أما آن للمستريح أن يختفي

الأحد، 13 ديسمبر 2020 09:00 ص
أما آن للمستريح أن يختفي
حمدي عبد الرحيم يكتب:

عاش المصريون في ثمانينات القرن الماضي بدء ظاهرة تخريب الاقتصاد القومي تحت ستار" توظيف الأموال"، وفي تلك الأيام النحسات لا أعادها الله، كان المتلاعبون على درجة عالية من إجادة المراوغة، فقد غلفوا سلعتهم المسممة بغلاف إسلامي براق، خطف أبصار بعض الأبرياء، خاصة وقد عمل المتلاعبون المخربون إلى استخدام أسماء لها ثقلها ووزنها في عمليات الترويج والتسويق لتخريبهم.

 
كم خسر اقتصادنا في تلك الفترة؟
 
سنتحدث عن أرقام مليارية، إضافة إلى تلك المآسي الإنسانية وخراب البيوت العامرة، وكلنا يعلم كيف انتهت تلك الظاهرة المدمرة، وكيف لم يحصل معظم المودعين إلا على أقل القليل من مستحقاتهم، وبعضهم حصل على أغطية مقابل المال الذي ضاع عليهم!
 
أيامها لم يصغ أحد لتحذيرات الدولة ولا لتحذيرات الاقتصاديين الوطنيين الذين يعرفون أصول استثمار الأموال، وقد دفع المواطنون ثم تجاهلهم لتحذيرات الدولة وكان الثمن باهظًا.
 
مضت تلك الأيام بشرها وخيرها، وعرف الجميع أن الدولة كانت محقة في مطاردتها لذلك النشاط المشبوه الذي يخسر فيه الجميع ولا يربح إلا شخص واحد ربحًا حرامًا لا يأتيه الحلال لا من بين يديه ولا من خلفه.
 
ومع تلك المعرفة التي تشبه الكي بالنار، ظننا أن المودع لن يلدغ من نصاب مرتين، ولكن تأت الرياح بما لا تشتهي السفن، فرغم كل جهود الدولة في التصدي لتلك الظاهرة ورغم ازدياد وعي المواطنين، فقد خرجت من عباءة توظيف الأموال القديمة ظاهرة جديدة، يعرفها الإعلام باسم" المستريح " في إشارة إلى أول من خدع الناس وحصل على أموالهم بالغش والخداع والتدليس.
 
بعد المستريح الأول جاء "مستريحون" كثر، فلا يكاد يمر شهر حتى نقرأ تفاصيل القبض على مستريح جديد.
 
من ضربة البداية يظهر للجميع أن صاحب المشروع والفكرة ما هو إلا نصاب محتال، ومن ذلك لا ينقطع خيط الضحايا، وتلك مفارقة عجيبة، خاصة والضحايا يأتون من مختلف فئات الوطن، فبينهم أساتذة في الجامعة وبينهم بسطاء حصلوا على أموالهم بشق الأنفس وبعضهم كان يدخر من قوت يومه، فكيف يقع الجميع في فخ النصاب الذي يكاد احتياله يكون مرسومًا على جبهته؟ 
 
أحدث التجارب المريرة يعيشها أهالي قرية تابعة لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، فقد قدموا حر مالهم لمستريح لكي يوظفها أو يستثمرها، وتلك الأموال تقدر بالملايين، وكالعادة هرب المستريح بأموالهم وكالعادة طاردته أجهزة الأمن حتى تمكنت من إلقاء القبض عليه.
 
أحد الضحايا قال لوسائل الإعلام: "إن حجم المبالغ التي استولى عليها منهم قرابة المليار جنيه مصري، وأنه كان محل ثقة لديهم وكان يعمل في توظيف الأموال من منتصف التسعينات وكان ملتزمًا في دفع الأرباح لهم من خلال العمل في التجارة، ومع مرور الأيام ولحسن سمعته تزايد عدد المودعين لديه، وأصبح يتعامل معه أكثر من 1000 من الأهالي، لكنه اختفى منذ شهر، ولم يدفع المبالغ الشهرية، وتم تحرير العديد من المحاضر ضده".
 
أدهشني شخصيًا أن أحد الضحايا قد ألقى باللوم على الدولة!
 
لا حول ولا قوة إلا بالله، ما المطلوب من الدولة؟
 
هل تمنع الناس من استثمار أموالهم فتصادرها؟
 
هل تلقي القبض على كل الذين يعلمون في الاستثمار بالشبهة وليس باليقين؟
 
الكرة هي دائمًا في ملعب المودع وليس الدولة التي كانت ستكون مخطئة فيما لو لم تقبض على المتلبس بذلك الجرم، أما وأنها قد فعلت فلا لوم ولا عتاب.
 
في القصة التي بين أيدنا أمر في غاية الخطورة يشير إلى نية الناس في خداع أنفسهم قبل أن يخدعوا أحدًا آخر، ذلك الأمر هو أن المستريح قد وعد المودعين بأن يقدم لهم 50% من الأرباح شهريًا!
 
كل علامات التعجب لا تكفي لفضح تهافت الاتفاق، هل هناك استثمار يقدم هذه النسبة من الأرباح؟.. لا يوجد ذلك الاستثمار على وجه القطع واليقين حتى لو كان استثمارًا في ممنوعات محرمة قانونيًا، وعلى ذلك فالمودع قاده الطمع في ربح وفير جدًا بدون أن يبذل أدني مجهود ، وذلك الطمع عمل عليه المستريح وجنى الملايين من الأرباح ثم كالعادة أعلن تعثره قابلًا بل وراضيًا بأن يسجن سنوات ثم يخرج إلى الحرية محميًا بملايينه ومتمتعًا بها.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق