنه كان في المنفى ولم يكن على رأس الحكم، وكان السبب في نفيه أخيه الأكبر «بيازيد الثاني» الذي كان يهدف لقتله درءًا للفتنة التي يمكن أن تنتج عن حرص «جم» على اعتلاء العرش بدلًا من «بيازيد»، فقرر الأخير قتله، وبعد علم «جم» بذلك هرب إلى أوروبا، وخلال فترة هروبه تمكن من الذهاب إلى الديار المقدسة للحج.

تبرير عدم الحج
المؤرخ والباحث التركي «محمد مقصود أوغلو» حاول جاهدًا- في دراسة نشرها الموقع التركي المعني بالتاريخ «بياز تاريخ»- إيجاد مبرر لعدم ذهاب سلاطين آل عثمان أو أولياء أمورهم إلى الأراضي المقدسة، لأداء مناسك الحج، وذكر أن السبب يكمن في تخوفهم من ترك كراسي الحكم، خشية من حدوث اضطرابات، والانقلاب عليهم، وفقدانهم حكمهم، لافتًا إلى أن مدة الذهاب إلى الحج والعودة منه كانت تستغرق في هذه الأزمان قرابة الشهور التسعة، أي نحو عام، فكان القلق يسيطر على السلاطين وأولياء عهودهم، ويمنعهم عن الذهاب للحج، لكنهم- والكلام لـ«مقصود أوغلو» كانوا يرسلون الوكلاء ليحجوا نيابة عنهم، وكانوا يسمحون لنسائهم بالذهاب إلى بيت الله الحرام، وأداء المناسك المقدسة.
 
وحاول المؤرخ التركي «مقصود أوغلو» تجميل صورة سلاطين آل عثمان، بادعاء أن فترة حكمهم التي تجاوزت الأعوام الـ600 «1299- 1924م»، كان السلاطين يولون فريضة الحج اهتمامًا كبيرًا، وأنهم كانوا يتكفلون بموسم الحج، وخدمة الحجاج وحمايتهم، ورعاية المقدسات الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة.. وأنهم كانوا يرسلون وكلاء يؤدون مناسك الحج نيابة عنهم، وأنهم كانوا يحلقون بعض شعر رؤوسهم ويرسلونه مع هؤلاء الوكلاء، كأنهم موجودون بشحمهم ولحمهم!
 
محمد مقصود أوغلو استرسل في ذكر مجموعة من التبريرات لعدم حج السلاطين العثمانيين، وأوردها في نقاط خمسة؛ أولاها أن «طريق الوصول إلى الأراضي المقدسة من اسطنبول، طويل وبعيد جدًا». وثانيها أن «الطرق لم تكن آمنة مثل اليوم، بسب عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي». وثالثها، أن «طريق الحج كان تحت رعاية الدولة المملوكية، حتى انتصر السلطان العثماني سليم الأول على المماليك في معركة مرج دابق.. والمعنى كان يصعب على السلاطين العثمانيين الذهاب للحج في ظل السيطرة المملوكية.. خاصة وأن من شروط الحج: أمان الطريق». 
 
ورابع هذه التبريرات التي ذكرها «مقصود أوغلو» هي «بدء الخطر البرتغالي والإسباني المُحدق بلاد الجزيرة العربية، واشتعال الحروب الشعواء.. ومثال على ذلك: البرتغاليون استولوا على البحر الأحمر عام 1517 م، ومن ثم هاجموا مدينة جدة، وكانوا يهدفون إلى احتلال مكة المكرمة ومقايضة القدس الشريف مع الدولة العثمانية، ولكن قائد مكة الأمير «نوماي»، دافع بكل شجاعة وعزيمة عن مكة المكرمة، واستطاع دحر البرتغاليين، وأفسد خطتهم الشيطانية».
 
واختتم المؤرخ أوغلو تبريراته بأن «الأمراء العثمانيين استندوا إلى العديد من الفتاوي الشرعية التي صدرت في ذلك العهد، وبينت بأن يمكن لهم إرسال وكيل عنهم؛ لتخفيف الضرر، للحفاظ على الديار الإسلامية واستقرارها؛ وذلك بسلامة رأس الدولة ورمزها».
 
وخلصت دراسة «مقصود أوغلو» إلى أن سلاطين آل عثمان، وأولياء عهدهم حجوا إلى بيت الله الحرام، وأدوا جميعًا الركن الخامس من أركان الإسلام، لكن ليس بجسدهم، وإنما عن طريق التوكيل، وإنابة غيرهم.

دحض التبريرات
وأيًا كانت المبررات التي ساقها المؤرخون الأتراك، دفاعًا عن سلاطين آل عثمان، وعدم تأديتهم لمناسك الحج، خاصة المتعاطفين مع الإمبراطورية العثمانية، ويرون أنها امتداد لـ«الخلافة الإسلامية»، إلا أنها لم تنطل على أحد، وكلها مردود عليها، بل إن هناك مؤرخين وباحثين يرون أن الدولة العثمانية لم تكن «خلافة»، بل كانت «احتلالًا» لبلاد المسلمين باسم الإسلام، متسائلين: ماذا قدمت للمسلمين والدين الإسلامي من تطور؟ موضحين أن الدولة الإسلامية أيام الخلفاء العباسيين كانت منارة للعلم والتطور، بينما كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس، لذا كان أمراء أوروبا يأتون إلى بلاد الإسلام ليتعلموا فيها، ويرسلون أولادهم ليتعلموا أيضا في بلاد المسلمين.. بينما تراجع المسلمون إلى الخلف في عهد الدولة العثمانية، ودخلوا في نزاعات وحروب أدت إلى تخلفهم عن ركب الحضارة.
 
وإذا كان الوصول إلى سدة الحكم مبررًا لتخلف سلاطين آل عثمان عن الحج، فلماذا لم يحجوا قبل توليهم مقاليد الأمور في البلاد؟ وهل ‏‎الدولة العثمانية من نشأتها وحتى نهايتها وهي تحارب من أجل البقاء، وسلاطينها كانوا في «جهاد دائم»؟ وهل كان الأعداء يتحينون ذهاب السلطان إلى الحج لينقضوا على الحكم، أو يحدثوا الفتن، وينفذوا الانقلابات؟
 
ثم إن بعض سلاطين آل عثمان غزوا آخر أوروبا، وإفريقيا، فهل هذه المسافة أبعد من الأراضي المقدسة إلى اسطنبول أم أنها نفس المسافة؟ ومع غزوهم تلك الأماكن البعيدة للمحافظة على دولتهم أو توسيعها، ألا يخشى السلاطين على مقر حكمهم، أم أن تبرير علماء السلطة راق لهم؟
 
وإذا كان تبرير عدم حج السلاطين هو تثبيت أركان حكم آل عثمان، والتصدي للصراعات والفتن والقلاقل الداخلية، والتفرغ لمواجهة الأخطار الخارجية.. أما كان الأولى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- عدم الحج؛ لأنه كان يواجه أخطارًا أشد، وكان الإسلام يحارب من كل اتجاه، إضافة إلى أن النبي كان يدبر شؤون المسلمين، ويقود الجيش في الغزوات؟
 
الموضوع ليس في الوقت الذي يستغرقه السلطان أو الحاكم لأداء مناسك الحج.. الأمر ديني بحت.. فالحج واجب على كل مسلم، فما بالنا بسلطان يجب أن يكون قدوة للمسلمين، خاصة وأن آل عثمان كانوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم «فاتحين إسلاميين»، ويمثلون «دولة الخلافة الإسلامية».

أمن الطريق والحج
هل أمن الطريق، وإمكان المسير من شروط الاستطاعة لأداء فريضة الحج أم لا؟ وهل عدم حج سلاطين الدولة العثمانية يندرج تحت هذا المبرر؟ 
 
المذاهب الأربعة الكبرى، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وغيرها، اتفقوا على أن أمن الطريق من شروط وجوب الحج، وهو داخل في قوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً». وأما إمكان المسير ووجود الزاد ووسيلة النقل أو ما تؤجر به، فمذهب الجمهور أنه شرط في الوجوب، وذهب المالكية إلى عدم اشتراط الزاد ووسيلة النقل لمن استطاع المشي وقدر على الاكتساب في الطريق أو السؤال إن كان مثله يسأل.
 
والراجح مذهب الجمهور، بحسب دار الإفتاء، لما في الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة. قال الترمذي: هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم.
 
فإذا كان سلاطين آل عثمان هم الذين يتولون تأمين الطرق إلى الحج، وتوفير الأمان لحجاج بيت الله الحرام، فكيف لا يستطيعون توفير الأمن لأنفسهم، حتى يؤدوا الركن العظيم من أركان الإسلام، ويشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معدودات؟

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق