شيزوفرينيا مجتمعية!

السبت، 05 سبتمبر 2020 01:33 م
شيزوفرينيا مجتمعية!
مختار محمود يكتب :

لم أندهش من التحقيق مع أشهر مؤلفى الأغانى الوطنية فى السنوات الأخيرة بتهمة التهرب من سداد أكثر من نصف مليون جنيه للضرائب. 
 
رغم أن هذا التصرف المشين ينطوى على "شيزوفرينيا بغيضة"، ولكن يبدو أن هذه الحالة لم تعد استثنائية، بل أصبحت حالة عامة، لا تفرق بين العاملين فى الفن أو السياسة أو الدين أو أى مجال آخر. معظم من يزايدون على الشعب المصرى من أهل الفن، ومن يقدمون الأغانى الوطنية، ويذرفون الدمع فى "الأوبريتات الفدائية" يتورطون فى قضايا مشابهة.
 
ولا نعلم كيف تكون الوطنية حاضرة مع مراوغة مصلحة الضرائب وعدم سداد مستحقات الدولة. هناك صنف آخر أكثر دهاءً، وهو مَن يتعاون مع محاسبين ماكرين، للتلاعب فى إقراراته الضريبية كل عام، حتى أن هناك فنانة من نجوم الصف الأول وتجمع بين الغناء والتمثيل وتقديم الإعلانات والبرامج  لا يتجاوز الرقم المستحق عليها بضعة آلاف من الجنيهات، وهو أمر يجيده أيضًا مشاهير المحامين ورجال الساسة، حتى أن شيخًا كبيرًا من شيوخ المحامين يمتلك مكتبًا كبيرًا يعمل به عشرات المحامين، ومعروف بأجوره المليونية، لا تتجاوز ضرائبه السنوية عدة آلاف من الجنيهات.
 
ومؤخرًا غادرنا مؤلف أغانٍ تخصص فى كتابة الأغانى الدينية لمشاهير المطربين والمطربات بعد إدانته فى مخالفات مالية صارخة.
 
علماء الدين والمشتغلون بالدعوة ليسوا بعيدين عن هذه "الشيزوفرينيا"، فجميعهم يدعوننا إلى الزهد والتقشف وعشق الفقر؛ باعتبار أن الفقراء عيال الله وسوف يدخلون الجنة يوم يقوم الناس لرب العالمين، فى الوقت الذى يقتنون فيه القصور والسيارات الفارهة والحسابات البنكية الكبيرة، ويشترطون الحصول على "أعلى سعر" نظير الظهور فى البرامج الدينية مقدمين أو ضيوفًا.
 
"الشيزوفرينيا".. طالت أيضًا فصيل التنويريين وحاملى ألوية حرية الرأى والتعبير ومُحطمى التابوهات والثوابت؛ ففى الوقت الذى يطالبون فيه لأنفسهم بتمكينهم من الحرية المطلقة، يطالبون بحجبها عن غيرهم ممن يخالفونهم الرأى، ولا يخجلون من المطالبة بحبسهم وتشريدهم!  وما أكثر الحقوقيين الذين يأكلون حقوق غيرهم، وواقعة تعذيب إحدى الحقوقيات خادمتها وإحراقها ليست ببعيدة! وما أكثر من يتظاهرون بالحرب على الفساد وهم أبرز رموزه وأباطرته والمستفيدين منه.
 
نحن بصدد حالة مُعقدة من "الشيزوفرينيا" التى أفرزت مجتمعًا مفككًا أخلاقيًا واجتماعيًا ودينيًا، مجتمعًا فيه فاسدون يكتبون عن مكافحة الفساد، وجهلاء يكتبون عن قيمة العلم، وبلطجية يكتبون عن دولة القانون، وظلاميون يكتبون عن التنوير، وانحلاليون يكتبون عن مكارم الأخلاق، وخونة يكتبون عن حب الأوطان.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق