التجربة الصعيدية في مكافحة الدروس الخصوصية

الأربعاء، 02 سبتمبر 2020 08:48 م
 التجربة الصعيدية في مكافحة الدروس الخصوصية
حمدي عبد الرحيم يكتب :

مركزية الدولة المصرية وعراقة تاريخها ورسوخ تقاليدها، هي ككل شيء، سلاح ذو حدين، فإن أردت بالسلاح خيرًا قام بالخير، وأن أردت به غير ذلك كان لك ما أردت، الحد السلبي في السلاح هو في رؤية المصريين للدولة، المصريون في عمومهم يرون دولتهم هي الأب والأم والزوجة، لقد ولدت أجيال من المصريين والدولة تقوم بكل شيء، وماتت أجيال من المصريين والدولة هي الراعي الرسمي بل الحصري لحياتهم، ثم جرت في النهر مياه كثيرة ومتدفقة جرفت في طريقها أشياء، ولكن بقيت في قلوب المصريين تلك الرؤية لدولتهم.

في كل أزمة هناك أمل مقيم في قلوب المصريين، يجعلهم  يؤمنون  بفكرة امتلاك الدولة للورقة الحاسمة ولعصا موسى التي ستتدخل بها لحل كل أزمة في لحظة واحدة وبضربة واحدة.

ثبت يقنيًا أن هذا الأمل لا محل له من الإعراب، وكل حكومات العالم لا تستطيع حل مشكلة شعب هو بنفسه لا يريد حلها ولا يسعى لحلها، ولكي لا يكون كلامنا في الهواء الطلق وفي العموميات، سأضرب مثلًا بكارثة الدروس الخصوصية، وهى كارثة حقيقية، ولم يفلت منها بيت مصر واحد.

ولكي نشعر بالحجم الحقيقي للمشكلة تعالوا نقرأ بيانًا رسميًا أصدرته وزارة التربية والتعليم في أبريل من العام الماضي.

يقول البيان :" يبلغ إجمالي عدد المدارس الحكومية في مصر حاليا 47 ألفا و43 مدرسة ، تضم بداخلها 429 ألفا و 884 فصلا .

يبلغ إجمالي عدد الطلاب الدارسين بالمدارس الحكومية 20 مليونا و 121 ألفا و 329 طالبا وطالبة، منهم 10 ملايين و 291 ألفا و 689 بنين ، و 9 ملايين و 859 ألفا و 640 بنتا.

يبلغ إجمالي عدد المعلمين (المعينين والمتعاقدين) بالمدارس الحكومية 947 ألفا و 282 معلما ومعلمة.

أما عن المدارس الخاصة ، فيبلغ إجمالي عددها في مصر حاليا 8 آلاف و171 مدرسة على مستوى الجمهورية ، وتضم 70 ألفا و284 فصلا.

ويبلغ إجمالي عدد الطلاب الدارسين بالمدارس الخاصة 2 مليون و 332 ألف  و52 طالبا وطالبة ، منهم مليون و 232 ألفا و 538 طالبا، و مليون و 99 ألفا و 514 بنتا.

ويبلغ عدد المعلمين العاملين بالمدارس الخاصة في مصر 91 ألفا و 385 معلما ومعلمة".

انتهى البيان الرسمي الذين يتحدث عن ملايين، من الطلاب ومن القائمين على العملية التعليمية ، وتلك الملايين تتفوق عددًا على سكان دول لها مقاعد بالأمم المتحدة وبغيرها من المنظمات الدولية ، ماذا تفعل الدولة مع كل هذه الملايين ؟.

في مسألة الدروس الخصوصية تحديدًا لم تقصر الدولة، لقد ناشدت، بل وتسولت، ثم جرمت الدروس ، ولكن كل تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح ، فما تزال الدروس الخصوصية تقوم بدور الوباء الفتاك الذي ينخر في عظم التعليم المصري ويمتص نخاعه.

كم تبلغ فاتورة في الدروس الخصوصية ؟.

لن تجد جهة تحصل منها على رقم مؤكد يمثل الواقع ويطمئن إليه ضميرك، لأن الأمر تحول من عملية تعليمة إلى ما يشبه سراديب ودهاليز عمليات المافيا، ففي حمى السعي خلف أوهام المجاميع العالية تستدين الأسرة المصرية لكي يتلقى أولادها الدروس الخصوصية، بل بعض الأسر توفر المكان بمستلزماته، وهذا أمر جنوني لا يقدم حلًا بل يفاقم المشكلة.

هناك أسر تحمي مراكز الدروس الخصوية المعرفة إعلاميًا باسم السناتر، نحن نتحدث عن خسائر مادية تقدر بمليارات الجنيهات، وكأن مصر ـ لا قدر الله ـ يضربها زلزال مرة في كل عام، ثم ماذا تكون النتيجة؟.

النتيجة الحقيقة هى الصفر الكوني الكبير ، فلم يجرؤ أحد على الزعم بأن المليارات التي تنفق سنويًا على تجارة الدروس الخصوصية قد ساهمت بأدنى قدر في تقدم التعليم المصري ، هذا إن لم يكن قد ساهمت في تخريبه وفي العبث به .

الكرة في ملعب الشعب وبين أقدامه ، وهو المسئول أولًا عن وضع نقطة في آخر السطر ثم البدء من جديد ، جملة ، بل سخافة الدروس الخصوصية طالت لأزيد مما يجب ، ويجب أن يتصدى لها الشعب ، معلنًا إفاقته من مخدر الدروس ، والحل لن يهبط من السماء ولا يحتاج لتكنولوجيا معقدة ، الحل يحتاج لهمة وعزيمة وليس أكثر ، وقد فعلتها قريتي " التمساحية : بشمال أسيوط ، جلس الشباب أصحاب الهمم العالية ونظروا إلى بؤس المشهد ، وشاهدوا أحوال الأسر التي تكاد تتخلى عن قوت يومها للإنفاق على الدروس الخصوصية فقرروا التصدي والمواجهة ، وفروا مكانًا بالجمعية الخيرية القانونية المشهرة ، ثم خاطبوا أكابر مدرسي القرية لكي يدرّس الواحد منه مادة واحدة لوجه الله ولوجه العلم لا يريد جزاءً ولا شكورًا ، وقد انهالت عليهم طلبات المساهمة ، فالمادة التي يسعون لتوفير معلم واحد لها ، وجدوا أكثر من معلم يتبرع بوقته لكي يدرسها مجانًا ، وقد بدأت حصص التدريس لطلاب الثانوية  قبل بدء الدراسة بشهرين كاملين ، وهذا يعني أن الحصص ستكفي وتزيد للتدريس وللمراجعة لأكثر من مرة ، وبتلك الطريقة سيتم رفع العبء عن كاهل الأسر التي تئن من وطأة تكاليف الدروس الخصوصية وسيحصل الطلاب على خدمة ممتازة مجانًا ، القصة أوضح من أن نقدم لها شرحًا ولا تفسيرًا ، على الشعب أن يواجه ويكف عن البكاء على اللبن المسكوب.

 

حمدي عبد الرحيم يكتب: التجربة الصعيدية في مكافحة الدروس الخصوصية

مركزية الدولة المصرية وعراقة تاريخها ورسوخ تقاليدها، هي ككل شيء، سلاح ذو حدين، فإن أردت بالسلاح خيرًا قام بالخير، وأن أردت به غير ذلك كان لك ما أردت، الحد السلبي في السلاح هو في رؤية المصريين للدولة، المصريون في عمومهم يرون دولتهم هي الأب والأم والزوجة، لقد ولدت أجيال من المصريين والدولة تقوم بكل شيء، وماتت أجيال من المصريين والدولة هي الراعي الرسمي بل الحصري لحياتهم، ثم جرت في النهر مياه كثيرة ومتدفقة جرفت في طريقها أشياء، ولكن بقيت في قلوب المصريين تلك الرؤية لدولتهم.

في كل أزمة هناك أمل مقيم في قلوب المصريين، يجعلهم  يؤمنون  بفكرة امتلاك الدولة للورقة الحاسمة ولعصا موسى التي ستتدخل بها لحل كل أزمة في لحظة واحدة وبضربة واحدة.

ثبت يقنيًا أن هذا الأمل لا محل له من الإعراب، وكل حكومات العالم لا تستطيع حل مشكلة شعب هو بنفسه لا يريد حلها ولا يسعى لحلها، ولكي لا يكون كلامنا في الهواء الطلق وفي العموميات، سأضرب مثلًا بكارثة الدروس الخصوصية، وهى كارثة حقيقية، ولم يفلت منها بيت مصر واحد.

ولكي نشعر بالحجم الحقيقي للمشكلة تعالوا نقرأ بيانًا رسميًا أصدرته وزارة التربية والتعليم في أبريل من العام الماضي.

يقول البيان :" يبلغ إجمالي عدد المدارس الحكومية في مصر حاليا 47 ألفا و43 مدرسة ، تضم بداخلها 429 ألفا و 884 فصلا .

يبلغ إجمالي عدد الطلاب الدارسين بالمدارس الحكومية 20 مليونا و 121 ألفا و 329 طالبا وطالبة، منهم 10 ملايين و 291 ألفا و 689 بنين ، و 9 ملايين و 859 ألفا و 640 بنتا.

يبلغ إجمالي عدد المعلمين (المعينين والمتعاقدين) بالمدارس الحكومية 947 ألفا و 282 معلما ومعلمة.

أما عن المدارس الخاصة ، فيبلغ إجمالي عددها في مصر حاليا 8 آلاف و171 مدرسة على مستوى الجمهورية ، وتضم 70 ألفا و284 فصلا.

ويبلغ إجمالي عدد الطلاب الدارسين بالمدارس الخاصة 2 مليون و 332 ألف  و52 طالبا وطالبة ، منهم مليون و 232 ألفا و 538 طالبا، و مليون و 99 ألفا و 514 بنتا.

ويبلغ عدد المعلمين العاملين بالمدارس الخاصة في مصر 91 ألفا و 385 معلما ومعلمة".

انتهى البيان الرسمي الذين يتحدث عن ملايين، من الطلاب ومن القائمين على العملية التعليمية ، وتلك الملايين تتفوق عددًا على سكان دول لها مقاعد بالأمم المتحدة وبغيرها من المنظمات الدولية ، ماذا تفعل الدولة مع كل هذه الملايين ؟.

في مسألة الدروس الخصوصية تحديدًا لم تقصر الدولة، لقد ناشدت، بل وتسولت، ثم جرمت الدروس ، ولكن كل تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح ، فما تزال الدروس الخصوصية تقوم بدور الوباء الفتاك الذي ينخر في عظم التعليم المصري ويمتص نخاعه.

كم تبلغ فاتورة في الدروس الخصوصية ؟.

لن تجد جهة تحصل منها على رقم مؤكد يمثل الواقع ويطمئن إليه ضميرك، لأن الأمر تحول من عملية تعليمة إلى ما يشبه سراديب ودهاليز عمليات المافيا، ففي حمى السعي خلف أوهام المجاميع العالية تستدين الأسرة المصرية لكي يتلقى أولادها الدروس الخصوصية، بل بعض الأسر توفر المكان بمستلزماته، وهذا أمر جنوني لا يقدم حلًا بل يفاقم المشكلة.

هناك أسر تحمي مراكز الدروس الخصوية المعرفة إعلاميًا باسم السناتر، نحن نتحدث عن خسائر مادية تقدر بمليارات الجنيهات، وكأن مصر ـ لا قدر الله ـ يضربها زلزال مرة في كل عام، ثم ماذا تكون النتيجة؟.

النتيجة الحقيقة هى الصفر الكوني الكبير ، فلم يجرؤ أحد على الزعم بأن المليارات التي تنفق سنويًا على تجارة الدروس الخصوصية قد ساهمت بأدنى قدر في تقدم التعليم المصري ، هذا إن لم يكن قد ساهمت في تخريبه وفي العبث به .

الكرة في ملعب الشعب وبين أقدامه ، وهو المسئول أولًا عن وضع نقطة في آخر السطر ثم البدء من جديد ، جملة ، بل سخافة الدروس الخصوصية طالت لأزيد مما يجب ، ويجب أن يتصدى لها الشعب ، معلنًا إفاقته من مخدر الدروس ، والحل لن يهبط من السماء ولا يحتاج لتكنولوجيا معقدة ، الحل يحتاج لهمة وعزيمة وليس أكثر ، وقد فعلتها قريتي " التمساحية : بشمال أسيوط ، جلس الشباب أصحاب الهمم العالية ونظروا إلى بؤس المشهد ، وشاهدوا أحوال الأسر التي تكاد تتخلى عن قوت يومها للإنفاق على الدروس الخصوصية فقرروا التصدي والمواجهة ، وفروا مكانًا بالجمعية الخيرية القانونية المشهرة ، ثم خاطبوا أكابر مدرسي القرية لكي يدرّس الواحد منه مادة واحدة لوجه الله ولوجه العلم لا يريد جزاءً ولا شكورًا ، وقد انهالت عليهم طلبات المساهمة ، فالمادة التي يسعون لتوفير معلم واحد لها ، وجدوا أكثر من معلم يتبرع بوقته لكي يدرسها مجانًا ، وقد بدأت حصص التدريس لطلاب الثانوية  قبل بدء الدراسة بشهرين كاملين ، وهذا يعني أن الحصص ستكفي وتزيد للتدريس وللمراجعة لأكثر من مرة ، وبتلك الطريقة سيتم رفع العبء عن كاهل الأسر التي تئن من وطأة تكاليف الدروس الخصوصية وسيحصل الطلاب على خدمة ممتازة مجانًا ، القصة أوضح من أن نقدم لها شرحًا ولا تفسيرًا ، على الشعب أن يواجه ويكف عن البكاء على اللبن المسكوب.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق