تموت الحُرَّة ولا تأكل بـ"التريند"

الإثنين، 16 نوفمبر 2020 02:16 م
تموت الحُرَّة ولا تأكل بـ"التريند"
مختار محمود يكتب :

الشرف عنوان الأحرار والحرائر على السواء، والإنسان معدوم الشرف ميتٌ وإن لم تغادر روحُه جسدَه، وقديمًا..قالوا: تجوع الحُرَّة ولا تأكل بثدييها، وهو مَثلٌ يُضرب في صيانة الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، نفسه عن خسيس مكاسب الأموال. وفى زمن الترندات.. يتنازل كثيرون عن شرفهم وكرامتهم ونخوتهم؛ من أجل أن يحتل أسماؤهم قوائم الأكثر متابعة وبحثًا، ولا يمانعون من التخلى عن أى شيء؛ نظير أن تظل أسماؤهم فى دائرة الضوء، وما يتبع ذلك من شهرة وانتشار، قد يعقبهما بطبيعة الحال مكسب مادى ومعنوى كبيران، غير أنه يشبه مكاسب وأرباح الغوانى وفتيات الليل. 
 
هذه الآفة لم تعد تقتصر على فئة دون الآخرى، فقد تشمل: الأطباء والمهندسين والأدباء والمفكرين والفنانين ورجال الدين، يستوى فى ذلك الذكور والإناث، فى واحدة من أشد الظواهر الاجتماعية والأخلاقية بؤسًا وتدنيًا ورُخصًا. آخر هذه المواقف كان بطلها إبراهيم عيسى المتخصص فى تجريح الثوابت الدينية والعلماء المسلمين، وفى الصدارة منهم: إمام الدعاة إلى الله الشيخ محمد متولى الشعراوى. الأسبوع الماضى.. عاود "أبو خليل" فتح النار على إمام المفسرين، ورماه بأنه استخدم كل التجليات الربانية التى اصطفاه الله بها فى التمكين للإرهاب والتطرف. ورغم إن المثل القديم يقول:" لو كنت كذوبًا فكن ذكورًا"، إلا إن "أبو حمالات" كثير النسيان، حتى إنه يناقض نفسه، فقد قال منذ عام بالتمام والكمال عن "الشعراوى": " ليس مفسرًا ولا يملك أدوات التفسير، ولا مفتيًا ولا يملك أدوات الفتوى، ولا محدثًا ولا يملك أدوات الحديث"، فكيف يصف الآن من أنزل به كل هذه الاتهامات بأنه كان ذا تجليات ربانية غير محدودة؟ والإجابة باختصار: إنه الترند، الذى من أجله تتغير المواقف، وتتبدل الآراء، ويتهم الناس بعضهم وأحيانًا أنفسهم بالباطل. وأراك تسألنى مندهشًا: وهل وصل الأمر إلى أن يتهم الناس أنفسهم بالباطل ويصمون ذواتهم بالخطايا والنقائص؟ والإجابة: نعم بكل تأكيد.. فبالتزامن مع خطيئة "عيسى"، كانت فنانة تونسية تتهم نفسها بأنها حملت سفاحًا؛ ليحتل اسمها خلال لحظات قوائم الأكثر بحثًا، وتتناقل سيرتها وسائل الإعلام، قبل أن تخرج لتُكذب نفسها بنفسها، ولكن بعدما حققت الهدف المطلوب.
 
وعلى ذِكر أهل الفن.. فإن وباء الترند اقتحم الوسط الفنى بضراوة، وصار عدد كبير من الفنانين، بعضهم من الصف الأول، يوظف الترند للدعاية لعمل فنى جديد، كأن يروج خبرًا كاذبًا عن نفسه، مثل: انفصاله عن زوجته، أو إصابته أو أحد من أفراد أسرته بمرض خطير يهدد حياته؛ حتى تتهافت عليه وسائل الإعلام بمختلف أطيافها وتتعاطف معه، ومن ثمَّ يذيع من خلالها وبالمجان وفى ذروة هذه التعاطف غير المستحق، موعد طرح أحدث ألبوماته، أو  تفاصيل الفيلم السينمائى الجديد، وهكذا دواليك!!
 
المحسوبون على المثقفين والأدباء أتقنوا اللعبة أيَّما إتقان، "بصوت كاظم الساهر"، فراحوا ينقبون عن الغرائب والنوادر والروايات المكذوبة ليُصدِّروها للرأى العام، حتى يتحاكى الناس بهم وعنهم ويتم دعوتهم إلى منصات التتويج العالمية، وتستضيفهم وسائل الإعلام الأجنبية، مثل الروائى "الضخم" الذى دأب تارة على سب صلاح الدين الأيوبى، وتارة أخرى على التشكيك فى حقيقة المسجد الأقصى، وتارة ثالثة على إهانة صحابة رسول الله، وهو ما يؤهله دائمًا للحصول على جوائز عالمية عن رواياته، حتى لو ثبت للقاصى والدانى أنها "مسروقة"؛ لأن الترند أصبح خيرًا وأبقى! نداهة "الترند" اجتذبت بعض المشتغلين بالدعوة، ممن راقت لهم اللعبة واستهوتهم، فراحوا يعبثون بثوابت الدين وأركانه، حتى يذكرهم الناس، ويتم تصديرهم باعتبارهم علماء مستنيرين، لا يعرفون تطرفًا أو غلوًا، فظهر من يزعم أن شهادة التوحيد ليست من أركان الإسلام، بل بالغ أحدهم عندما أذاع أن حديث "بُنى الإسلام على خمس" حديث موضوع، ويمكن للإنسان أن يكون مسلمًا دون شهادة التوحيد ودون اعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودون صلاة أو صوم أو زكاة أو حج، وأن الخمر ليست حرامًا، وأن الراقصة إذا ماتت وهى عائدة من عملها احتسبت من الشهداء والصديقين وحسُن أولئك رفيقًا. أما الفئة الأضل سبيلاً التى استهوتها الترندات فهم من ينسبون أنفسهم إلى تيار التنوير والذين لا عمل لهم سوى قص بعض العبارات المنسوبة لمستشرقين غربيين كارهين للإسلام، لينشروها على حساباتهم الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعى؛ ليحصدوا من خلالها إشارات الإعجاب والتعليقات والمشاركات، وما يتبع ذلك من حالة من الرواج  والانتشار.
 
وربما كان الخاسر الأكبر من لعنة الترندات ولعنتها هى الصحافة، التى تحولت إلى أسيرة للترندات، حيث تلجأ بعض المواقع الألكترونية إلى اصطناع "ترند" تحقق من خلاله مشاهدات خرافية، كأن تنشر خبرًا كاذبًا عن إصابة فنانة كبيرة بمرض خطير، أو وفاة شخصية مشهورة فى حادث مريب، وبعدما تحقق مرادها تُكذِّب نفسها بنفسها فى لعبة مكشوفة ومفضوحة للجميع، أما الوجه الآخر لصحافة الترندات فهو إنتاج تنويعات متعددة على خبر يكون رائجًا وقد يثبت لاحقًا أنه لا أصل له، ليكون السقوط مدويًا، وكانت آخر هذه الوقائع ادعاء فنانة عربية حملها سفاحًا وهروب صديقها. إنه زمن الترندات، وزمن الفقاقيع، وزمن الأكاذيب، وزمن الصغار، فأهلاً بكم حتى إشعار آخر..

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق