ذئب محترف وفريسة سهلة

الأحد، 10 يناير 2021 10:00 ص
ذئب محترف وفريسة سهلة
حمدي عبد الرحيم

 
في زمن مضى كنا نبتسم لطرفة تقول: كان الزوج يهمل بيته دائمًا ولا يعود إليه إلا قبيل الفجر، وكانت زوجته دائمة ما تطالبه بالاهتمام ببيته وبالعودة مبكرًا، ظل الحال هكذا إلى أن نفد صبر الزوجة التي صاحت غاضبة في وجه زوجها الذي عاد متأخرًا كعادته:" كنت فين لغاية دلوقت"، وأثناء نقاش الزوجة من الزوج، شاهد الزوج رجلًا غريبًا يغادر غرفة نومه مسرعًا فصاح في زوجته: "ودا مين دا؟".
 
فما كان من الزوجة إلا أن ردت بثبات انفعالي تحسد عليه:" متغيرش الموضوع، كنت فين لغاية دلوقت؟".
كنا نحسب الأمر طرفة تشير إلى قدرات بعضهن على الخروج من المأزق بأقل قدر من الخسائر، ثم جرت تحت الجسور المياه المعروفة وما كان يضحكنا أصبح يبكينا، فقد تحولت الطرفة إلى حقيقة دامية، تقود إلى حبل المشنقة وإلى خراب بيوت خرابًا يستعصي على الإصلاح أو الترميم.
هل قرأنا بعين مدققة وبضمير منصف قصة دامية شغلت الرأي العام قبل أيام، وأعني بها قصة فتاة الطب؟.. لقد بدأت القصة بداية مثل بداية الطرفة لكنها وصلت إلى مأساة مفجعة.
يقول ملخص القصة كما نشرته كل المواقع الإخبارية: إن فتاة تدرس الطب قد فرت من بيت والدها لأن الوالد يريد تزويجها رغم أنفها (هنا يجب أن ندين الأب فورًا وبدون نقاش، إدانة لا تقبل استئنافًا ولا نقضًا). بعد أن فرت الفتاة ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، فمن أين سيتنفق على نفسها؟
هنا بدأ التخبط فقد نشرت الفتاة طالبة الطب إعلانًا على الفيس بوك تعلن فيه عن رغبتها، العمل جليسة أطفال!
الصياد المحترف شم رائحة فريسة مقبلة، فبادر بالاتصال بها وعرض عليها العمل جليسة لأطفاله بشرط الإقامة الدائمة في بيته مقابل ثلاثة آلاف جنيه شهريًا.
ولأنها فريسة مسكينة بدون خبرة ولا تجربة لم تتوقف لتسأل نفسها ولو نصف سؤال عن أخلاق وطبيعة والد الأطفال.
(هناك تمهيد نيراني لهذه القصة يقوم مقام التنويم المغناطيسي، فثمة ترويج مريب وتسويق أشد ريبة لحالات هجران بيت الأسرة والاعتماد على الذات!).
دخلت الفريسة بقدميها إلى وكر أو جحر الصياد، ليبدأ بعد ساعات قلائل مرت على دخولها بيته بافتراسها!
(هل سألت الفتاة نفسها عن سر غياب أم الأطفال؟ هل سألت نفسها عن أخلاق شاب في الثلاثينات من عمره يصر على إقامتها الدائمة في بيته؟ للأسف لم توجه لنفسها سؤالًا واحدًا)
وقف الاثنان أمام النيابة العامة التي باشرت التحقيق.
قالت الفتاة:" إن المتهم راودها عن نفسها، في أول ليلة تقضيها تحت سقف بيته، وعندما رفضت أخرج سلاحه الناري وهددها بإطلاق الرصاص عليها، إذا لم ترضخ لطلبه، وأثناء محاولتها الاستغاثة بالجيران، استيقظ الأطفال فقام باغتصابها ثلاث مرات على مدار أربع ساعات تحت عيون الأطفال، ثم أجبرها على التوقيع على عقد زواج عرفي، ثم قدم لها مئتي جنيه وتركها تغادر الشقة".
نحن أمام جريمة تمت بعد تخطيط وعن قصد وتعمد فالذئب قرأ حالة الفتاة جيدًا، هي قدمت له طرف الخيط عندما قبلت العمل لديه بدون أي ضمانات وكأنه من أولياء الله الصالحين وليس بليدًا خسيسًا يمتلك فحش الإقدام على ارتكاب جريمة بشعة تحت عيون أطفاله، ثم هو أرد تأمين موقفه وأجبرها على توقيع عقد زواج عرفي لكيلا تفكر في الذهاب إلى الجهات المختصة، وحتى لو ذهبت فمعه إقرار بأنها زوجته!
في لحظة حاسمة قررت الفتاة مغادرة خوفها والانتقام لشرفها بهدم المعبد فوق رأس الذئب لقد تشجعت وذهبت إلى النيابة ولم تكذب وأدلت باعترافات مفصلة، أدانت فيها نفسها ووالدها الذي كان يريد تزويجها رغم أنفها فدمر حياتها كلها.
قام الأمن بدوره على خير وجه فقد بادر بإلقاء القبض على المتهم الذي أسقط في يده أمام اعترافات صادقة قدمتها الفتاة الضحية، فقدم هو اعترافاته التي أيدت اعترافات الفتاة، فقررت النيابة حبسه خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق مع عرض الفتاة على الطب الشرعي.
هل انتهت القصة؟
أكاد أقول إنها قد بدأت.
هناك عقاب صارم سيناله الجاني لا شك في هذا، وكان المستشار رفعت السيد، رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق، قد قال تعقبًا على جريمة مماثلة:" إن العقوبة في جرائم هتك العرض والاغتصاب تتوقف على توصيف النيابة العامة للجريمة بناء على تحقيقاتها، وتختلف عقوبتها حسب ظروف وملابسات الجريمة، فإذا كانت ضحية الاغتصاب مخدومة الجاني، أو في ولايته، أو له أي تأثير عليها بأي شكل من الأشكال، فالعقوبة تكون مضاعفة وتصل إلى الأشغال الشاقة، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام، إذا نتج عن الاعتداء".
إذا أعدم الجاني أو أمضى في سجنه خمسًا وعشرين سنة فما هو المصير الذي ينتظر أولاده الذين شاهدوه وهو يرتكب جريمته البشعة؟
ثم ما هو مصير الفتاة التي دفعت في لحظة واحدة ثمنًا باهظًا لأنها لم تجاهلت إشارات تنبيه كان تؤكد أن مستضيفها ما هو إلا ذئب محترف.
أما والد الفتاة فهو طرف أصيل وأساسي في هذه القصة الدامية، فقد تخلى عن مسئوليات تفرضها عليه أبوته عندما أراد إجبار ابنته على الزواج، فلا هي تزوجت ولا هي ظلت تحت رعايته معززة مكرمة، إن عناد الأب ورغبته العجيبة في تزويج ابنته رغم أنفها هي التي فتحت الباب لهذا المصير القاتم الذي سيظلل ما بقى لها من عمر، فمتى يستفيق الآباء ويعرفون أن زمن الإجبار قد ولى ولن يعود، ومتى تتمهل الفتيات قبل أن يقدمن على خطوة تقود نحو الهاوية؟

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق